التهجير القسري – تعريف وتوصيف
التهجير القسري سلوكٌ, وممارسة, تنفذها قوى حكومية أو شبه عسكرية أو مجموعات متعصبة تجاه مجموعات عرقية أو دينية أو مذهبية، بهدف إخلاء مدن وقرى وأقاليم لإحلال مجاميع ومجموعات سكانية مختلفة عرقيا أو مذهبيا أو طائفيا بديلا عنها، ليصار إلى تغيير سكاني – ديموغرافي.
ويعرّفه القانون الدولي الإنساني بأنه “الإخلاء القسري وغير القانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها”، وهي ممارسة مرتبطة بالتطهير وإجراء تقوم به الحكومات أو المجموعات المتعصبة تجاه مجموعة عرقية أو دينية معينة، وأحيانا ضد مجموعات عديدة بهدف إخلاء أراضٍ معينة لنخبة بديلة أو فئة معينة، وتعتبر المواد (2)، (7)، (8) من نظام روما الأساسي، التهجير القسري جريمة حرب.
كما تُعد عمليات التهجير القسري جرائم حرب دامغة، وفق المادة (49) من اتفاقيات جنيف الأربع، المؤرخة في 12 أغسطس 1949، والبروتوكولان الملحقان بها لعام 1977،. وتشكل عمليات التهجير القسري انتهاكًا فاضحًا “لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية” التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1948، والتي تعدّ – في مادتها الثانية- أن كل ما يؤدي إلى التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بمنزلة إبادة جماعية.
تغيير البنية الاجتماعية في سوريا ما بين التشيع والتهجير
بعد الهيمنة الإيرانية على العراق إثر الاحتلال الأمريكي عام 2003، اندفع الإيرانيون باتجاه تشكيل مشروع الهلال الشيعي، لتكون العراق وسوريا ولبنان, مناطق نفوذ للسياسة الإيرانية تابعة لها وتدور في فلكها. النفوذ الإيراني في لبنان من خلال حزب الله كان وما زال جليا وصارخا، من هنا عمد الإيرانيون وخصوصا في مرحلة حكم بشار الأسد إلى محاولات للهيمنة على سوريا من خلال تغيير البنية الاجتماعية المذهبية لها عن طريق نشر التشيع في صفوف أبنائها. وقد رصد معارضون وسياسيون نشاطا إيرانيا محموما في هذا الإطار (ما بين عامي 2006-2007) وصدرت عن “جبهة الخلاص الوطني” المعارضة بقيادة عبد الحليم خدام نائب الرئيس الأسبق بياناتٍ تحذر من خطر التشيع على البنية الاجتماعية والديموغرافية السورية.
تعددت أدوات التشيع وأساليبه في سوريا منها على سبيل المثال: إنشاء عدد كبير جدا من المزارات الشيعيّة في أنحاء مختلفة من البلاد، الإغراءات الماليّة والاقتصاديّة والتعليمية للفقراء، الإعلام الموجه، ونفوذ حزب الله السياسي والعسكري خاصّة بعد حرب لبنان عام 2006، ونشوء الحلف الثلاثي (حزب الله –الأسد –إيران) والذي دفع بعمليات التشيّع والنفوذ الإيراني ليصل إلى أوجه في سوريا.
وكمثال للتغلغل الشيعي؛ أنشئ في منطقة السيدة زينب وحدها أكثر من 122 حوزة شيعية وثلاثة كليات للتعليم الديني الشيعي، ما بين العام 2001 و2006، كما حصلت أول جامعة إسلامية شيعية على ترخيص أمني للعمل في سوريا في عام 2003. وقد كانت عملية التشيع صارخة وفاقعة الأمر الذي حدا بأكثر من 200 من كبار علماء الشام وسوريا لإصدار بيانا في يوليو/تموز2006، موجّها بشكل مباشر وخاص إلى بشّار الأسد، يعبرون فيه عن غضبهم وحنقهم من المد الشيعي الحاصل في البلاد مع إشارات واضحة إلى أنّه يتم برعاية رسمية وبخلاف كل القوانين المعمول بها في البلاد بما في ذلك القوانين والقرارات الحكوميّة والرسميّة والتي تسري حتى على الشأن السنيّ (مجلة المجلة 18-8-2016، علي حسين باكيير).
وقد صدرت دراسات وكتب عديدة ترصد نشاطات التشيع في سوريا في تلك الفترة, وتوثقه, منها دراسة نشرت عام 2009 للبروفيسور خالد سنداوي، وهو متخصص في الدراسات الشيعيّة بعنوان “التحوّل الشيعي في سوريا”، ودراسة للمعهد الدولي للدراسات السوريّة في فترة متقاربة بعنوان “البعث الشيعي في سوريا 1919- 2007”.
وفي مرحلة ما بعد اندلاع الثورة السورية ووقوف إيران وحزب الله وميلشيات شيعية عسكريا مع نظام الأسد، تبدلت استراتيجية التشيع والتي تحتاج إلى وقت وجهود لتحل محلها عمليات متسارعة من التهجير القسري والتغيير الديموغرافي. ولم تكن سوريا استثناءً فقد سبقتها وما تزال تسابقها عمليات تهجير وتغيير ديموغرافي في العراق تستهدف العرب السنة تحديدا وبشكل واضح وفاضح.
رأس النظام والتهجير القسري
صدرت عن بشار الأسد مواقف وتصريحات مباشرة وغير مباشرة تتناول مسألة التهجير القسري والتغير السكاني، منها:
- في كلمة مطولة إلى رجال دين تابعين لنظامه خلال لقاء جمعه بهم في أبريل/نيسان 2014، قال إنه يوجد عشرات الآلاف من الإرهابيين السوريين (الثوار) وإن خلفهم حاضنة اجتماعية تقدر بملايين السوريين معتبرا أن ذلك يعني أن البلاد أمام حالة فشل أخلاقي واجتماعي.
- خلال كلمة ألقاها الأسد 26/7/2015 أمام وفود رسمية ونقابية، قال إن “الوطن ليس لمن يسكن فيه أو يحمل جنسيته وجواز سفره، بل لمن يدافع عنه ويحميه”، مشيدًا بدعم إيران العسكري والاقتصادي والسياسي, والمشاركة الفعلية لحزب الله بالقول “إخوتنا الأوفياء بالمقاومة اللبنانية امتزجت دماؤهم بدماء إخوانهم في الجيش وكان لهم دورهم المهم وأداؤهم الفعال والنوعي”.
- بعيد إتمام عملية التهجير القسري في داريا وعقب أداءه صلاة عيد الأضحى يوم 12/9/2016 في المدينة الخاوية على عروشها والمفرغة تماما من أهلها وأبنائها، رد الأسد على سؤال مندوب وكالة “سانا” (وكالة الأنباء السورية) عما يتردد عن قضية التغيير السكاني في داريا وأمثالها بقوله إن التغيير الديمغرافي يتغير عبر الأجيال لافتا إلى أن ذلك يستند إلى مصالح المواطنين في تلك المناطق. وقال الأسد: عمليا سوريا كأي بلد متنوع، الحالة الديمغرافية تتبدل عبر الأجيال بسبب مصالح الناس الاقتصادية، والحالة الاجتماعية والظروف السياسية تتنوع, لذلك لا تستطيع أن ترى مدينة كبرى ولا صغرى. طبعا لا أتحدث عن الريف فالقرى وضع مختلف لكن المدن دائما تكون متنوعة وخاصة داريا والمدن التي تكون قريبة من المدن الكبرى كدمشق وحلب فهي مدن متنوعة لا يمكن أن تكون من لون واحد وشكل واحد.
- في لقائه مع صحفيين أجانب في 1/11/2016 منهم مديرة مكتب نيويورك تايمز في بيروت آن برنارد قال الأسد: النسيج الاجتماعي في سوريا هو اليوم أفضل بكثير من ذي قبل.
أساليب ووسائل التهجير القسري والتغيير الديموغرافي
- إعادة التنظيم العمراني وإطلاق مشاريع كبرى: بدأت هذه المشاريع في مرحلة ما قبل اندلاع الثورة السورية وكانت البداية بمشروع “حلم حمص” بإشراف محمد إياد غزال؛ محافظ حمص السابق والمقرب من الأسد عام 2010 وكان المشروع أحد أسباب الاحتقان في حمص والتي أدى لتأجج الاحتجاجات الشعبية. كان المخطط يرمي لتهديم حمص القديمة وبناء مراكز تجارية بقلب المدينة التاريخي وإنشاء أبراج سكنية لمضاعفة الاستيعاب السكاني من مليون إلى ثلاثة ملايين لتغيير التركيبة الديموغرافية لأحياء حمص, بجلب سكان من الريف والقرى وإسكانهم بالمدينة. تكرر المشهد والمخطط في محيط دمشق وتحديدا في بساتين المزة من خلال المرسوم التشريعي رقم 66 بتاريخ 18/9/2012 والقاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين في مدينة دمشق؛ الأولى في منطقة جنوب شرق المزة من منطقتين عقاريتين، الأولى مزة – كفرسوسة والثانية جنوب المتحلق الجنوبي وتضم المناطق العقارية مزة – كفرسوسة – قنوات – بساتين داريا – القدم. تدخل إيران بشكل سافر في موضوع تلك المناطق وإعلانها عزمها على بناء مشروع أبراج سكنية تدعى الأبراج الإيرانية كون تلك المنطقة ملاصقة للسفارة الإيرانية بشكل مباشر، يدخل ضمن إطار المحاولات المحمومة للتغيير الديموغرافي للمنطقة.
- شراء العقارات: قام تجار ومقاولون إيرانيون بشراء عقارات وأراض سكنية في مدن سورية بتشجيع ودعم من الحكومة الإيرانية وبتعاون من نظام الأسد. وجندت إيران شبكة من العملاء في المخابرات والأمن ومن تجار العقارات ومجموعات السماسرة وأصحاب المكاتب العقارية في سوريا، عبر ضخها ملايين الدولارات في محاولات محمومة منها لشراء عقارات وأملاك السوريين المنهكين من الحرب والراغبين بالفرار من الموت، لصالح أفرادها وعناصرها في كل منطقة حيوية (الشرق الأوسط 26-3-2016). في نفس السياق نشر موقع “السورية نت” تقريرا 28-7- 2015 وردت فيه شهادة لأحد سكان دمشق قال فيها إن تجارًا يتبعون لإيران اشتروا منازل في قلب دمشق بمبالغ كبيرة، وأنه “قد باع منزله في حي المزرعة بـ 40 مليون ليرة لرجل أعمال خليجي، تبين فيما بعد أنه يعمل لصالح شركات إيرانية تعمل على السيطرة على أكبر قدر ممكن من المنازل في دمشق”. ويضيف الدمشقي في شهادته “بعتُ منزلي وسافرت إلى تركيا متيقناً أني لن أعود إلى هذه المدينة يوماً لأني لم أكن الأول ممن باعوا بيوتهم لإيرانيين فهناك الكثير من الأمثلة لأشخاص باعوا بيوتهم في العدوي والمزرعة وشارع بغداد”.
- اقتراف المجازر ونشر الرعب في صفوف المدنيين: اقترفت قوات الأسد العديد من المجازر بحق المدنيين إضافة لإعمال الاعتقال والتعذيب الوحشي والذي كان النظام بتقديري يسرب متعمدا أفلامًا وصورًا لها لبث الرعب والخوف في قلوب السكان ودفعهم للنزوح والهروب. ومن أبرز هذه المجازر والتي شكلت علامات فارقة في تتابع الأحداث وما آلت إليه (ساسة بوست 26-1-2016):
- مجزرة الحولة: وقعت يوم 25 مايو 2012م في قرية الحولة بريف حمص، ضحاياها 108 قتيل بينهم 34 امرأة و49 طفلًا. اقتحمت قوات الأمن والشبيحة القرية تحت غطاء من قذائف الدبابات حيث قام الشبيحة باقتحام البيوت وذبح من فيها.
- مجزرة القبير: وقعت يوم 6 يونيو 2012م في قرية القبير قرب مدينة حماة، ضحاياها 100 قتيل بينهم 20 طفلًا و20 امرأة. اقتحمت قوات الأمن والشبيحة القرية وقتلت من سكانها تحت وابل من قصف صاروخي لجيش النظام.
- مجزرة داريا: وقعت ما بين 20 – 25 أغسطس 2012م في مدينة داريا بريف دمشق، ضحاياها ما بين 400 – 500 قتيل. قامت قوات النظام بشن قصف مدفعي عنيف على المدينة مما أوقع عددًا من القتلى. اضطر السكان على وقع القصف العنيف للهرب منه باتجاه مسجد سليمان الديراني لكن قوات النظام حاصرت المسجد وقامت بتصفية السكان داخله، كما أوقعت العديد من عمليات الإعدام الجماعية.
- مجزرة نهر حلب: وقعت في الفترة بين 29 يناير و14 مارس 2013م في حوض نهر حلب. في نهاية شهر يناير 2013م تم العثور على ما يقارب 110 جثة لرجال وصبية تم تقييد أيديهم من الخلف وتكميم أفواههم بشريط لاصق مع وجود عمليات تعذيب واضحة وآثار طلقات نارية في الرأس. تقرير لمنظمة هيومان رايتس ووتش أشار إلى أن هؤلاء القتلى لم ينخرطوا مع قوات المعارضة، وأنهم مجرد سكان في المدينة تم إلقاء القبض عليهم خلال نقاط التفتيش الخاصة بجيش النظام السوري. وفي الفترة بين فبراير ومنتصف مارس تم العثور على ما بين 80 إلى 120 جثة إضافية بنفس الوصف السابق حيث كان يتم العثور على عدة جثث بشكل شبه يومي.
- مجزرة البيضاء: وقعت في يومي 2 و3 مايو 2013م في قرية البيضاء بمحافظة طرطوس. ضحاياها أكثر من 72 قتيلًا. فقد قتلت قوات الجيش والشبيحة المرافقة عددا كبيرا من المدنيين في القرية بعد اقتحامها للقرية في أعقاب حدوث اشتباكات بين الجيش والمعارضة قرب البيضاء.
- مجزرة جديدة الفضل: اقترفت بين يومي 16 – 21 أبريل 2013م في منطقة جديدة الفضل في ريف دمشق، ضحاياها أكثر من 500 قتيل. فبعد حصار محكم، قامت قوات النظام بعمليات قصف صاروخي وعمليات إعدام ميدانية بحق سكان المنطقة، بالإضافة لعمليات مداهمة للسكان خلال محاولة دفن جثث ذويهم. بعيد ذلك تم العثور على مئات الجثث بينها العشرات لأطفال ونساء في صورة هياكل عظمية محروقة.
- مجزرة الغوطة–الكيماوي-: وقعت يوم 21 أغسطس 2013م في الغوطة شرق دمشق. تمت المجزرة باستخدام الأسلحة الكيماوية المحظورة دوليا، حيث راح ضحيتها المئات من سكان المنطقة نتيجة استنشاقهم لغاز الأعصاب القاتل بعد قيام قوات اللواء 155 المتمركز بمنطقة القلمون بإطلاق 16 صاروخًا بدءًا من الساعة الثانية والنصف فجرًا باتجاه منطقة الغوطة الشرقية، ثم أطلقت صواريخ أخرى باتجاه مدينة زملكا وبلدة عين ترما ومدينة المعضمية بمنطقة الغوطة الغربي.
- العبث بالسـجلات العقارية والشؤون المدنية: تم حرق السـجلات العقارية والمدنية لطمس حقوق الأهالي (السـنة غالبا) للعقارات، واستبدالها بملكيات للشيعة والعلويين كما فعل النظام في حمص عام 2013, وميلشيات الحماية الكردية لصالح الأكراد في منبج عام 2016 (دراسة عن التهجير القسري –مركز جسور – سبتمبر 2016). في نفس السياق، نقل تقرير لمارتن شيلوف في الجارديان البريطانية (14-1-2017) عن مسؤولين كبار في لبنان يراقبون ما يعتقدون بأنه إحراق منهجي لمكاتب السجل العقاري في المناطق السورية التي استعاد النظام السيطرة عليها، فعدم وجود سجلات يجعل من الصعب بالنسبة للمقيمين إثبات ملكية المنزل. والمكاتب التي تم تأكيد حرقها هي في الزبداني، وداريا، وحمص والقصير على الحدود اللبنانية، التي استولى عليها حزب الله في أوائل عام 2013.
كما قامت إيران بالتعاون مع أجهزة النظام بتزوير بيانات وقيود السجلات العقارية وتزوير وكالات ووثائق الكتّاب بالعدل وغيرها مما يتعلق بنقل الملكيات العقارية، ومن ثم نقلت الملكيات، إما مباشرة عن طريق دوائر السجل العقاري في المناطق، أو عن طريق استصدار أحكام قضائية لدى المحاكم المدنية. كما عمدت إيران من خلال نظام الأسد إلى تجنيس لشخصيات من مكونات غير سورية جلبتهم من الخارج وطلبت من النظام تجنيسهم مقابل الدفاع عنه، فهناك مجموعة كبيرة تقدرا بالآلاف من الشخصيات والعناصر والميليشيات تم تجنيسها، لتصبح مستوطنات إيرانية في سوريا، حسب المعلومات التي يتم تناقلها (الشرق الأوسط 26-3-2016).
- سياسة الحصار والتدمير والتخيير بين التهجير والإبادة: محاصرة المدن والقرى وتجويعها وحرمان أهلها من مقومات الحياة. وإجبـار السكان المحاصرين علـى توقيـع هـدن مقابـل وقـف القصـف السجادي والبراميلي عليهـا تمهيـدا لتهجيرهم من مدنهـم وقراهـم، تحـت ضغـط الجـوع والحصـار والتهديد بالإبادة. سياسة بـدأت عـام 2013، وأصبحت سياسة معلنة ومطبقة بعدها.
في الحلقة المقبلة نستعرض بعضا من النماذج الصارخة لهذه الممارسات التي ترقى إلى جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.
مركز أمية للبحوث والدراسات الاستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات