بعد مضي قرابة 4 شهور على جريمة القتل “الشنيعة”، استطاعت السلطات التركية الكشف عن ملابسات مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، الذي لقي حتفه داخل قنصلية بلاده في إسطنبول مطلع أكتوبر العام الماضي، إلا أنّها حتى الآن لم تتمكن من معرفة مكان الجثة، أو الإعلان عن الآمر الحقيقي بالقتل.
أعلنت الأمم المتحدة إرسال وفد خاص إلى أنقرة لمتابعة مجريات التحقيق، وهذا ما تمّ فعلًا؛ حيث وصلت الاثنين المقرّرة الأممية المعنية بحالات الإعدام خارج نطاق القضاء، أغنيس كالامارد، بهدف إجراء تحقيق دوليّ ومستقل في مقتل خاشقجي.
ومع عودة التحقيقات خصوصًا في ظل حضور أممي على مرآى العالم، يعود للطرح مجدّدًا قضية البئر القديم الموجود داخل مقرّ إقامة القنصل السعودي محمد العتيبي، حيث لم يتمكن فريق التحقيق التركيّ من تفتيش ذلك المقرّ بشكل دقيق، حسبما أعلنت السلطات التركية.
ولم يتمكن الفريق التركي إلا من أخذ عيّنات من ذلك البئر، الذي يعتبر قديمًا ومغطى بسقف من الرخام، حسب شهادة موظفين سابقين علموا في القنصلية.
وعلى الرغم من كشف أكثر ملابسات جريمة القتل، بفضل جهود الاستخبارات التركية التي أظهرت بالصور والفيديوهات والتوقيت تفاصيل جريمة القتل، عدا معلومات حسّاسة اكتفت بمشاركتها مع جهات استخباراتية في عدّة دول غربية، على رأسها الولايات المتحدة؛ إلا أنّ السؤال الأهم هو؛ أين الجثة؟.
وبالمقابل كان التعنت الرسمي السعودي واضحًا في المماطلة بمنح الإذن لتفتيش القنصلية ومقرّ إقامة القنصل، حيث من المعلوم أن الأمن التركي أو فريق التحقيق لا يستطيعان دخول أماكن دبلوماسية لدولة أجنبية إلا بإذن رسميّ من تلك الدولة. ويُعتقد أنّ هذا جعل الوقت لصالح السعودية في إخفاء ملابسات الجريمة، على رأسها التستر على مصير الجثة.
من جانبه، كان قد أعلن الأمن التركي عن استعداده لإجراء تفتيش دقيق يمكّنه من التوصل لمكان جثة خاشقجي، وجاء التصريح “نعلم جيدًا أين تمّ قتل خاشقجي، وفي أي غرفة، وأين تمّ تقطيع الجثة، نعلم كلّ هذا. ولو منحتنا السعودية الإذن لإجراء تفتيش “دقيق” فإننا نعلم جيدًا أين وماذا سنفتّش”.
ووفق مصادر أمنية نقلًا عن فريق التحقيق التركيّ، فإن عملية البحث كانت معقدة وكثيرًا ما واجه الفريق التركي عراقيل من قبل الجانب السعوديّ، عدا أنّ عملية البحث تمّت بحضور سعوديّين اثننين مقابل كل تركي من فريق التحقيق. بينما لم يتمح السماح للفريق بتفتيش كل نقاط مقرّ إقامة القنصل العتيبي.
وحينما علمت الاستخبارات التركية بوجود بئر داخل حديقة تابعة لمقرّ إقامة القنصل السعودي، سارعت بطلب تفتتيش البئر وتفريغه من الماء وفحصه بشكل دقيق، إلا أن الجانب السعودي عارض ذلك بشدّة، وبعد محادثات عديدة سمح فقط بأخذ عينة من البئر فقط، ومنذ ذلك الحين لم توافق الجهات السعودية على تفتيش البئر بشكل أدق.
ومع قدوم فريق التحقيق الأممي إلى العاصمة التركية أنقرة، بدأ الأتراك بالحديث مجدّدًا عن تفتيش البئر، الذي بات لغزًا من الممكن أن يكون قد ابتلع جثة الصحفي السعودي جمال خاشقجي.
قضية خاشقجي
وأصدر القضاء التركي، في 5 ديسمبر الجاري، مذكرة توقيف بحق النائب السابق لرئيس الاستخبارات السعودي أحمد عسيري، والمستشار السابق لولي العهد سعود القحطاني، على خلفية جريمة قتل خاشقجي.
من جانبه، دعا زعيم حزب الحركة القومية التركي المعارض دولت بهتشلي، عددًا من الصحفيين في العاصمة التركية أنقرة، إلى جلب مرتكبو جريمة قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي إلى تركيا ومحاكمتهم فيها.
وفي هذا السياق قال بهتشلي: “ينبغي جلب الفاعلون إلى تركيا وضمان محاكمتهم فيها”، واعتبر بهتشلي أنّ الحكومة التركية أنجزت عملًا هامًّا بتتبعها أدق تفاصيل الجريمة وشرح أبعاد القضية على الصعيد الدولي.
وقال وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، إن السلطات السعودية تطالب باستمرار معلومات من أنقرة، لكنها تتجاهل الكشف عن المتعاون المحلي الذي تم تسليم جثة الإعلامي جمال خاشقجي له، ولا مكان لجثته.
جاء ذلك في كلمة ألقاها تشاووش أوغلو، خلال مؤتمر “أهمية العلاقات الدولية في تركيا”، بجامعة “صباح الدين زعيم” في إسطنبول، وأضاف تشاووش أوغلو، أن عدم تعاون السعودية في الكشف عن ملابسات خاشقجي، يستدعي الحاجة إلى تحقيق دولي في هذا الخصوص.
وأفاد تشاووش أوغلو، “لأننا تصرفنا إلى الآن بشفافية، وقمنا بفعل كل ما يلزم للكشف عن ملابسات هذه الجريمة، وشاركنا الوثائق والمعلومات مع الرأي العام العالمي، إلا أنه لا جديد من الجانب السعودي”.
وتابع: إلى الآن لا يعرف مكان الجثة، من هو المتعاون المحلي، يقولون لنا يمكننا فقط إرسال رسم تقريبي، هل هو شخص رأيتموه في الشارع على وجه الصدفة لترسلوا لنا رسمه التقريبي؟ عليكم إبلاغنا باسم المتعاون المحلي الذي تعاونتم معه من قبل لتسليم الجثة إليه”.
واستطرد “من هؤلاء الأشخاص ومن هم المسجونين (المشاركين في عملية قتل خاشقجي والمسجونين في السعودية)؟ ليس هناك معلومات بشأن إفاداتهم”، وأكد أنه “يريدون دائما الحصول على معلومات منا (..) إذا هناك حاجة لتحقيق دولي”.
وأوضح وزير العدل التركي عبد الحميد غُل، إن بلاده ستتابع إلى النهاية قضية مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، وستلجأ في هذا الإطار إلى كل الآليات الدولية الممكنة بما فيها الأمم المتحدة.
وأضاف خلال استضافته على قناة “سي إن إن تورك”، إن جريمة قتل خاشقجي تتعلق “بحق الإنسان في الحياة، وستتابع تركيا إلى النهاية هذه القضية التي استهدفت من خلالها حياة إنسان”.
وقال إن تركيا تعاملت مع القضية منذ البداية باهتمام بالغ ودقة كبيرة، وأدى موقفها إلى معرفة الجميع بحقيقة ماحدث، وأشار الوزير أن بلاده طلبت من السلطات السعودية تسليمها 18 شخصا على علاقة بالجريمة التي ارتكبت في اسطنبول، والقضاء التركي مخول بالنظر في القضية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات