الغموض يكتنف مستقبل اليمن بعد رقصة صالح الأخيرة مع الثعابين

حكم الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح اليمن منذ عام 1978 وحتى 2012، حين أجبرته الانتفاضة الشعبية على التنحي عن موقع الرئاسة، ولكن لأنه أدمن “مراقصة الثعابين” كما وصف يومًا طريقة حكمه, فإنه لم يشأ أن يتنحى فعليًا، ويتقاعد إلى الأبد عن تلك المهنة, فظل ممسكًا بزماره؛ يلاعب مرة دول الخليج، وأخرى الحوثيين ومن وراءهم إيران, وحين أراد الانقلاب على تحالفه مع الحوثي أبلغه الأخير أن: “أقيمت الحجة”, وأحل سفك دمه, فلم تمض سوى ساعات حتى كان صالح مقتولا, ملفوفًا في بطانية, في تكرار مدهش لمقتل (أخيه) معمر القذافي.
تاريخ صالح، مزيج غريب من الأفعال، ولبتحالفات، ثم نقض التحالفات، ثم العودة إليها، بغرض نقضها مجددًا.. سلسلة من الرقصات الخطرة التي كانت آخرها رقصته مع الحوثيين في الأسبوع الأخير.  

خاض صالح ست حروب مع الحوثيين، بين أعوام 2004 وحتى 2010، ثم انتهى به الحال إلى التحالف معهم بعد تنحيه عن السلطة، فقد فتح مخازن أسلحة الحرس الجمهوري أمام ميليشياتهم، ومكنهم من اجتياح العاصمة صنعاء.

قبل هذا السجل مع الحوثيين، أقام صالح وحدة اندماجية مع اليمن الجنوبي، ليدخل في سلسلة اتفاقات سرية مع شركات نفط عالمية حول ثروات الجنوب، ثم يجرد المؤسسات هناك من صلاحياتها على نحو تدريجي، لينتهي به الأمر إلى خوض حرب أهلية في صيف 1994، آلت إلى انتصاره، والانقلاب على توافقات الحقوق والواجبات التي صنعت الوحدة بين الشمال والجنوب.
وحين تعرض أثناء الثورة للإصابة إثر هجوم استهدف القصر الرئاسي، وافق على العلاج في السعودية، ثم استجاب للمبادرة الخليجية حول حلّ النزاع الأهلي، ليعود إلى صنعاء فيتحالف مع الحوثيين وينقلب على السعودية.

وحين أخذت الرياح تسير مؤخراً بما لا يشتهي، سارع إلى فض الشراكة مع الحوثيين، وعاد إلى مغازلة السعودية والإمارات، عارضًا المساومة مع الجهات ذاتها التي اعتبر أنها تشن العدوان على اليمن.

وليس دون مغزى كبير أنه قتل أثناء فراره من العاصمة صنعاء، قاصدًا سنحا ومأرب، في مسعى للجوء مجددًا إلى السعودية كما يرجح.
دروس من مصارع الطغاة

في واقعة مقتل صالح درس كبير؛ فحبل الطغيان قصير، مهما امتدت به السنوات.

والرجل الذي سهر طيلة 32 سنة لكي يشيّد نظامًا قائمًا على الفساد وشراء الولاءات العائلية والقبلية واللعب على التناقضات وترهيب الداخل والجوار، لم يكلف أكثر من طلقة في الرأس كي يغادر مسرح الرقص مع الثعابين إلى حيث لن يستقبله التاريخ إلا في محفل الطغاة والمستبدين.

والدرس الثاني يخص الحدود القصوى لأي لهو بمصائر الشعوب، فقد قُتل صالح بعد أن تسبب مباشرة في إراقة دماء الآلاف من اليمنيين، وفي دفع البلد إلى المجاعة والأوبئة والخراب.

ولعل الدرس الثالث هو أن قاتله الحوثي لن يقطف من ثمار فعلته هذه إلا المزيد من احتراب اليمن وتفكيك وحدته الوطنية، حيث لن ينفع سند خارجي ولا أوهام أحلاف أو ولاءات مذهبية. كذلك فإن «التحالف»، الذي أسال لعاب القتيل ودفعه إلى قلب المعطف سريعًا، يتلقى من جانبه نكسة جديدة تضاف إلى سلسلة النكسات التي أعقبت العدوان على اليمن.

صدمة في الشارع

الشارع اليمني يشهد منذ يوم أمس صدمة غير مسبوقة على خلفية تصفية علي عبدالله صالح وقتله بالرصاص الحي بعد محاولته الفرار من العاصمة صنعاء نحو مسقط رأسه في بلدة سنحان، شرقي العاصمة صنعاء. 

الصدمة بحسب تقارير صحفية لم تقتصر على أتباع صالح ومؤيديه ولكنها شملت حلفاءه الجدد الذين كانوا يعوّلون عليه القيام بدور محوري في المعركة الراهنة ضد جماعة الحوثي الانقلابية التي اجتاحت العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014 وتسيطر عليها وعلى العديد من المحافظات اليمنية منذ ذلك الحين.
وعلى الرغم من أن صالح خرج من المشهد السياسي اليمني بشكل نسبي منذ تسليمه السلطة لخلفه؛ عبدربه منصور هادي في فبراير 2012، غير أنه ظل الرجل الأقوى في الوسط السياسي اليمني القادر على إدارة كافة الأوراق السياسية وإدارة الصراع اليمني بدهاء، لا يضاهيه أحد في ذلك بسبب خبرته الطويلة في قيادة البلاد. وخلق بقاؤه على قيد الحياة حجرة عثرة أمام خلفه الرئيس هادي، الذي لم يستطع ملء الفراغ الذي تركه صالح, أما التدخلات العديدة التي كان يقوم بها صالح وتأثيره الكبير ونفوذه الواضح في أروقة الحكومة الشرعية فقد أصابت الحكومة الشرعية بالشلل.

إن كان غياب صالج المفاجئ شكل صدمة كبيرة لليمنيين، فقد خلق إرباكا كبيرت للتحالف العربي بقيادة السعودية، وبالذات لدولة الإمارات التي كانت تراهن كثيرا على إعادة إنتاج نظامه وظلت تحافظ عليه وتدعمه ماديا ومعنويا منذ سقوطه.

وعلى الرغم أن الإمارات تعد ثاني أكبر دولة في التحالف العربي ضد الانقلابيين في اليمن, أي الحوثيين وصالح, إلا أن أبوظبي حافظت على دعمها لصالح وأتباعه من القوات العسكرية ومشائخ القبائل المحيطة بالعاصمة صنعاء، لاستخدامهم عند اللزوم، وكان صالح والإمارات والتحالف العربي يعولون كثيرا على المعركة التي اندلعت الأربعاء الماضي في صنعاء بين الميليشيا الحوثية وقوات صالح.
وترى العديد من المصادر اليمنية أن الغموض سيظل (سيد الموقف) لبعض الوقت بعد رحيل صالح، غير أن الدعوات التي سارع أتباعه بإطلاقها لـ(ثورة جدية) قد تؤتي أكلها قريبا وقد تُستغل هذه الحماسة الشعبية للانتقام من الحوثيين.

وتتجه الأنظار نحو نجل صالح الأكبر؛ العميد أحمد علي، الذي كان إلى يوم أمس تحت الإقامة الجبرية في العاصمة الإماراتية، أبوظبي، بعد أن أنهى مهمته الدبلوماسية هناك كسفير لليمن بعد الاطاحة بوالده من سدة الحكم.
وكان الإقليم والمجتمع الدولي ينظر إلى صالح على أنه المرشح الأقوى لأن يلعب دور (المخلّص) لليمن من الانقلابيين الحوثيين وتخليص اليمن من الحرب الراهنة، على ضوء التحولات الأخيرة التي شهدتها الساحة اليمنية ودعوته دول الجوار إلى (فتح صفحة جديدة) وقبول دول الجوار بذلك، وإعلانها الدعم الكامل لصالح ولتحركاته العسكرية التي كان بدأها الأربعاء الماضي في العاصمة صنعاء، لكنها انتهت أمس بمقتله المفاجئ.

وتوقع سياسيون يمنيون أن يكون مقتل علي صالح, الشرارة الأولى لاندلاع ثورة عارمة في أرجاء اليمن يتعاضد فيها الجميع من أتباع صالح وأتباع هادي وكذا الجيش اليمني والمقاومة الشعبية ضد جماعة الحوثي التي اكتوى بنيرانها الجميع، وأن هذه المعركة يبدو أن عجلتها لن تقف حتى يلقى زعيم جماعة الحوثي؛ عبدالملك بدرالدين الحوثي، مصير صالح ومصير شقيقه الأكبر مؤسس الجماعة؛ حسين الحوثي.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …