كشفت مصادر سياسية وأمنية مصرية، لـ “العربي الجديد”، أن السلطات أعطت وعوداً جديدة لعدد من الوسطاء من السياسيين والنقابيين، بالإفراج عن دفعة جديدة من المعتقلين قريباً، قبل عيد الأضحى (الذي يحل في 20 يوليو)، بمن في ذلك بعض المتهمين في القضية المعقدة المعروفة إعلامياً بـ “خلية الأمل”.
وقالت إن ذلك في إطار “مقاربة أكثر مرونة لملف حقوق الإنسان، بالتزامن مع تنامي الاتصالات بين النظام المصري الحاكم والإدارة الأميركية الجديدة، وحديث الرئيس الأميركي جو بايدن ووزير خارجيته أنتوني بلينكن عن ضرورة استجابة القاهرة لمناشدات تحسين أوضاع الحريات في البلاد، بالتوازي مع التغيرات السياسية الإقليمية التي تنخرط فيها مصر بقوة هذه الفترة”.
وتلقّى النظام المصري في الشهرين الأخيرين نصائح من بعض النواب والسياسيين من جماعات الضغط الأميركية التي تكثّف مصر التعاون معها، وكذلك من المتعاملين مع شركة “براونستين هيات فاربر شريك”، بضرورة الاستعداد لاتخاذ إجراءات تعكس رغبة النظام في تحسين أوضاع حقوق الإنسان خلال الفترة المقبلة، بما في ذلك بحث إمكانية الإفراج عن معتقلين ومحكومين من حاملي الجنسية الأميركية.
لكن التقديرات الاستخباراتية والأمنية مشفوعة بـ “رؤية عبد الفتاح السيسي نفسه” تتجه إلى عدم المسارعة في ذلك، باستثناء إمكانية إخلاء سبيل “عدد محدود جداً” من المعتقلين المشاهير، بحسب أحد المصادر، الذي قال لـ”العربي الجديد” إنه “من المستبعد حالياً أن يخرج عدد كبير من المعتقلين بشكل جماعي”.
وأكد رغبة النظام في “الحفاظ على عدد من الأوراق للتخلي عنها مستقبلاً عند الحاجة”، مفسراً بذلك استمرار منع سفر عدد من الشخصيات التي سبق وتحدثت واشنطن بشأنها، وعدم إخلاء سبيل نشطاء سياسيين على الرغم من تخطيهم عامين في الحبس الاحتياطي مثل إسراء عبد الفتاح.
وأضافت المصادر أن “ضباط الأمن الوطني في السجون عقدوا بالفعل لقاءات خلال الأيام الخمسة الماضية مع عدد من المعتقلين للاتفاق معهم على طريقة التعاطي المستقبلية مع الأحداث وإملاء بعض الشروط عليهم، مثل الابتعاد عن القضايا السياسية المثيرة للجدل وعدم الحديث في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي”، مشيرة إلى أن بعض هؤلاء المعتقلين كانوا قد وُعدوا من قبل بالإفراج عنهم، لكن لم يحدث ذلك بسبب اختلاف تقدير قيادات الأمن الوطني لهم، أو كعقاب لبعض الشخصيات القريبة من هؤلاء المعتقلين سياسياً أو اجتماعياً على تصريحات ومنشورات معارضة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وذكرت المصادر أن هذه اللقاءات الخاصة عُقدت بالتوازي مع استمرار عقد اللجان الخاصة في السجون المكلفة بفحص ملفات السجناء السياسيين والمحبوسين احتياطياً على ذمة قضايا سياسية، والمشكّلة أساساً من ضباط الأمن الوطني، وبالتنسيق مع المخابرات العامة، والمخابرات الحربية، ورئاسة الجمهورية، لقاءات شخصية، متكررة في بعض الأحيان، مع أكثر من 35 محبوساً احتياطياً وسجيناً في سجون مجمع طره والوادي الجديد وأسيوط وبرج العرب وجمصة، تم ترشيح أسمائهم من قبل اللجنة الخاصة بالعفو والمشكّلة بقرار من رئيس الجمهورية، ومن المجلس القومي لحقوق الإنسان وشخصيات سياسية أخرى.
ودارت مناقشات حول تصورات السجناء والمحبوسين، وعدد كبير منهم معروفون للرأي العام، للمستقبل السياسي وموقفهم من اتجاهات الدولة في مختلف المواضيع في الفترة الأخيرة.
وذكرت المصادر أن عدداً كبيراً من هؤلاء السجناء والمحبوسين تلقوا وعوداً صريحة بالعفو قريباً، مع التشديد على ضرورة التزام الصمت بعد الخروج وعدم التفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام
لكن مر وقت طويل من دون تحقق ذلك، بينما تم تسجيل ملاحظات سلبية على عدد منهم بسبب تطوّر المناقشات في بعض الحالات لمشادات كلامية. كما تم إجراء بحوث اجتماعية لأكثر من 3000 سجين لدراسة إمكانية العفو عن الحالات الأكثر احتياجاً وتأزماً على المستوى الاقتصادي، لكن لم يتم البت في الأمر بشكل نهائي حتى الآن، نظراً لتوصيات من الأمن الوطني والمخابرات العامة تزعم وجود خطورة في إحياء الامتدادات الاجتماعية لتيار الإسلام السياسي.
وكشفت المصادر أن الفترة المقبلة ربما تشهد الإفراج عن معتقل أو أكثر على ذمة قضية “خلية الأمل” تحديداً، والتي لم تكن توافق المخابرات العامة والأمن الوطني على خروج معظم المعتقلين على ذمتها، وبسبب اتهامهم في قضايا أخرى أيضاً، علماً بأن جميع المتهمين بها مدرجون على قائمة الإرهابيين، أي ممنوع سفرهم وتصرفهم في أموالهم.
وتضم هذه القضية رامي شعث، الناشط ضد الصهيونية المتزوج من مواطنة فرنسية ونجل السياسي الفلسطيني نبيل شعث، وعلى الرغم من الإلحاح الفرنسي المتكرر خلال عام تقريباً، حرص السيسي ووزير الخارجية سامح شكري على عدم إعطاء أي تعهدات بقرب إطلاق سراحه.
وكان السيسي قد أصدر في 20 إبريل/نيسان الماضي قائمة عفو تضم 1686 شخصاً تبيّن أن معظمهم من المواطنين الذين اعتُقلوا وحوكموا بصورة سريعة عام 2020 أمام القضاء العسكري وأدينوا بارتكاب جنح عسكرية، لتورطهم في مخالفات البناء، كما تضمّنت الكاتب الصحافي مجدي أحمد حسين، بعد أيام من إفراج وزارة الداخلية عنه رسمياً، على الرغم من قضائه فترة عقوبته بالفعل.
وبحسب مصدر أمني مطلع، تضمّنت القائمة أقل من ثلاثين مواطناً اعتُقلوا في قضايا سياسية حديثة نسبياً، بتهمة الانتماء لجماعة محظورة، مما يعني تنحية ملفات المعتقلين السياسيين بشكل عام جانباً عند الإعداد لهذه القائمة، وتأجيل الاستجابة للوساطات والمطالبات السياسية والنقابية المبذولة حالياً لإعادة إصدار قرارات العفو التي تشمل السجناء السياسيين، خصوصاً المدانين في قضايا بين عامي 2013 و2016.
إهمال في السجون وانتهاك للقانون
ويتعرّض المحتجزون في السجون ومقار الاحتجاز المصرية إلى إهمال متعدّد الأوجه، لكنّ ذلك الذي يتعلّق بالشأن الصحي يبقى الأشدّ خطورة، علماً أنّ القانون الذي يرعى ذلك مُهمل.
كان لا بدّ من ضغط نقابي كبير وتفاعل واسع على منصات التواصل الاجتماعي من أجل نقل الكاتب الصحافي المصري جمال الجمل المشتبه في إصابته بفيروس كورونا الجديد من زنزانته في سجن طرة إلى مستشفى السجن، وليس إلى مستشفى يعالَج فيه على نفقته الخاصة ولا إلى بيته لأنّه محبوس احتياطاً.
وقد استلزمت رحلة الانتقال من الزنزانة إلى المستشفى في السجن نفسه، ضغطاً من قبل مجلس نقابة الصحافيين المصريين ومشادات حقوقية مصرية وإقليمية ومئات التدوينات على منصات التواصل الاجتماعي من أجل علاج سجين الرأي الذي يعاني من أعراض كوفيد-19، علماً أنّ العدوى قد تنتقل بالتالي إلى جميع السجناء والسجّانين.
والحق في الصحة منصوص عليه في الدستور والقوانين ولائحة السجون المصرية. وتنصّ المادة 18 من الدستور المصري الصادر عام 2014 على أنّ “لكلّ مواطن الحق في الصحة وفي الرعاية الصحية المتكاملة وفقاً لمعايير الجودة (…) ويُجرَّم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكلّ إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة”.
أمّا المادة 55 من الدستور فتنصّ على أنّ “كلّ من يُقبض عليه أو يُحبس أو تُقيّد حريّته تجب معاملته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيّاً أو معنويّاً، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيّاً وصحيّاً”.
كذلك تنصّ المادة 56 على أنّ “السجن دار إصلاح وتأهيل. تخضع السجون للإشراف القضائي ويحظر فيها كلّ ما ينافي كرامة الإنسان، أو يعرّض صحته للخطر”.
ويعاني المحتجزون في السجون المصرية كلّها كي يُسمَح لهم برؤية طبيب السجن الذي يعامل المحتجزين بطريقة سيّئة ويتّهمهم بالتمارض.
وهو ما يدفع محتجزين كثيرين إلى الاعتماد على الأطباء المحتجزين معهم لتشخيص حالاتهم.
ويمتدّ الإهمال الطبي في السجون ليشمل المنع غير المبرّر لدخول الأدوية اللازمة للمحتجز أو السماح له بالخروج لإجراء التحاليل الطبية أو اللجوء إلى مستشفى في الخارج إذا كانت حالته تستدعي ذلك، وهو أمر يحتاج إليه محتجزون كثيرون في ظلّ التجهيزات المتواضعة لعيادة السجن أو مستشفاه الذي لا يوفّر في العادة التحاليل، ما يدفع الأهالي إلى سحب عيّنات دم من المحتجزين في الزيارات وأخذها إلى أقرب معمل طبي.
وقد أكد كثيرون في سجون مختلفة أنّ طبيب السجن يكتفي في العادة بوصف المسكّنات للمحتجزين بغضّ النظر عمّا يشكون منه، بحسب ما جاء في تقرير حديث صادر عن الجبهة المصرية لحقوق الإنسان (منظمة مجتمع مدني مصرية) في الرابع والعشرين من مايو/أيار الماضي.
وشهد عام 2020 وحده 73 وفاة نتيجة إهمال طبي في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة في مصر. وقد توفي نحو 774 محتجزاً في خلال الأعوام الأخيرة؛ 73 محتجزاً في عام 2013، و166 في عام 2014، و185 في عام 2015، و121 في عام 2016، و80 في عام 2017، و36 في عام 2018، و40 في عام 2019، و73 في عام 2020. ومنذ مطلع العام الجاري، توفي 20 محتجزاً في السجون ومقار الاحتجاز المختلفة، نتيجة الإهمال الطبي المتعمد أو من جرّاء الإصابة بكوفيد-19.
وتفتقر السجون المصرية بشكل عام إلى مقوّمات الصحة الأساسية والتي تشمل الغذاء الجيّد والمرافق الصحية ودورات المياه التي تناسب أعداد السجناء وكذلك الإضاءة والتهوية والتريّض.
كذلك تعاني في معظمها من الاكتظاظ، ما جعل منظمات حقوقية مصرية عديدة تطالب بإلزامية فتح النيابة العامة تحقيقاً في وفاة كلّ معتقل وسجين في أحد أماكن الاحتجاز أو السجون المصرية، بغضّ النظر عن التاريخ المرضي للسجناء. كذلك كانت مطالبات بديهية بالتعامل الجاد مع استغاثات المساجين في الحالات الطارئة وتسهيل الإجراءات اللازمة لتلقّي الرعاية الصحية في داخل السجون أو في مستشفيات خارجية، مع تخصيص ميزانية من قبل وزارة الداخلية من أجل تحسين البنية التحتية في السجون وأماكن الاحتجاز وتوفير الأجهزة والأدوات الطبية اللازمة بدلاً من الاعتماد على الإسعافات الأولية فقط.
وعلى الرغم من عبثية المشهد، تشدّد منظمات حقوقية مصرية على اتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في حالة الإهمال الطبي المتعمّد للمحتجزين في السجون، سعياً إلى إنقاذهم وتوثيق كلّ تلك الانتهاكات لعلّها تغيّر الواقع في يوم، وذلك من خلال إرسال شكاوى وبرقيات إلى النيابة العامة التي يقع السجن محلّ الشكوى في دائرتها، وإلى النائب العام المصري بصفته المسؤول الأوّل عن مراقبة السجون والإشراف عليها، وإلى مصلحة السجون المصرية ومجلس الوزراء المصري والمجلس القومي لحقوق الإنسان.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات