ثبتت رؤية هلال إيران في السماء السياسية لعالمنا العربي، وها هي طلائع الحجاج تتوالى ملبين دعوة الشيطان الجار إلى قم, منُساقين بحجج وذرائع عديدة, معصوبي القلب والرؤى, متناسين أن زيارتهم إلى قم ما هي إلا إقرار بأفعال هذا النظام الدموي القاتل, واعتراف بمكانة قم، أم قرى العالم الإسلامي مستقبلاً, كما تطمح دولة ولي الفقيه.
والسؤال: ما الأهداف الحقيقية من سعي إيران لجعل قم محجًاً للساسة والمسئولين العرب؟ وهل هذا سيحقق لإيران اعترافا ضمنيًاً بكون هذه المدينة باتت أم قرى العالم الإسلامي كما تطمح دولة ولي الفقيه؟ وهل يدرك المسؤولون العرب أسباب استدراجهم لعقد اجتماعاتهم وحبك اتفاقياتهم في قم دون غيرها من المدن الإيرانية؟ .
عند انتقالي لجامعة طهران بعد إكمال تعلم اللغة الفارسية في مركزٍ تابع لجامعة الأمام الخميني الدولية في مدينة قزوين، شرعت بدراسة الدكتوراه في العلوم السياسية/برنامج الشئون الإيرانية, في كلية الحقوق والعلوم السياسية، وقد لفت نظري المادة المقررة الأولى التي درسناها في مساق السياسة الخارجية الإيرانية، ليكون من أهم المقررات التي يتم تدريسها كتاب “مقولات في الإستراتيجية الوطنية”، لمؤلفه الدبلوماسي المقرب من المرشد هو وعائلته د. محمد جواد لاريجاني، وهو الأخ الشقيق لعلي لاريجاني رئيس مجلس الشورى الإيراني، وأخ صادق لرئيس السلطة القضائية والمرشح القوي لمنصب المرشد.
في البداية عندما قرأت الكتاب بهدف عرضه في “سيمنار” أمام أستاذ المادة, انتابني الفضول كثيرًاً؛ قلت أيعقل أن إيران الثورة الإسلامية تفكر بهذه الطريقة البراجماتية الشيطانية؛ خصوصًاً أن المدرس قام بدايةً بعرض عظمة نظرية أم القرى في بلورة السياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول المنطقة والعالم، ومعتبرا إياها هادياً ومنهجاً لساسة إيران ودبلوماسييها. وفي حواري معه، قلت له: ألا تخشون من تدريس هذا الكتاب في جامعاتكم؟ سألني لماذا؟ قلت : لأن هذا يكشف كل سياسة إيران الخارجية، ويضع مصداقية الثورة على المحك؟ ضحك كثيراً وقال لي: أرجو أن تعلم أن إيران ليست جمعية خيرية، تمنح بلا مقابل، وهي دولة لديها إرث ومجد تريد أن تستعيده، وهذا الكتاب يوضح لكم آليات تحقيق ذلك.
ما بين النظرية التي تقرأ، وشرح التطبيق وآليات التطبيق التي يطرحها أستاذ السياسة الخارجية الإيراني الذي تخرج من جامعة هارفارد، تأتي المفارقة العجيبة الغريبة، لشرعنة التوسع الإيراني من وجهة النظر الأكاديمية بصبغة قومية مذهبية، وبهذا تكشف الثورة ونخبها عن وجهها, وتنسف فكرة بناء علاقات السلام مع الجوار الجغرافي لإيران.

قررت بعدها ترجمة هذا الكتاب تحت اسم مستعار هو د. لبيب المنور، ولبيب هو أنا، ثم صدر الكتاب شرحاً وتحليلاً بصيغته الموسعة باسمي، ونحن عاكفون في “مركز أمية للراسات” على تلخيص الكتاب بشكل مركز ونشره. ومن المؤكد أن عبارة “أم القرى” ورد ذكرها مراراً بالخطب التي يلقيها الكثير من فقهاء إيران ورجال الحكم فيها، غير أن المهم هنا أن نعرف ” نظرية أم القرى”؟ وأبعادها، ومهامها، وأهدافها، وحدود مسؤولياتها وكيفية تطبيقها؟ وهنا لابد أن نتناول آراء الدكتورمحمد جواد لاريجاني حول النظرية؛ على اعتبار أنه يعتبر من أهم الباحثين أطّروها بشكل علمي قابل للتطبيق.
جدير بالذكر – قبل الخوض في الموضوع – أن نُسجل أن مسألة التعبير عن الرأي أو مجرد إبداء الرأي بخصوص الشأن الخارجي أو السياسة الخارجية يعد عملاً صعباً هنا, ويحتاج لتحليل معمق، وقد خرجت إلى العلن بعض المقالات المتخصصة حول المفاهيم الخاصة بـ”أم القرى” أو التعريف بها وبفلسفتها، أو حدودها ومحددات وجودها وشروط العمل بها على المستوى التطبيقي، حيث رعتها وزارة الخارجية الإيرانية ومراجع التقليد العظام الذين يتبنون هذه النظرية من خلال تواجدهم في مؤسسات صنع القرار الإيراني الحساسة.
بالمقابل فإننا سنضع جملة من التساؤلات أمام صناع القرار في إيران، وهي ممثلة بالأسئلة التالية: ما نتائج وهن أو ضعف قوة” أم القرى” الجديدة (إيران) بسبب سلوكها الخارجي الهادف لبناء دولة “أم القرى”, على البيئة الداخلية لدولة القلب المذهبي “إيران”؟ وماذا سيترتب عليها إذا لم تعد قادرة على تحمل أعباء سياسة المجال الحيوي المذهبي وتبعاته، وبالتالي إخفاقها في بناء دولة “أم القرى”؟ أي بمعنى إذا تحولت من الهجوم بواسطة هذا المجال إلى الدفاع بعد أن يصبح عبئاً ثقيلاً عليها؟ وهل ستدور الدائرة المذهبية على إيران، وتبدأ نفس حدودها الأيديولوجية بالانهيار إذا ما تبنت الدول المستهدفة سياسة دفاع جماعية تقوم على “قطع خطوط الإمداد المذهبي للمجال الحيوي” الذي تتوسل به إيران ومحاصرته، وبالتالي نقل المواجهة إلى العمق الجيولولتيكي من خلال دعم الدول العربية المستهدفة وإيجاد مصدات دفاع مذهبي داخل الخارطة الجغرافية والديموغرافية الإيرانية؟
بداية .. دولة أم القرى تعني أن تصبح إيران نواة مركز الإسلام العالمي، وبالتالي تمثل الدولة القائدة التي تفرز زعيماً تكون له السلطة والصلاحية والولاية على الأمة الإسلامية جمعاء، على اعتبار أن الدين والعقلانية والوجدانية تقتضي تشكيل أمة إسلامية واحدة، واختيار حكومة لتمثيل هذه الأمة، استناداً إلى التجربة التاريخية للدولة الإسلامية، والتي وصلت إلى أوج تقدمها وتفوقها وتمدنها بفضل ذلك. وعلى هذا الأساس ليس من مصلحة الأمة الإسلامية أن يطول التفرق لأن الأصل هو الوحدة. أما تطبيق فكرة المجال الحيوي لبناء الإمبرطورية الشيعية الموعودة: “نظرية أم القرى” فيميل هذا الرأي نحو الأفكار الطموحة المتعلقة بالمهام الإسلامية للحكومة وتوجهاتها، نظرا لحالة التشابه بينه وبين فكرة الحكومة الإسلامية خاصة على مستوى المسؤولية واللاقومية، كما أن لهذا الرأي اهتماما وعناية بالواقع التنفيذي والتطبيقي لشؤون الحكومة في ظل عالم اليوم.
وهذا هدف سيتحقق – حسب النظرية – من خلال جملة من المراحل:
المرحلة الأولى: ضرورة بروز الوعي والاهتمام بهدف إحياء الإسلام (الشيعي) على اعتبار أنه السبيل الوحيد لحياة الإنسان والجماعة.
المرحلة الثانية: السعي وبذل الجهود لإقامة الحكومات الإسلامية في الدول المختلفة، من خلال الدور المحوري للشعوب في تشكيل هذه الحكومات، وتوظيف مختلف الوسائل والطرق سواء كانت انتخابات، أو استفتاءات، وفي بعض الأحيان قد تؤدي النهضة وثورة الشعوب (الانتفاضات) والخروج إلى الشوارع إلى هذه النتيجة، ولاضير في ذلك إذا كان يحقق الهدف المنشود منه وهو إقامة الحكومة الإسلامية في النهاية.
المرحلة الثالثة: في الوقت الذي تستطيع فيه الشعوب تحقيق الأهداف سالفة الذكر، وبالتالي تشكيل الحكومات الإسلامية، يجب عليها التوجه بعدها نحو خطوة تكوين حكومة إسلامية واحدة لغرض جمع الأمة الإسلامية، وتوحيدها تحت قيادة دولة “أم القرى”، ومن هنا فإن نظرية “أم القرى” تعتبر أنه في حالة إقامة دولة “أم القرى” فإن إيران ستمثل دار الإسلام ومركزه، وهذا الأمر يُعتبر تعزيزاً للإسلام وتقويةً لشوكته، لذلك يجب على الأمة الإسلامية جمعاء أن تحافظ على دولة “أم القرى” على اعتبار أنها مركز للإسلام، وبالتالي فإن انتصار دولة “أم القرى” وعزتها يعتبر انتصارا للأمة الإسلامية جمعاء، وهزيمتها أو انهيارها انهزام لكل الأمة، لذلك فعلى دول الأمة الإسلامية وشعوبها الحفاظ عليها بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، فالحفاظ على “أم القرى” يعني – أيضاً- الحفاظ على النظام الكامل للحكومة الإسلامية، الذي يشمل كل أراضي الدولة الإسلامية الواحدة، والتي بسببها تشكلت دولة “أم القرى”.
يعتبر لاريجاني أنه, بعد انتصار الثورة الإسلامية أصبحت إيران – نتيجة لذلك – بحق “أم القرى” بالنسبة لجميع العالم الإسلامي، حيث تولى الخميني قيادتها بعد الثورة، والذي جسد بدوره فكرة الحكومة الإسلامية على أرض الواقع وجعلها مثالا للآخرين. وقد ذهب جواد لاريجاني بعيداً في تقديس “أم القرى” على اعتبار أنها ليست – فقط – مركزاً للعالم الإسلامي ونواته، بل أشار إلى ضرورة تقديم مصالحها على الآخرين، لدرجة أنه إذا تعارضت مصالحها مع الدول الأخرى يجب أولا تقديم مصالح أم القرى” إيران” على اعتبار أنها عماد العالم الإسلامي، ولأنها تجسد بذلك فكرة بداية وحدة الحكومة الإسلامية الواحدة التي أشار إليها الخميني.
لذا فإن إقامة دولة “أم القرى” تعتبر عين المصلحة، والحفاظ عليها من جانب الشعوب الإسلامية يدلل على شجاعة منقطعة النظير، وأن إرادة الشعب المسلم الذي سعى إلى تحقيق هذا الهدف – والذي هو من حقه بالتأكيد – ستجسد فكرة “أم القرى” على أرض الواقع، والتي من خلالها ستقوم بتشكيل الحكومة الإسلامية لدولة “أم القرى” التي ستكون المنطلق، والتي ستتمكن من الدفاع عن حقوق جميع المظلومين، وتحقيق العدالة، والتي بدورها – أيضا – ستحاسب السلاطين والملوك الظالمين والكفرة. ووفق هذه الرؤية فإن من أهم أهداف إقامة دولة “أم القرى”:
أولاً: حفظ قاعدة الحق والمساعدة في تحصيله: ولذلك فإن الحفاظ على “أم القرى” يعتبر من أهم الأولويات التي لا يجب أن نغفل عنها لتحقيق الأهداف سالفة الذكر.
ثانياً: تشكيل الحكومة الإسلامية، وتمهيد الأرضية اللازمة لها: وهنا ينبغي حشد وتعبئة كافة الطاقات والإمكانات لتحقيق ذلك. لكن ما الخطوة الثانية بعد بزوغ الإسلام من جديد على يد الثورة الإسلامية حسب رؤية لاريجاني؟
الخطوة الثانية هي أن تصبح إيران أم القرى بالنسبة للعالم الإسلامي، حيث اكتسبت ايران هذا الحق – حسب رؤية لاريجاني- بفضل إنجازها العظيم من خلال الثورة التي انتصرت وقدمت التضحيات لإعادة بعث الأمة الإسلامية من جديد، فنظرية “أم القرى” تقوم على الوحدة في أداء الواجب الإسلامي المتمثل ببناء دولة إسلامية تكون فيها السيادة لأمة مسئولة، تحت رعاية قائد مسئول، وعلى أرض وصفها؛ وهي إيران، وهذا يعد الركيزة الأساسية لحكومة ذات سمعة عالمية، فولاية الفقيه وحكومة الولاية هي الأساس والجوهر في إقامة الحكومة الإسلامية في “أم القرى”، وقيادة الولي الفقيه هي سر وحدة الأمة الإسلامية.
من هنا فإنه ليس للحدود المتفق عليها دوليا أي قيمة؛ فالعالم الإسلامي أمة واحدة، وولاية الفقيه فيه وحدود مسؤولياتها موحدة وغير قابلة للتقسيم على الدول؛ لأن مركز الدولة الإسلامية واحد و”أم القرى” وزعيمها وإقليمها واحد، ولذلك فإن مسؤولية القيادة في الأمة الإسلامية لا تعترف بشيء اسمه الحدود الجغرافية، وتأسيسا على ماسبق، فإن الدولة التي تصير هي ” أم القرى”، وتكون بها قيادة، هي وحدها الجديرة بزعامة هذا العالم والأمة الإسلامية. أما إذا ظهر تضارب بين مسؤولية قيادة الثورة الإيرانية وحكومتها ” أم القرى ” وبين دول الأمة الإسلامية، فلأي منهما تعطى الأولوية بالعناية؟ وأيهما يعد الأصل وأيهما الفرع؟ وما سبل إزالة هذه المشكلة؟
هنا ترى نظرية “أم القرى” أنها قد جاءت بإجابة عملية عن هذه التساؤلات، إذ أن مصالح الأمة الإسلامية مقدمة دائما، لكن إذا تعرض كيان” أم القرى” نفسه للخطر، فعلى الجميع أن يهب لنجدته، فالحفاظ على ” أم القرى” أمر واجب ومنوط بالأمة جمعا، وليس فقط بشعب “أم القرى” وحده.
وبالمقابل فإن “أم القرى” ستدافع عن حقوق الأمة بكل ما تملك من استطاعة، لهذا السبب نجد أن القوى الدولية تسعى لتدمير دولة “أم القرى” حتى لا تكون العقبة التي تقف في طريقهم، وفي هذا الصدد يقع على كاهل الأمة مهمة القيام بدورها في الحفاظ على” أم القرى” والدفاع عنها، والأمة مكلفة بأن تهب للدفاع إذا ما تعرضت للخطر وتسعى لنجدتها، وعلى هذا الأساس فإن على “أم القرى” والأمة حقوقا وواجبات متبادلة، فأم القرى عليها أن تحمي الأمة، وتدافع عنها، وتعمل على الحيلولة دون وقوع ظلم القوى الأخرى عليها، وفي المقابل لها حقوق مساوية، فإذا تعرضت “أم القرى” لهجوم عسكري من أعداء الإسلام فعلى الأمة أن تهب لمساعدتها بكل ما أوتيت من قوة.
ويحاول لاريجاني – من خلال نظريته – الاستدلال والتوسل بعدد من الدلائل التي تثبت أن الشعوب الأخرى قادرة على إقامة الحكومات الإسلامية، والتي ستتبع وتلحق مستقبلاً بدولة “أم القرى” والذي يعده امتيازا وفخرا عظيما لهذه الدول، حيث يؤكد على أهمية العزم والجدية والتصميم لتحقيق هذا الهدف، ويضرب مثالا على ذلك متمثلاً في قدرة الشعب الإيراني وعزيمته على التغيير، حيث استطاع من خلال ثورته أن يسقط الحكومة الفاسدة في إيران، ويقيم “الحكومة الإسلامية” مكانها، وهذا الأمر جاء طبقاً لرؤية الخميني وأفكاره، ويصل لاريجاني إلى نتيجة مفادها أن إيران التي أنشأت حكومتها بهذا الشكل، وقدمت التضحيات الكبيرة في سبيل تحقيق هذا الهدف، تستحق من كل فرد مسلم في العالم أن يحافظ عليها، ويدافع عنها، لأنها بدون شك “أم القرى” بالنسبة للعالم الإسلامي.
……………………..
رئيس وحدة الدراسات الإيرانية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات