السعودية .. خرق لـ “مملكة الصمت” أم بداية صراع خفي بين الأمراء؟

يُعتبر السعوديون من أكثر الشعوب العربية انفتاحا على وسائل الإعلام ووسائط التواصل الإجتماعي، إلا أن تأثيرهم الإعلامي داخليا دائما أقل بكثير من أن يترك أثرا في الحياة السياسية والاجتماعية، بسبب قيود محكمة متراكمة، تفوق أحيانا مجموع القيود في باقي الحواضر العربية.
لكن «مملكة الصمت» لم تعد صامتة، فقد ساهمت وسائط التواصل في خلق جيل جديد بدأ يخرج من كبت مزمن في التعبير، فما عاد شراء الصحف والمجلات والفضائيات داخليا وخارجيا يجدي نفعا، فقد فعل بعض السعوديين، سواء كانوا ناشطين أو أمراء وأميرات عبر وسائط التواصل ما تعجز عنه ترسانة من الفضائيات التي سادت فترة من الزمن.

ومنذ بداية هذا العام بدأت سجالات إعلامية تشعل صفحات السعوديين وتمتد الى المواقع والساحات العربية، وليس آخرها دخول أمير سعودي في ملاسنة مع مواطنه؛ الصحفي جمال خاشقجي، المقيم حاليا في واشنطن. 
خاشقجي، وفي تغريدة على حسابه عبر «تويتر»، قال إن «الولاء للقيادة والوطن يكون بكلمة حق ونصيحة صدق، وهو ما فعلته وسأفعله».

فبعد حديث خاشقجي لصحيفة «واشنطن بوست» حول رؤيته لمستقبل بلاده، لم ترُق كلامته للإعلام الرسمي السعودي، الذي فتح عليه النار بشكل منظم منذ أكثر من أسبوع, ثم دخل الأمير خالد بن عبد الله آل سعود، على الخط وردّ على خاشقجي بتغريدة قال فيها: «وفّر نصائحك لنفسك؛ فقيادتنا الرشيدة في غنى عن نصائح أمثالك». 
واعتبر خاشقجي أن تغريدة الأمير لا تليق، قائلا له: «تواضع قليلا سمو الأمير، القيادة التي لا تسمع لشعبها تفقد الكثير وليس من شيمها أن تميز فتقول (في غنى عن أمثالك)».

وأضاف خاشقجي: «كلنا نشترك في الوطن»، وبحسب خاشقجي، فإن «السعودية لم تكن دائما كما هي الآن»، موضحا أن السعوديين يستحقون أفضل من واقعهم.
وختم الأمير خالد الملاسنة، قائلا لخاشقجي: للنصيحة آداب وطُرق يجب على الناصح أن يتقيد بها».
في هذه الأثناء تشهد المملكة حملة غير مسبوقة على نشطاء التواصل الاجتماعي ورواده، الذين باتوا يكسرون المحظورات، وانشغلت مواقع التواصل السعودية مؤخرا بقصة فتاة تدعى «خلود» بعدما نشرت صورا ومقطعا مصورا لها على وسائل التواصل وهي ترتدي تنورة قصيرة في أحد شوارع الرياض فشغلت الناس، وقد احتجزتها الشرطة، لكنها خرجت لاحقا من الحجز.

حرب بسبب ناشطة سعودية

ارتفاع مستخدمي تويتر في السعودية بنسبة 600% مؤخرا يعني أن التغريد عبر «تويتر» أصبح أكثر شعبية من وسائل الاعلام كلها، خاصة لدى المستخدمين من الجيل الجديد المعروفين ببراعتهم في استخدام التكنولوجيا وتعطشهم لموضوع المدونات، مما جعلهم محل مراقبة وملاحقة من كافة الجهات الحكومية.
وقد كتبت مريم العتيبي، التي تعد أشهر ناشطة سعودية على «تويتر» تغريدة على حسابها تؤكد خروجها من السجن وعودتها للتدوين على مواقع التواصل، قائلةً: «تستطيع أن تنجز ما قد هيأت عقلك له، وما وثقت بأنك قادر على فعله، فقط لا تجعل الآخرين يظنون أنك تعتقد أنك لا تستطيع».

وأطلقت الناشطات السعوديات في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، وسماً على موقع «تويتر» في ما يشبه الاحتفال بإطلاق سراح مريم العتيبي، التي أصبحت صورها رمزاً للسعوديات المطالبات بمنحهن مزيداً من الحقوق.
ووصل الأمر أن تنشط بعض الأميرات على مواقعهن في وسائط التواصل، سواء في الطرح أو الدفاع، مثل موقع الأميرة نوف بنت متعب، التي تجد تفاعلا معها يصل الى أرقام بمئات الآلاف.

هجوم ناصر القصبي على الدعاة 
  
كما أثار هجوم الممثل السعودي ناصر القصبي، المحسوب على التيار الليبرالي على الداعية المعروف ناصر العمر، جدلا واسعا في موقع «تويتر»، كما تثير هجماته على التيار المتشدد وبعض الدعاة مؤخرا ردودا كبيرة.

فالقصبي، وبعد أسابيع من هجوم شنه على الداعية المصري عمرو خالد، ووصفه حينها بالمعتوه، تهجم على الشيخ ناصر العمر، الذي راجت أنباء عن توقيفه لساعات، والتحقيق معه من قبل السلطات السعودية.

هجوم القصبي على العمر، كان بسبب فيديو تحدث فيه الأخير عن قصة طفلة كانت تخرج والدتها، وتتركها مع الخادمة وحدها، وعندما رآها رجل أراد أن يفعل الفاحشة معها، برغم صغر سنها، ورغم إغرائه الخادمة بالمال من أجل أن تفسح له الطريق للدخول، فقد استعصي عليه الوصول إلى الطفلة، رغم تكرار المحاولات.

وقال العمر إن الرجل حصل على رقم والدة الطفلة، واعترف لها بخطته التي لم ينفذها، مستفسرا منها عن السبب، فقالت له إن محافظتها على الأذكار اليومية هي السبب في ذلك.

وعلق ناصر القصبي على الفيديو قائلا: «صدعوا رؤوسنا طوال 30 سنة بهالقصص المفبركة البلهاء الساذجة الركيكة»! 
وأضاف أن هذه القصص «تفيض بفكر جنسي شاذ ومريض، إهانة لعقولنا تصديق مثل هذا الهراء».

وتباينت ردود فعل المغردين على هجوم القصبي على العمر، إذ قال بعضهم إن الممثل السعودي دأب على تصيد أخطاء الدعاة، وشيطنتهم, فيما أيد مغردون هجوم القصبي على العمر، قائلين إنه وخلال السنوات الماضية، راجت ظاهرة القصص المثيرة التي يرويها دعاة.

وقال مغردون إن غالبية تلك القصص كانت تعتمد على الإثارة والعاطفة، بعيدا عن المنطق، وتقود المجتمع الى التجهيل والكبت والتخويف والخضوع.

اعتقال الدعاة .. ومنع “حرية الصمت”!

في هذه الأثناء تتواصل عمليات اعتقال الدعاة الناشطين لتزيد عن الخمسين، وأبرزهم سلمان العودة وعوض القرني وعلي العمري.

ويرجع اعتقال الشيخ العودة، مثلا إلى تغريدة دعا الله فيها أن «يؤلف القلوب»، بعد نبأ الاتصال الهاتفي بين أمير قطر الشيخ تميم بن حمد وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

واحتل وسم «اعتقال الشيخ سلمان العودة» لساعات المرتبة الثانية عالمياً في موقع «تويتر»، والأولى في السعودية.
وقال الناشط الحقوقي السعودي المقيم في لندن يحيى عسيري إن السلطات السعودية لا تصدر في العادة بيانات رسمية بشأن مثل هذه الاعتقالات. وكان قد قال في مقابلة سابقة مع «الجزيرة» إن سلطات الرياض أصبحت لا تطلب من الناس فقط أن يصمتوا وألا يقولوا ما هم مقتنعون به، بل أصبحت تطالبهم بأن يقولوا ما ينسجم مع رغبات السلطات.

وقد أثارت اعتقالات الدعاة السعوديين ضجة في مواقع التواصل الاجتماعي، وكانت أغلبها منددة بهذه الاعتقالات.
وكان التعليق الأكثر تداولاً وانتشاراً يُشير إلى انتقال السعوديّة من منع حريّة التعبير إلى منع حريّة الصمت.

وقال أحد المغردين «لم نعد نتمنى حرية الرأي، أصبحنا نتمنى حرية الصمت».

وغرد المعارض السعودي سعد الفقيه قائلا «اعتقال الشيخين العودة والقرني ليس إلا مقدمة لحملة على علماء الصحوة»، وكتب المغرد العُماني زكريا المحرمي «نصيحة محب: لا تخرسوا أصوات الاعتدال والحكمة».
في المقابل، انبرى البعض في “تويتر” لتبرير اعتقالات العودة وبقية الدعاة والمفكرين، ومن هذه التبريرات تغريدة لناشط سعودي قال إن العودة وعوض القرني «حرضا على الثورات وإسقاط الحكام وتسببا في تفقير وتهجير الشعوب وبالتالي يستحقان أشد العقاب»!.

عبد العزيز بن فهد

ومن الظواهر اللافتة كذلك؛ النشاط الكبير للأمير عبدالعزيز بن فهد؛ الابن الأصغر للملك الأسبق، الذي انخرط في الهجوم القاسي وغير المسبوق إعلاميا على ولي عهد أبوظبي وشخصيات إماراتية كبيرة، وهذا ما لم يكن يحصل حتى في الدوائر المغلقة جدا، ويسجل كذلك للأمير الوليد بن طلال نشاطه الإعلامي الجديد الذي تحول إلى السياسة، والذي يبدو أنه حل مكان والده في هذا المجال، لكنه عجز عن اطلاق فضائيته «العرب» حتى في مهجرها في البحرين.
والسؤال المطروح الآن، هل تشهد السعودية ثورة إعلامية داخلية، أم أن الأمر مجرد منتديات ومتنفس لتمهيد الطريق أمام العهد السعودي الجديد؟

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …