الدور المشبوه للإمارات في تمويل مراكز الفكر في واشنطن (2ـ2)

لم يكن “معهد الشرق الأوسط” المتلقي الوحيد للمال الإماراتي ضمن صفوف مراكز الفكر في واشنطن ولكنه يعد الأبرز بكل تأكيد.

ففي أبريل 2008، بعد شهر واحد من تسمية «العتيبة» سفيرًا في واشنطن، قام «ماك ماكليلاند»، الاستشاري المقيم في الإمارات آنذاك بالتواصل معه بالنيابة عن رئيس معهد الشرق الأوسط «ويندي تشامبرلين» ليقول للعتيبة إنه التزم بجمع 50 مليون دولار من الإمارات العربية المتحدة للمعهد، طالبا مساعدة السفير الإماراتي في الأمر.

«أظن أن الوقت قد حان الأوان للتعامل مع قادة دولة من الإمارات العربية المتحدة نظرا للسيولة الضخمة في البلاد، فضلا عن الحاجة الواضحة للترويج للرؤية العربية الإسلامية في واشنطن»، وفق ما قاله «ماكليلاند» في إحدى الرسائل المسربة.

فقال «العتيبة» لمكليلاند إن المبلغ الذي يأمل فيه كان كبيرا، «أنا على دراية بحملة التبرعات التي يقوم بها معهد الشرق الأوسط وسأفعل ما بوسعي للمساعدة في دعم ذلك ولكن أشعر أنه يجب ضبط التوقعات، وأعتقد أن الأرقام التي ذكرتها هي أبعد قليلا عن تقديراتنا الأولية».

 

تمويل معارضة الإخوان في مصر

وبحلول عام 2013، بدأ «العتيبة» في القيام بدوره، وأظهرت الرسائل المسربة مراسلات بينه وبين الباحث المصري «رامي يعقوب» تكشف تفاصيل الترتيب الذي كان يتم الاتفاق بشأنه آنذاك.

وقال «العتيبة»: «اتفاق معهد الشرق الأوسط سوف يكون بقيمة 1.5 مليون دولار سنويا وسوف أقوم بتأمينها، في حين عليك تدبير مصاريف الضغط والاتصال الخاصة بـ”المجموعة المعارضة” لأنني لا أستطيع فعل ذلك ولأنها سوف تكلف مبلغا أقل بكثير».

وأوضح «يعقوب» أنه يتفهم الأمر منوها أن «نجيب كان لديه انطباع أن التمويل سيكون جزئيا وأنه سوف يعمل على شرح ذلك له» وذلك في رسالة بريد إلكتروني يعود تاريخها إلى يناير 2013.

ولم توضح رسالة البريد الإلكتروني الشخص المشار إليه باسم «نجيب» لكن من الواضح أن المقصود هو رجل الأعمال المصري «نجيب ساويرس» الذي كان قد حصل قبل شهرين على جائزة التميز في القيادة المدنية المقدمة من قبل معهد الشرق الأوسط.

وكان «ساويرس» أحد أبرز المعارضين لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تحكم مصر في ذلك التوقيت.

أسس ساويرس حزب المصريين الأحرار, وكان يعقوب يشغل منصبا قياديا في الحزب الذي يعتقد أنه المقصود بلفظة “المجموعة المعارضة”، وكان العتيبة أبرز المناوئين لجماعة الإخوان في واشنطن بدعوى صلاتهم بالإرهاب.

 

تصحيح المفاهيم

عندما يتحدث العتيبة عن تزويد قائمة الباحثين بخبراء عالميين من أجل التصدي للمفاهيم الخاطئة الأكثر فظاعة حول المنطقة «فهو يتحدث على وجه التحديد عن الإخوان المسلمين والإسلام السياسي بشكل عام، وكذلك إيران وقطر».

على سبيل المثال، كان أبرز الخبراء العالميين الذين انضموا إلى قائمة المعهد منذ أن رفعت الإمارات تمويله من 1.5 مليون دولار إلى 20 مليون دولار هو بلال صعب.

في مايو الماضي، وجهت قطر الدعوة إلى صعب لحضور حفل سنوي ولكن صعب قام بتمرير الدعوة إلى العتيبة حيث تبادل الرجلان وصلة من السخرية، وقال العتيبة ساخرا: «لابد أن أمر مغرٍ أن تتلقى دعوة من هذا النوع».

وفي رسالة أخرى كتب صعب إلى العتيبة أنه حصل على موافقة ديفيد باتريوس لكتابة افتتاحية حول ورقة يعدها المعهد حول التحدي الإقليمي الذي تمثله إيران ولكن باتريوس طلب من صعب أن تقوم هو بكتابة الافتتاحية باسمه.

وتظهر رسالة بريد إلكتروني أرسلها صعب إلى العتيبة نص المقدمة التي كتبها مع تعليق لصعب بالقول: «هذه هي المرة الأولى التي أكتب فيها باسم أحدٍ آخر.. ما رأيك؟».

المساهمة مع مراكز الفكر لا تخلو من فوائد، فقبل التحاقه بمعهد الشرق الأوسط كان صعب يعمل باحثًا في “أتلانتيك كاونسل” أي “المجلس الأطلسي”؛ وهو مؤسسة بارزة أخرى في واشنطن تتلقى تمويلا إماراتيا.

في يونيو، تلقى العتيبة مسودة نسخة من ورقة استراتيجية أعدتها إلين لايبسون حول مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران، ورد العتيبة بالقول: «لقد وصلت إلى الصفحة السادسة قبل أن اكتشف أنه من الصعب أن أكمل القراءة. هذا التقرير إشكالي بشكل لا يصدق لعدد لا نهائي من الأسباب سيكون من دواعي سروري لو تمكنا من مناقشته عبر الهاتف»، وذلك في رسالة مررها إلى كل من صعب وباري بافل, الباحث في “أتلانتيك كاونسل” ورئيس مركز برنت سكوكروفت للأمن الدولي.

كان رد صعب أنه على وفاق كامل مع العتيبة حول إيران وأنه كانت لديه مخاوف حول هذه الورقة من البداية لكنه سيكون مضطرا للوقوف إلى جانب “إلين”, وإن كان لا يؤيد ما طرحته في ورقتها.

وقد أثار هذا الموقف جنون العتيبة الذي سارع إلى القول: «أليس كلاكما جزءا من المجلس الأطلسي الذي سينشر هذا التقرير».

كان «صعب» يواجه موقفا عسيرا في شرح الأمر للعتيبة: «سواء كان المجلس الأطلسي أو أي مركز آخر فأنت تعرف جيدا أننا لا نعمل مثل الحزب الشيوعي وليس لدينا خط حزبي  .. نحن نشجع تنوع وجهات النظر، مثل معظم مراكز التفكير ذات المصداقية، ونعتز باستقلالنا الفكري، نحن لسنا شركة ضغط».

وأضاف: «هذا التقرير كما تعلم تمت موازنته بجهد رائد وقوى قاده مركز سكوكروفت يخدم في الاتجاه المعاكس تماما».

ويؤكد «بافل» في حديث لـ “إنترسبت” أن «ورقة إيران كانت مثالا جيدا على هذا النوع من التضاريس الصعبة التي تواجهها مراكز الفكر».

وأضاف: «عمَلُنا يتقاطع مع الشركاء الحكوميين والشركات والأفراد والمؤسسات، نحن نسمع آراءهم ثم نقدمها إلى باحثينا».

وفي هذه الحالة، وافقت الباحثة على بعض التعليقات الصغيرة لكنها ظلت متمسكة بنظريتها الكلية.

«أنت تعرف إلين، حينما تصل إلى موقف ما فإنها لا تلتفت للتعليقات، لم يكن من الممكن أن نكلف باحثا أكثر صرامة بموضوع هام مثل هذا».

وأضاف أن العتيبة لم يكن الجهة المانحة الوحيدة التي قامت بمراجعة الورقة.

وقال إن الحكومات الأجنبية تفهم أن المجلس يقدم مجموعة متنوعة من وجهات النظر، وهي تضطر إلى الذهاب لمراكز تفكير أخرى لشراء أوراق تناسب حاجاتها الدبلوماسية.

وقد غادر «صعب» المجلس الأطلسي مؤخرا والتحق بمعهد الشرق الأوسط.

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …