تواجه مساجد الهند، حتى الأثري منها، شبح الهدم، حيث رفع الهندوس المتطرفون دعاوى أمام المحاكم زاعمين أنها كانت معابد، فهل تتكرر مأساة مسجد “بابري” في ظل تمهيد حكومة ناريندرا مودي الطريق أمام تلك الدعاوى؟
رصدت صحيفة الجارديان البريطانية تفاصيل الأجواء المرعبة التي تعيشها الأقلية المسلمة في الهند، في تقرير عنوانه “القوميون الهندوس يسعون للاستيلاء على آلاف المساجد في محاولة لإعادة كتابة تاريخ الهند”.
كان حزب “بهاراتيا جاناتا” الهندوسي، بزعامة ناريندرا مودي، قد تولى السلطةَ عام 2014، ومنذ ذلك الوقت تتعرض الأقلية المسلمة للاضطهاد والعنف والتمييز القائم برعاية الدولة.
فالحزب الحاكم يعتنق الهندوتفا (القومية الهندوسية المتطرفة)، ويسعى لتحويل الهند إلى دولة هندوسية صرفة، وليس دولة علمانية، ومن ثم فهو ينتهج حملات التضييق على المدنيين والنشطاء والصحفيين المسلمين، ومقاطعة الشركات الإسلامية، ويستعمل زعماء الحزب خطاباً معادياً للإسلام والمسلمين. وتشير البيانات إلى زيادة أعداد المسلمين الذين يُعدمون دون محاكمات.
مزاعم الهندوس لهدم المساجد
وقف المحاميان في بي سينغ، وشريكه بي بي سينغ، يتجادلان، وإن جمعهما موقف واحد، في أمر “مسجد شمسي الجامع” المقام في مدينة بودان الصغيرة بولاية أوتار براديش الهندية منذ 800 عام.
يزعم المحاميان إن هذا المسجد الكبير الموسوم بقبَّته البيضاء والمعروف بكونه أحد أكبر المساجد في الهند وأقدمها، ليس مسجداً في الأصل، بل “هو معبد هندوسي”، ويؤكد بي بي سينغ: “إنه مكان عتيق القداسة لدى الهندوس”.
تشير سجلات يعود تاريخها إلى عام 1856 وشهادات سكان المنطقة من المسلمين إلى أن المسجد كان مصلى آمناً لهم منذ أن بناه سلطان دلهي المسلم، شمس الدين التتمش، في عام 1223، إلا أن المحاميين يدعيان نسخة مختلفة من تاريخ الأحداث.
رفع المحاميان في يوليو دعوى قضائية بالنيابة عن مزارع هندوسي محلي -وبمساندة من حزب “أخيل بهارات هندو ماهاسابها” الهندوسي اليميني المتطرف- زعموا فيها أن مسجد شامسي الجامع ليس مسجداً وإنما “هيكل غير قانوني” بُني على آثار ما تبقى من معبد هندوسي مدمر كان قد شُيد في القرن العاشر تقرباً للإله الهندوسي شيفا. وتدعي العريضة أن الهندوس لهم الملكية الشرعية للأرض؛ ومن ثم لهم الحق في الصلاة هناك.
تأتي ذلك المزاعم على الرغم من أن المحاميين نفسهما لا يجتمعان على رواية تاريخية واحدة بشأن المسجد، فقد ادعى بي بي سينغ في البداية أن المعبد الهندوسي الأصلي قد دمره سلطان مستبد مسلم، أما في بي سينغ فيُخالفه في ذلك ويقول: “لم يدمره، وإنما غيَّره إلى مسجد. فمعظم ملامح المعبد الهندوسي الأصلى لا تزال حاضرة”.
يستدل المحاميان على مزاعمهما بأن قبة المسجد من الداخل مرسوم عليها زهرة لوتس، إلا أن مراسل صحيفة The Observer دخل المسجد، ولم يجد على قبته هذا الرسم الهندوسي المزعوم، بل كتابة لآية قرآنية، ولم يعثر كذلك على أي علامة على وجود “غرفة مغلقة مخفية مليئة بالتماثيل الهندوسية” في المسجد، والتي ادعى في بي سينغ أنه رآها بعينيه حينما كان طفلاً في سبعينيات القرن الماضي، ولم تكن الغرفة المزعومة سوى مخزن أودعت فيه أدوات التنظيف وسجاجيد للصلاة.
ولم يستقر المحاميان على رأي أيضاً في شأن التاريخ الذي بدأ عنده المسلمون في استخدام البناء الذي يرفضون وصفه بالمسجد محلاً لصلاتهم واجتماعهم خمس مرات في اليوم الواحد كما هو الحال اليوم. فقال بي بي سينغ إن المسلمين كانوا يصلون هناك حتى القرن التاسع عشر الميلادي، أما في بي سينغ فقاطعه مغمغماً: “لا لا، لا تقل ذلك، لا تقل ذلك”.
ثم قال في بي سينغ: “في الواقع، إنه لم يكن مسجداً، ولم يُستخدم لصلاة المسلمين إلا منذ وقت قريب، فقد احتله المسلمون بالقوة وأرادوا تحويله إلى مسجد، زاعمين أن لديهم (دليلاً) على كونه كذلك، لكنهم عجزوا عن العثور عليه”. وقال بي بي سينغ للصحيفة البريطانية: “حين حكم المسلمون البلاد، تعرضنا نحن الهندوس للاضطهاد، وقُتلنا وعُذبنا. والآن نستعيد ما هو حق لنا”، حسب زعمه.
هدم المسجد البابري
قام المتعصبون الهندوس بهدم المسجد البابري يوم 6 ديسمبر 1992، ما أدى لتأجيج التوتر بين الهندوس والأقلية الهندية المسلمة، وأعمال شغب واسعة النطاق، خلفت أكثر من ألفي قتيل، وكان هدم المسجد بمثابة “يوم أسود” للمسلمين.
واعتبرت هذه المواجهات الطائفية الأعنف في الهند منذ استقلالها عام 1947.
وبعد عملية الهدم، بدأ الصراع بين المسلمين والهندوس على أرض المسجد التي تمتد على مساحة 25 هكتارا، وأصدرت محكمة هندية عام 2010 قرارا يقضي بتقسيم موقع المسجد البابري إلى ثلاثة أقسام، ثلث الموقع للمسلمين، والثلثان للجماعات الهندوسية المختلفة، وهو الحكم الذي طعنت فيه جماعات إسلامية.
وظل المسلمون منذ ذلك الحين يطالبون بإعادة بناء المسجد، بينما واصل الهندوس المطالبة ببناء معبد في الموقع، وذلك في إطار حملة تشنها جماعات هندوسية ذات صلة بحزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
وعلى إثر ذلك، تأسست لجنة للتحقيق في الموضوع حملت اسم ليبرهان، وعقدت أكثر من أربعة آلاف جلسة للنظر في القضية.
ويؤكد حزب بهاراتيا جاناتا التزامه ببناء معبد مكان المسجد، وكان رئيس الوزراء السابق أتال بيهاري فاجبايي عبر في ديسمبر 2000 عن تأييده لمطالب المتطرفين الهندوس ببناء معبد لهم فوق أنقاض المسجد الذي هدموه، ما أثار موجة تنديد بتصريحه.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات