تحسم تركيا اليوم الأحد 17 أبريل 2017 مشروع “العثمانية الجديدة” باستفتاء شعبي حول تعديلات دستورية من شأنها تعزيز سلطة الرئيس؛ رجب طيب أردوغان أو غيره.
تزعم وسائل إعلام محلية وعالمية مناوئة أنّ التصويت لصالح التعديلات يعني موت الديمقراطية التركية، بل إنّ البعض زاد بأنّ الديمقراطية التركية قد ماتت بالفعل وأنّ الاستفتاء هو المسمار الأخير في نعشها!
ويعتقد معارضو التعديلات أنّ التصويت بـ«نعم» سيرفع أردوغان إلى منصب الرئيس الديكتاتور، وأنّ تركيا ستدخل بذلك في نفقٍ مظلم.
لكنّ هذا الخلط في التفكير لديه مشكلة صغيرة واحدة من وجهة نظر “جيوبوليتيكال فيوتشرز”, لأن قرار تغيير هيكل الحكومة التركية سيكون بتصويتٍ ديمقراطي، صحيح أن الديكتاتوريين والسلطويين وصل بعضهم إلى السلطة بالوسائل الديمقراطية قبل سحق كل المعارضة، ولكن نادرًا ما يكون الديكتاتوريون معنيين بالنقاط الدقيقة للقانون الدستوري والشرعية الديمقراطية، وإذا صوت المواطنون الأتراك لصالح التعديلات المقترحة، فإنّ البرلمان سوف يحتفظ بالحق فى طلب استجواب الرئيس بأغلبية الثلثين، ولن يكون تصويت «نعم» بمثابة تتويج لمشروع “العثمانيون الجدد” فحسب بل سيكون تعبيرًا ديمقراطيًا عن إرادة الأمة التركية، أو على الأقل الجزء الذي يقرر التصويت.
مقاربة بين أمريكا وتركيا
وتمضي مجلة جيوبوليتيكال فيوتشرز في قراءتها لمشهد استفتاء التعديلات الدستورية في تركيا بمقارنة بين أمريكا وتركيا، ففي بلدٍ مثل الولايات المتحدة، لم يحاول الجيش قط الانقلاب على الحكومة المدنية، والفرق بين بلد مثل الولايات المتحدة وتركيا هو الطبيعة الجيوسياسية.
تأسست الجمهورية التركية الحديثة عام 1923، وكانت قوةً ضعيفة وريثة لتاريخٍ إمبراطوري مجيد ومتميز، اشتعلت فيها النيران بعد انهيار الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى وفقدت بعض أراضيها السابقة.
وقد تركزت السلطة السياسية في إسطنبول، حتى وإن كانت العاصمة أنقرة، وكانت الأناضول ضعيفة ومتخلفة وممثلة تمثيلًا ناقصًا، وأصبح الضابط العسكري مصطفى كمال زعيمًا للبلاد، ولفترة طويلة، كان الجيش هو القوة المهيمنة على السياسة التركية، وكان يتدخل دائمًا عندما يرى ضرورةً لذلك.
ويعدّ صعود «أردوغان» وحزب العدالة والتنمية جزءًا من تطور تلك الدولة الضعيفة المهزومة، ويرجع الدستور الحالي، الذي يحدد إطار الحكم التركي، إلى عام 1982، حيث اُعتمد في ظل نظام عسكري استولى على السلطة في انقلاب الثمانينات.
وخلال هذا العقد، شهدت الأناضول، التي لم تكن أولوية رئيسية في العهد العثماني أو في العقود الأولى من الجمهورية التركية، فوائد من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية.
وأدى تدفق رؤوس الأموال والصناعة إلى الأناضول إلى خلق فئةٍ جديدة من المواطنين، الذين نشئوا محافظين ومتدينين أكثر من النخب في إسطنبول، لكنهم فضلوا اتباع نهجٍ اقتصادي أكثر تميزًا.
وواجهت مراكز السلطة القديمة ضغوطًا لم تواجهها من قبل، وقد غير هذا الاختلاف بين المجموعتين وهو مستمر إلى اليوم.
ومع حدوث هذا التحول الداخلي، ازدادت قوة تركيا كدولة أيضًا، ولدى تركيا أكبر ناتج محلي إجمالي في الشرق الأوسط، ولا يمكن مقارنته سوى باقتصاد السعودية، لكن تعاني السعودية من مأزقٍ عميق، وقد كتبت «جيوبوليتيكال فيوتشرز» حول ضعف النظام السعودي العام الماضي، واصفةً إياها بأنّها «تقريبًا وحرفيًا قلعة مصنوعة من الرمال المبنية على أساسٍ من النفط».
قدرات تركيا
ووفقًا لآخر أرقام البنك الدولي، فإنّ اقتصاد تركيا يكاد يكون ضعف حجم اقتصاد إيران، إلا أنّ طهران لا تزال تحظى بمستوىً مرتفع من الاهتمام العالمي بسبب قوتها، ومن الناحية العسكرية، تمتلك تركيا واحدًا من أكبر الجيوش في الشرق الأوسط ، وعلى الرغم من أنّ الجيش كان بحاجة إلى إصلاح وتحديث حتى قبل محاولة الانقلاب، إلا أنّ قدرة تركيا على ممارسة القوة العسكرية تبقى أكبر من معظم جيرانها، وتتجاوز إمكاناتُها إمكانات بلدانٍ أخرى في المنطقة.
ولفترة طويلة بعد عام 1991، كانت تركيا تتطور ببطء وبمنهجية، وقد اتبعت سياسة «صفر مشاكل» مع جيرانها، لكنّ الشرق الأوسط عاد إلى وضعه الطبيعي، في مكانٍ ما بين الحرب الأهلية والفوضى العامة، ولا تعدّ الحرب الأهلية السورية وعدم الاستقرار في العراق قضايا مجردة لتركيا، فهي تحدث على حدود تركيا. ويعدّ العنف غير المشروع واقعًا في حياة البلاد، وكذلك الملايين من اللاجئين الفارين من العراق وسوريا، وتحاول إيران تعزيز مصالحها بقدر ما تستطيع، وتلعب روسيا، إحدى أعداء تركيا التاريخيين، في المنطقة بقوة محدودة، ولكن في معارضة مباشرة لمصالح تركيا.
كل هذه أجواء تجعل من اليوم يوما تاريخيا بامتياز، فإذا ذهب الأتراك إلى صناديق الاقتراع واتخذوا قرارًا جماعيًا حول نوع الحكومة التي يريدونها، فقد يعني التصويت بـالموافقة أنّ «أردوغان» سيصبح رئيسًا قويًا على النمط السلطوي حتى عام 2029، وستظل تركيا خاضعة للضوابط والتوازنات، ولكن لا شيء سيكون محددًا ومباشرًا مثل القيود الجيوسياسية التي تجبر تركيا على العودة إلى قمة القوى الكبرى في العالم، وفي ذلك لا تملك تركيا رفاهية التصويت، وستشكل قوتها المتزايدة مستقبل البلاد أكثر من أي استفتاء كان.
وإذا جاءت النتائج بالسالب فسيتعين على «أردوغان» أن يتنحى جانبًا بسبب انتهاء المدة أو عجزه عن الاستمرار في الحكم أو أن يقوم بتغيير الدستور مرةً أخرى، وقد يعني التصويت بـ «لا» أنّ قوة «أردوغان» سوف تنهار، ولكن يمكن أن يعني أيضًا أنّه سيبقى قويًا في سياق النظام الحالي أو أنّ بعض القوى الجديدة سوف تصعد في السياسة التركية .
التعديلات الدستورية المستفتى عليها
ووفقا لوكالة أنباء الأناضول فإن الاستفتاء سيكون على الموافقة بنعم أو لا على التعديلات الدستورية التالية:
1ـ رفع عدد نواب البرلمان من 550 إلى 600 .
2- خفض سن الترشح لخوض الانتخابات العامة من 25 إلى 18 عاما.
3 ـ تجري الانتخابات العامة والرئاسية في نفس اليوم كل 5 سنوات.
4 ـ يستخدم البرلمان صلاحيته في الرقابة والتفتيش والحصول على معلومات عبر “تقصي برلماني” أو “اجتماع عام” أو “تحقيق برلماني” أو “سؤال خطي”.
5ـ عدم قطع رئيس الدولة صلته بحزبه.
6ـ ولاية رئيس الدولة 5 سنوات، ولا يحق للشخص أن يتولى منصب الرئاسة أكثر من مرتين.
7ـ المرشح الذي يحصل على أغلبية مطلقة في الانتخابات يفوز بمنصب الرئاسة.
8ـ رئيس الدولة يتولى صلاحيات تنفيذية، وقيادة الجيش، ويحق له تعيين نوابه والوزراء وإقالتهم.
9ـ يعرض الرئيس القوانين المتعلقة بتغيير الدستور على استفتاء شعبي في حال رآها ضرورية.
10ـ يحق للرئيس اصدار مراسيم في مواضيع تتعلق بالسلطة التنفيذية، لكن لا يحق له إصدار مراسيم في المسائل التي ينظمها القانون بشكل واضح.
11ـ يعتبر المرسوم الرئاسي ملغيًا في حال أصدر البرلمان قانونا يتناول نفس الموضوع.
12ـ يحق للبرلمان طلب فتح تحقيق بحق رئيس الدولة ونوابه والوزراء، ولا يحق للرئيس في هذه الحالة الدعوة إلى انتخابات عامة.
13ـ يحق للرئيس تعيين نائب له أو أكثر.
14 ـ تسقط العضوية البرلمانية عن النواب الذين يتم تعيينهم في منصب نواب الرئيس أو وزراء.
15 ـ يمكن للبرلمان اتخاذ قرار بإجراء انتخابات جديدة بموافقة ثلاث أخماس مجموع عدد النواب.
16 ـ يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ في حال توفر الشروط المحددة في القانون.
17 ـ تلغى المحاكم العسكرية، بما فيها المحكمة القضائية العليا العسكرية والمحكمة الإدارية العليا العسكرية.
18 ـ يحظر إنشاء محاكم عسكرية في البلاد باستثناء المحاكم التأديبية.
19 ـ رئيس الدولة يعرض الميزانية العامة على البرلمان.
20ـ يلغى مجلس الوزراء (يلغى منصب رئيس الوزراء)، ويتولى الرئيس مهام وصلاحيات السلطة التنفيذية، بما يتناسب مع الدستور.
العثمانية الجديدة
كان “رجب طيب أردوغان” قد أشار إلى أنّ الجمهورية ليست مرحلة جديدة في تاريخ تركيا ، وإنما امتداد للمرحلة العثمانية والسلجوقية، مؤكدا أنّ الشباب التركي اليوم أحفاد العثمانيين الذين حوّلوا “جناق قلعة” إلى مقبرة لسبع دول حاولت التربص بتركيا.
وأضاف “أردوغان” “كلّ امتحان هو إمكانية جديدة بالنسبة إلينا، وكلّما اشتدت العتمة يعني أننا نقترب أكثر من الفجر، وإن كان العالم كله على عداوة مع تركيا، إلا أنّ الإيمان معنا، والمستقبل لنا، والجمهورية بالنسبة إلينا ليست مرحلة جديد في تاريخ تركيا، وإنما امتداد للدولة العثمانية والسلجوقية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات