9- خبرة السنين
كيف تنظر قيادات الجماعة الإسلامية لفكرة استخدام العنف لمواجهة القمع بعد خوضها التجربة؟
يقولون إن الحكمة هي حصيلة التجارب التي تستقر في الوجدان بعدما ترحل أحداثها بحلوها ومرها. والتعبير عنها لايحتاج لتحليل مواقف أو لذكر أسباب أو مبررات، فهي ليست نتاج موقف بذاتها وواقعة محددة, ولكنها أقرب ما تكون للقاعدة العامة التي أفرزها العديد من المواقف والتجارب. ولعل هذا المفهوم مما ينطبق بجدارة على الخلاصة التي انتهى إليها قيادات الجماعة الإسلامية بعد تجربة طويلة ومريرة انطلقت من فكرة تبني استخدام العنف لمحاولة ردع الدولة عن التمادي في استخدام القمع. انظر إلى الدكتور طارق الزمر وهو يخبرنا بخلاصة تجربة الجماعة كمايراها (خاضت الجماعة الإسلامية مجال الأعمال العسكرية الوقائية على سبيل الردع، أو تأمينًا لحركة الدعوة، وذلك خلال عقد التسعينات، ووصلت إلى طريق مسدود بعد أن تضاعفت الخسائر والمفاسد العامة)
[1] . وهي نتيجة مطابقة لما انتهى إليه المهندس عصام درباله؛ رئيس مجلس شورى الجماعة عند مراجعته لتاريخ ووقائع تلك المرحلة: (كان الهدف المعلن للعمليات العسكرية منذ صيف 1992 هو الإفراج عن المعتقلين كهدف أساسي، وقد ثبت أن استمرارها يزيد عدد المعتقلين والمحكوم عليهم؛ أي أن القتال الدائر آنذاك لم يحقق مصلحة راجحة للإسلام ولا للبلاد أو الجماعة، وعلى العكس من المستهدف؛ صار يحقق مفاسد كثيرة للجماعة وللدولة وللدعوة، ولا يستفيد منه سوى المتربصون بالإسلام)
[2]وعندما يطرح الشيخان عبود وطارق الزمر فكرة البديل الثالث يحرصان على التأكيد على ذات الدرس (العمل المسلح تحول إلى عبء على العمل إلاسلامي وأصبح الاستبداد هوالمستفيد الأول منه)
[3] ولا يبعد عنهما المهندس صلاح هاشم؛ عضو مجلس شورى الجماعة في تقييمه لتلك الفترة: ( الجماعة دفعت ثمنا غاليًا لحملها السلاح, فكانت الخسائر فادحة)
[4] ويعزز ذات الفكرة الشيخ عبدالآخر حماد رئيس الهيئة الشرعية للجماعة: (الجماعة الإسلامية حاولت دفع مفسدة هجمات النظام وشراسته وقتله لأعضائها واعتقالهم، فظنت خطأ أن مواجهة هذا النظام بالسلاح والعمليات العسكرية واغتيال رموزه قد يوقف العمليات ضدها، ويطلق سراح الدعوة، ويوقف اقتحام المساجد, ولكن على العكس فلم تتحقق هذه الأهداف، وأضيرالمجتمع)
[5]ومن الملفت أنه رغم تعدد هذه القيادات فإن أحدا منهم لم يرجع موقفه المناهض لاستخدام العنف في مواجهة القمع إلى نصوص شرعية مباشرة، بل إلى المفاسد التي ترتبت على استخدامه في ضوء تجربتهم المريرة, والحقيقة – وكما هومعلوم – فإن الأحكام الشرعية ليست بعيدة عن قياس المصالح والمفاسد على أرض الواقع. بل إن هذه الأحكام جعلت من الترجيح بينها أحد الضوابط الشرعية التي تبنى عليها المواقف والاختيارات. وقد كان هذا التفاعل بين ما هو شرعي وما هو واقعي في خلفية الأستاذ ياسر الزعاترة عندما كتب حول”مراجعات الجهاديين وتراجعهم” قائلا: (في التجارب الحديثة, لم تذهب الحركات الإسلامية نحو العمل السلمي ورفض الخروج المسلح لأنه حرام شرعا, بل لأنها اكتشفت أن ذلك مستحيل في مواجهة الدولة الحديثة المدججة بالقوة الأمنية، والمدعومة من الخارج، وفي ظل عدم توافر الإجماع حول برنامجها ورؤيتها)
[6].فهو قد اعتبر أنه في حالة وجود حالة من الإجماع حول برنامج ورؤية حركات الخروج على الأنظمة الاستبدادية, فإنه يمكن حمل السلاح استنادا لهذا التأييد إذا لم تكن هناك موانع أخرى، ومن البديهي في هذه الحالة أن يتحقق هذا الاجماع –أو مايقاربه – قبل اللجوء لحمل السلاح, ولاتخدع الحركات الإسلامية نفسها في حمل السلاح أولا بادعاء أن الإجماع المنشود سوف يتحقق لاحقا, وعلى أية حال, فهو اجتهاد – شرعي وواقعي – جدير بالالتفات إليه في هذه المسألة.
[1] ) الدكتور طارق الزمر, كناب مراجعات لاتراجعات, ص 129
[2]) حوار مع مجلة المصور في 15 -6 – 2002 عن كتاب استراتيجية وتفجيرات القاعدة
[3]) حوار مع صحيفة الشروق 20 – 8 – 2009
[4] )حوار مع الموجز 26 – 9 – 2011
[5] ) حوار مع الدستور 6 – 5 – 2011
[6] ) ياسر الزعاترة, مراجعات الجهاديين وتراجعهم, موقع إسلاميون, 18 – 10 – 2008
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات