كيف تأسست مملكة النفط (السعودية) وكيف تم توظيفها لشراء الولاءات ووجهاء القبائل ليكون حكم آل سعود مصيريا ولا يمكن الفكاك منه؟
هذه هي الحلقة الثانية من تقرير الانفاق الباهظ لأمراء آل سعود الذي كشفته صحيفة “نيويورك تايمز” من خلال عشرات المقابلات مع الدبلوماسيين والمديرين الماليين والاقتصاديين ووكلاء العقارات والسفر والديكور وأعضاء مجلس النواب السعوديين.
منذ البداية، كان العقد الاجتماعي بين الملوك والشعب أشبه بصفقة تجارية: حصة من ثروة البلاد في مقابل الحكم المطلق.
في عام 1943 وصف مراسل مجلة “لايف” كيف أعطى الملك عبد العزيز عدة قطع من الذهب لراعٍ للجمال مر به أثناء توقف موكبه في الرياض، كان الملك يرعى مطبخا لطهي الحساء للفقراء له فرن وصفه المراسل آنذاك أنه يسع جملا بأكمله.
في عام 1935 ولد سلمان بن عبدالعزيز، أي بعد ثلاث سنوات من إعلان والده للدولة الجديدة, واستقرت شرعية الدولة الجديدة على ركيزتي العائلة المالكة وحلفائها من رجال الدين الوهابيين.
ووفر النفط الذي تم اكتشافه شرقي البلاد عام 1938 مصدرا متناميا للتمويل لكل منهما.
تزوج عبد العزيز العديد من الزيجات (له 17 زوجة معروفة) من أجل تعزيز تحالفه مع القبائل العربية، وقد أنجب ما لا يقل عن 53 ابنا، ويعتقد أن سلمان هو الابن رقم 25 لوالده، وهو أحد المحظوظين ضمن هذه الذرية مترامية الأطراف نظرا لأن والدته كانت الزوجة المفضلة لأبيه، حيث حظي أبناؤها السبعة على وجه الخصوص بسلطة خاصة.
وعلى النقيض من الجلباب وغطاء الرأس التقليدي اللذين يرتديهما الملك سلمان اليوم، فإنه يظهر في صورة مبكرة على هيئة شاب متأنق يرتدي بذة غربية.
ومع كونه حاكما للرياض على مدار أكثر من نصف قرن، فقد حول البلدة الصحراوية إلى حاضرة يقطنها ملايين البشر جنبا إلى جنب مع ناطحات السحاب والطرق السريعة والقصور الفخمة للأمراء.
وأدت الصدمة العالمية من الحظر النفطي الذي فرضته السعودية عام 1973 أثناء حرب أكتوبر إلى ارتفاع أسعار النفط وتدفق العائدات على البلاد.
وعلى الرغم من فرضها التزاما صارما بالإسلام على رعاياها فقد أصبح بعض الأمراء السعوديين ضيوفا دائمين على عواصم المتعة العالمية مثل مونت كارلو.
الحجم الحقيقي لثروة العائلة
يحاط الحجم الحقيقي لثروة العائلة بجدار كبير من السرية, ويتم تقسيم المال بين العديد من الأقارب وينتشر في عدة قارات ما يجعل حسابه صعبا للغاية.
وقد تم تصميم آلية التمويل كي تكون غير شفافة ولا تكشف عن حصة الموازنة التي يتم تحويلها إلى الخزائن الملكية.
ونتيجة للإزعاج المستمر من الصحف العالمية فقد تعلم أفراد العائلة المالكة كيف يخفون ثرواتهم عن العوام, وأقام أفراد الأسرة أسوارا عالية حول قصورهم واشتروا أصولا في الخارج عبر شركات وهمية واستخدموا وسطاء للاستثمارات الكبيرة.
وكشفت وثائق بنما الصادرة في أبريل الماضي أن الملك سلمان شارك في شراء شركات خارجية في لوكسمبورج وجزر فيرجن البريطانية.
كما ربطت السجلات اسمه بملكية يخت وعقارات بملايين الدولارات في لندن أحدها منزل مهيب قرب حديقة هايد بارك في حي مايفير توني.
وبالنسبة لنصيب الفرد من الناتج القومي، فإن السعودية ليست على ذات القدر من الثراء مثل قطر أو الكويت بسبب التفاوت الكبير في أعداد السكان.
وعلى الرغم من شبكة الأمان القوية للتعليم والرعاية الصحية، لا يزال هناك العديد من الفقراء في السعودية، ناهيك عن الطبقة الوسطى التي تكافح بالكاد لتغطية نفقاتها.
ويمكن للأمراء والأميرات الاستفادة من الميزات الخاصة مثل الأجنحة الخاصة في المستشفيات والفنادق الفارهة ومهابط الطائرات الملكية, ولكن حتى بين أفراد العائلة المالكة، هناك اختلافات كبيرة بين ورثة الملوك وأبناء عمومتهم المهمشين.
ويعيش بعض الأمراء الصغار في منازل حديثة كبيرة، ولكنها ليست قصورا، في أحياء كاليفورنيا كما يقومون بركوب سيارات المرسيدس ورينج روفر مقارنة بلامبورجيني أو بوجاتي سوبر كارز التي يركبها أبناء عمومتهم في المناطق الثرية من لندن.
تستمر صفوف العائلة المالكة في التضخم, فلكل ابن من أبناء الملك المؤسس أبناؤه أيضا.
أمراء العائلة بالآلاف
كان للملك سعود وحده 53 ابنا بحيث لا يكفي ملعب كامل لاستيعاب ذريته من الأبناء كما كتب دبلوماسي أمريكي في مذكرة في عام 2009، لذا يقدر عدد أمراء العائلة بالآلاف.
ووفق جوزيف كشيشان الذي درس العائلة المالكة على مدى 3 عقود فإن هناك ما بين 12 إلى 15 ألف أمير وأميرة.
وقد قدرت الأميرة بسمة؛ ابنة الملك سعود أعداد العائلة بقرابة 15 ألف أمير قبل 5 سنوات.
لكن أنس القصير؛ المتحدث باسم وزارة الثقافة والإعلام يؤكد أنه لا يوجد أكثر من خمسة آلاف عضو ضمن أسرة آل سعود.
الانغماس في النعيم
يعتمد أعضاء العائلة المالكة على البدلات، والوظائف الحكومية والمراكز التجارية التي يحصلون عليها بحكم أنسابهم.
ويؤكد زميل بارز في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية في الرياض، أن الطريقة التي توزع بها هذه الفوائد بخلاف الأقدمية والخبرة تبقى غير معروفة, فما نعرفه أن العاهل السعودي لديه ميزانية نثرية يوزعها على مختلف أعضاء الأسرة لمشاريعهم، وأعمالهم وحياتهم.
وربما نتمكنا من أخذ نظرة أقرب للأمور المالية داخل العائلة المالكة عندما مُنح مسؤول في سفارة الولايات المتحدة في الرياض فرصة الوصول لمكتب القرارات والتنظيمات في وزارة المالية عام 1996, حيث لاحظ أن الموظفين «يقومون بتوزيع الأموال على رؤسائهم».
وقد تراوحت الرواتب آنذاك من 270 ألف دولار شهريا لأحد أبناء الملك المؤسس إلى 8 آلاف دولار لأحد أحفاده.
وقد تم إنفاق ما بين مليون إلى 3 ملايين دولار كهدايا زفاف لبعض الأمراء.
وقدر المسؤول آنذاك هذه المدفوعات، التي شملت مدفوعات لعائلات أخرى، بقرابة 2 مليار دولار بما يمثل 5 % من ميزانية البلاد التي كانت تبلغ آنذاك 40 مليار دولار.
ويؤكد أنس القصير أن إجمالي البدلات السنوية لا يتجاوز حاليا 10 مليارات ريال (2.7 مليار دولار) تذهب معظمها إلى زعماء القبائل والمحافظات وليس إلى أفراد العائلة المالكة.
وهؤلاء الذين على دراية بالتسلسل الهرمي الاجتماعي في السعودية يعرفون جيدا أن هؤلاء الآلاف من وجهاء القبائل والمحافظات ينفقون بشكل مباشر وغير مباشر أكثر مخصصاتهم على مئات الآلاف من البشر المسؤولين عنهم.
ونقلت المذكرة أن الملياردير الوليد بن طلال أخبر السفير الأمريكي أن عائدات مليون برميل من النفط يوميا تذهب إلى البرامج الخارجة عن الميزانية, بمعرفة الملك وعدد من أمراء الصف الأول.
وقال مستشار لعدد من أعضاء الأسرة ومسؤول حكومي أمريكي سابق إن البرامج الخارجة عن الميزانية لا تزال قائمة رغم أنه لا يعرف حجمها بشكل دقيق.
لكن القصير يؤكد أن كل عائدات شركة أرامكو يتم توجيهها إلى الموازنة العامة للدولة.
الخط الفاصل بين أصول العائلة والدولة يمكن أن يكون غير واضح, ويصف مسؤولون أمريكيون في مذكراتهم تحويلات لمساحات كبيرة من الأراضي إلى أبناء الملك وأحفاده وأن الأمور يتم التعامل معها كلقمة سائغة.
ويمكن ببساطة لأمير أن يقوم بمد السور المحدد لأملاكه ليضم 30 ميلا مربعا آخر دون غضاضة.
وقد كسب الأمير بندر بن سلطان، السفير السعودي لفترة طويلة في الولايات المتحدة، والأمير عبد العزيز بن فهد، ابن الملك الأسبق مئات الملايين من الدولارات من بيع الأراضي لمدينة مخططة حكوميا شمال جدة كانت لا تزال قيد الإنشاء وفقا لدبلوماسي أمريكي في مذكرة عام 2007.
وقد برر الأمير بندر الفساد المالي في مقابلة شهيرة له عام 2001 بالقول: «إذا كان بناء البلاد قد تكلف 350 مليار دولار من إجمالي 400 مليار دولار وأن هناك فسادًا بقيمة 50 مليار دولار فسأقول لك نعم إن هذا وارد»، ويضيف: «ولكن ذلك يحدث في كل الأحوال».
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات