العنف في مواجهة القمع .. الدروس العشرة من تجربة الجماعة الإسلامية (5)

4- بين الحركة الدعوية والخلايا السرية

ننظر هنا إلى المعاناة التى واجهت الجماعة الإسلامية، وهى تحاول أن تجمع فى كيان واحد بين أداء دورين متعارضين؛ أي الدور الدعوي والدور الصدامي.. وبداية يلفت الدكتور ناجح إبراهيم إلى الطبيعة التنظيمية للجماعة الإسلامية عند نشأتها واختلافها عن التنظيمات الجهادية: (الجماعة الإسلامية فى الأصل جماعة دعوية, فعندنا الدعوة والتدين والعمل الخيرى, لكن شاب ذلك خطأ الصدام المسلح.. وهى تختلف عن فكر جماعة الجهاد التى تتكون من عناقيد تنظيمية سرية منفصلة لها هدف واحد هو الجهاد)[1]

ومع قرار الجماعة بتحويل الصدام المسلح من فكرة إلى واقع فى بداية التسعينات من القرن الميلادي الماضي, فقد ظنت قيادتها أنها سوف تضيف إلى دورها الدعوى والاجتماعى دورا آخر يتعلق بإستخدام العنف فى مواجهة عنف الدولة وقمعها, دون أن تملك الوعي الكافي بأن هذا الدور الجديد له ثمن لا يتمثل فقط فى التضحيات المفهومة التي يتطلبها، بل وأيضا فى الإضرار بالدور الدعوي والإجتماعي الذى نشات الجماعة للقيام به فى الاصل وفق توضيح الدكتور ناجح السابق ذكره.

وقد انتبه المهندس صلاح هاشم لأحد أبعاد الضرر الذى وقع على نشاط الجماعة الدعوي لدى انغماسها فى أعمال العنف: (الخلط بين الجناح العسكري للجماعة وجناح الدعوة هو الذى جعل السلطة لا تفرق فى تعاملها مع الجماعة عقب كل حادث.. بل إنها كانت تعتقل من جناح الدعوة أكثر مما تعتقل من الجناح العسكري حيث أنهم كانوا يختفون عقب الأحداث)[2].. فالجماعة الإسلامية فى أصلها حركة دعوية معلومة القيادات والأفراد والمساجد لدى المحيط الذى تنشط فيه, أي أنها بحكم المكشوفة لدى أى مواجهة، ومن غيرالموضوعي الظن بأن حجم القمع الذي توجهه مثل هذه الأنظمة الاستبدادية سيتفاوت كثيرا فيما بين الأجنحة الدعوية، والأجنحة العسكرية، خاصة وأن تعاملها مع الأجنحة الأولى هو أكثر يسرا من الثانية.

ومن المفيد هنا أن نثبت أن رؤية المهندس صلاح هاشم المذكورة كانت محل حوار بينه وبين غيره من قادة الجماعة الإسلامية وقد رد عليه الشيخ رفاعى طه فى رساله خاصة كذلك طارحا رؤيته: (النظام يتحرك لتقليم أظافر الجماعة أولا بأول حتى لو لم تبدأ بشئ، وكان سيأتى الدور حتما على كل الجناح الدعوي حتى ولو لم يتورط فى الأحداث، ولكن ذلك سيكون على فترات أطول ومتباعدة نسبيا، وستكون أحكام من لم يمارسوا العمل المسلح أخف.. ولعل الأمر كان يمكن التعايش معه)[3]

ولا نستهدف أن نحسم الاختيار الأمثل هنا بقدر ما نهدف لإثبات طبيعة التقديرات المتفاوتة للمسألة لما فيه من إثراء للأفكار.. على أن فكرة خلط القمع الامني بين الجناح الدعوي، والجناح العسكري لا تتعلق فقط بانفلات عمليات القمع للجناح الدعوي من أية ضوابط وقيود مثله مثل الجناح العسكري، ولكنها ترتبط أيضا بحقيقة أن هناك ثمه تداخلا حقيقيا بين أفراد كلا الجناحين، وهو ما كان الشيخ رفاعي طه سبق وأن سجل اعتراضه عليه في حينه، وذلك وفق رواية الدكتور صفوت عبد الغني: (كان الشيخ رفاعي طه رافضا للطريقة التي تمت بها العمليات العسكرية داخل مصر .. حيث كان يرى عدم جواز الاستعانة مطلقا بالكوادر الدعوية في العمل المسلح )[4]

على أن التاثيرات السلبية المتبادلة بين النشا ط الدعوي والنشاط العسكري تتخطى خضوع رجالهما لعمليات القمع الأمني بذات المستوى إلى ماهو أشد تاثيرا على مشروع الجماعة ذاته، وذلك من خلال مسارين هامين:

المسار الاول: وهو يرتبط بتحول الجماعة الإسلامية إلى تنظيم  سري تماما مع اشتداد القمع الأمني وامتداده لفترات زمنية طويلة، وهو ما لاحظه الدكتور رفيق حبيب آنذاك: (أهم مافى التغيير الحقيقي الحادث للجماعة الإسلامية أنها تحولت من تنظيم عملي إلى تنظيم سري عسكري ليس له أي نشاط علني.. وهذا تغير هيكلى هام جدا، وقد فقدت الجماعة بسبب صراعها مع الحكومة الكثير من قدراتها، وأعضائها، وقدرتها على الاتصال والتنظيم. وأنا اعتقد أن العنف قد أدى إلى خسائر فادحة بالنسبة للجماعة الإسلامية)[5]

المسار الثانى: وهو يرتبط بالمخاوف الطبيعية لدى أعضاء الجماعة الإسلامية من مخاطر الانفتاح على المجتمع الذي يتطلبه الدور الدعوي والاجتماعي فى ظل القمع الأمنى، وهو ما لاحظه الأستاذ سمير العركي؛ القيادي بالجماعة، ولاحظ أيضا تداعياته السلبية على القدرات الحركية والاستقرار النفسي لهؤلاء الاعضاء: (لعبت التنظيمات المسلحة دورا هاما  فى تحول الحركة الإسلامية إلى مايشبه التنظيم السري, والذى يدرك أن الانفتاح سيكلفه الكثير فى ظل نظام يعد عليه أنفاسه وسكناته، ويتبع سياسة إجهاضية من الطراز الأول، مما دفع الحركة إلى مزيد من السرية التى أثرت كثيرا على القدرات الإبداعية الابتكارية للحركة، ووضعتها فى وضع نفسى مأزوم أثر على مزاجها العام، وعلى قدرتها على القراءة السليمة للواقع وتغيراته)[6]

 

[1] )  حوار مع صحيفة المساء المصرية  2 – 7 – 2011

[2] ) من دراسة قدمها لمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية – نقلا عن كتاب ” مراجعات الجهاديين”  ص  75

[3] )  من رسالة خاصة كتبها للمهندس صلاح هاشم – عن كتاب “مراجعات الجهاديين”  ص  75

[4] ) حوار مع موقع الجماعة الإسلامية-  بدون تاريخ وغالبا عام 2007

[5] ) من مداخلة الدكتور رفيق حبيب في برنامج “أضواء”,  نقلا عن كتاب “الجهاد كلمة’”  لمنتصر الزيات   ص  230

[6] ) سمير العركي-  التنظيمات المسلحة في الحركة الإسلامية –  ص  35

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …