بات واضحا بعد إجهاض الربيع العربي، وإخماد ثوراته، أن الحركات الإسلامية السياسية، أو ما يسمى بـ”حركات الإسلام السياسي” باتت هي الأخرى مستهدفة بشكل مباشر، وأضحت في مرمى نيران قوى الثورات المضادة، التي تسعى جاهدة لتحجيمها وإخراجها من دوائر الفعل الشعبي المؤثر.
لا يخفى على المراقب أن الأنظمة الداعمة لقوى الثورة المضادة، تدرك خطورة المنظومة الفكرية والدينية التي تروج لها حركات «الإسلام السياسي»، خاصة في بُعد الشرعية السياسية، وإثارة وعي الأمة على حقوقها في اختيار من يحكمها، ومراقبته ومحاسبته، ما يثير لها قلاقل داخلية، وربما يشكل خطرا على استقرارها ووجودها.
من المتوقع أن تنظر تلك الأنظمة لمثل تلك المنظومات الفكرية والدينية بعين الريبة والتوجس، لأنها تفضي في تفاعلاتها الاجتماعية والفكرية إلى انتشار أفكار تتحدث بصوت مرتفع عن بناء الشرعية السياسية ابتداءً، وكيفية إدارتها لشؤون الحكم تاليا، وهو ما تنفر منه تلك الأنظمة جدا، ولا تطيق الحديث عنه أبدا.
لكن وقائع التجربة التاريخية القريبة تقول بإمكانية احتواء تلك الحركات، والالتقاء معها على أهداف مشتركة، خاصة وأنها لا تتبنى منهجية التغيير الجذري، ولا تسعى لإحداث ما تصبو إليه عن طريق الانقلابات، وتعلن دائما عن قبولها بالعمل تحت مظلة الأنظمة القائمة بدساتيرها وقوانينها النافذة في البلاد.
وكان بإمكان تلك الأنظمة بمنظور سياسي براجماتي محض، وهي تخوض معركة مفتوحة مع إيران في أكثر من دولة عربية، أن تستعين بتلك الحركات بما تملكه من رصيد جماهيري واسع، تماما كما يجري في اليمن، بدعم المقاومة السنية بمختلف تشكيلاتها ومنها بعض جماعات الإسلام السياسي، في مواجهة الخطر الإيراني الذي يتمدد في اليمن عبر الحوثيين.
أليس من المشروع التساؤل: لماذا تسعى إيران بكل إمكاناتها وقدراتها إلى توظيف كل القوى والأحزاب الشيعية، والقريبة منها في حربها المفتوحة، في الوقت الذي تستهدف فيه بعض الدول السنية بعض حركات الإسلام السياسي (السنية)؟ ألم يكن الأجدر والأولى التعاون الجدي معها والاستفادة من طاقتها وجهودها لمواجهة الخطر الإيراني المحدق بها؟.
ثم أليس من الحكمة السياسية تجنيب البلاد مخاطر الفتن الداخلية، والتي من أشدها استهداف قوى وجماعات تعتبر من أهم مكونات تلك المجتمعات، وتنخرط في صفوفها نخبٌ مجتمعية من ذوي المؤهلات الرفيعة، وأصحاب الخبرات الأكاديمية والعملية المرموقة؟
ألا تستشعر دولة إقليمية كبرى بحجم مصر خسارتها الحقيقية جراء وضع عشرات الألوف من خيرة أبنائها؛ علمًا وخلقًا وخبرة في السجون، وما يترتب على ذلك من تهديد للسلم المجتمعي؟.
ومن بعد ذلك كله، لماذا حينما تكون الديمقراطية خيارا أمريكيا في المنطقة، تجد الأنظمة تتجاوب ولو شكليا مع ذلك الخيار؟ لماذا لا يكون ذلك الخيار بمبادرة ذاتية من تلك الأنظمة لأنها به تحمي نفسها، وتقوي استقرارها السياسي، وتحتوي حركات المعارضة ما دامت تقبل بالعمل تحت مظلة النظام القائم؟.
ومن المؤكد أن استهداف الحركات الإسلامية السياسية السلمية، وإظهارها بمظهر العاجز بعد ملاحقتها وتضييق الخناق عليها، يصب في مصلحة الحركات العنفية، التي لا ترى سبيلا لتغيير الواقع إلا بالعمل المادي العنفي، فهي التي ستنجح في استقطاب جماهير الغاضبين والساخطين الذين لم تعد تقنعهم دعوات السلمية، لأنهم يرون عجزها باديًا أمام أعينهم.
ثمة نماذج سياسية أدارت فيها بعض الأنظمة أزماتها الداخلية بحنكة وحكمة، عبر إعطاء هوامش من الحريات السياسية، وإفساح المجال للأحزاب السياسية الإسلامية لتولي شؤون الحكم والسلطة، بعيدا عن وصفات القمع والإقصاء والاستئصال، وهي قابلة للتطوير والبناء عليها لحياة سياسية واجتماعية واقتصادية أفضل للجميع.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات