بسام ناصر يكتب: اعتبار موازين القوى .. والتوكل

تتداخل في تصورات جماعات من أهل الصلاح والإيمان الحسابات المادية مع الحسابات المعنوية، وقد يختل الميزان لصالح إحداهما، وفي الأغلب يكون الاختلال لصالح الحسابات المعنوية، فتراهم يعولون على أسباب غير مرئية، اعتقادا منهم أنها حاضرة بجانبهم، وما عليهم إلا الالتجاء إلى الله، والإلحاح عليه بالدعاء لاستنزال النصر الإلهي والتأييد الرباني.

التعويل على القوى الغيبية في إدارة الصراع، ومن ثم انتظار النتائج الإيجابية المبشرة، ينطوي على قدر كبير من التخيل والتوهم بناء على تقدير الأمور وفق حسابات معينة، إذ إن عملية استنزال النصر بناء على حسن العلاقة بالله، والتوكل عليه، قد لا تستوفي شروطها المطلوبة، ولا ترتقي إلى مواصفاتها الدقيقة، فتختل المعادلة حينذاك، فتأتي النتائج بخلاف ما كانوا يتوقعونه وينتظرونه.

الوعود الإلهية صادقة ولا تتخلف أبدا، لكنها لا تعمل هكذا في الفراغ، فهي مبنية على مقدماتها الصحيحة، فكلما تحققت المقدمات وتم إنجازها على الوجه المطلوب، بات من الطبيعي لأهلها توقع نتائجها المبنية عليها، لكن الخلل يقع في عدم إنجاز تلك المقدمات على وجهها المطلوب، ما يعني تخلف نتائجها، مع توهم العاملين أنهم حققوا تلك المقدمات.

كثيرا ما تختل المعادلة في مقدماتها ونتائجها بين معاني التوكل وما ينبي عليه من توقعات، وبين اعتبار موازين القوى في إدارة الصراعات وتوقع نتائجها، فبمقتضى التوكل بحسب كثير من التصورات الإيمانية السائدة يعول المؤمنون على قوى الغيب التي ستقف إلى جانبهم حينما يحتدم الصراع، وبمقتضى موازين القوى فإن المعادلة غالبا ما ترجح لصالح القوة وأهلها من غير تفريق بين أهل الكفر والإيمان.

غالبا ما تكون النتائج صادمة لأهل الإيمان حينما يسقطون من حساباتهم موازين القوى وما يترتب عليها من نتائج وتداعيات، ثقةً منهم أنهم قد أعدوا ما وسعهم الإعداد، وباتوا ينتظرون نصرة الله وتأييده، لكن بعد أن تدور رحى المعارك، وتشتعل نيران المواجهة، والتي تسفر عن علو أهل الكفر والفجور، واندحار أهل الصلاح والإيمان، تثور حينذاك التساؤلات القلقة: لماذا تعلو كلمة أهل الكفر على أهل الإيمان ولماذا يتخلف النصر عنهم، ولا يتنزل المدد الإلهي عليهم؟.

مع وضوح أسباب ذلك، وظهور عوامل تشكله، والمتمثلة في كثير منها، بالتعويل على أسباب غيبية لا يعلم المعولون على وجه الدقة متى تتحقق وتتنزل، لأنها بيد الله سبحانه يجريها وفق حكمته وتقديره، فإن الأخطاء غالبا ما تتكرر، من غير أن يستفيد اللاحق من أخطاء السابق، ويعتبر مما وقع له، فترى من يتنطع لمواجهة قوى العالم بأسره، بمجموعات من المقاتلين بما يمتلكونه من أسحلة متواضعة جدا في مواجهة الآلة العسكرية الضخمة والمتطورة.

المندفعون في مواجهة قوى العالم، والمتحمسون لخوض الصراعات القتالية هنا وهناك، لن يعدموا أدلة دينية يستندون إليها في تسفيههم لدعاة اعتبار موازين القوى في الصراع بين أهل الحق والباطل، فيرمونهم بمقالة من حكى القرآن عنهم قولهم (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده)، فهم المتخاذلون والمتساقطون على طريق المجاهدة والجهاد، مع أنهم لا ينقصون عنهم حماسة وحرقة وغيرة وحرصًا، إلا أنهم يرون الأمور بنتائجها في ظل اختلال موازين القوى وما يفضي إليه من مآلات محزنة ومفجعة.

التوكل له معانيه ومقاماته، ولا يمكن استجلابه لتبرير ضعف التدبير وما ينتج عنه، أو استدعاؤه لتسويغ ما لا يمكن تسويغه من فوضوية التخطيط وعقم الإدارة، فكيف يكون متوكلا على الله من لا يعد للأمر عدته اللازمة والمطلوبة، والله أمر عباده بإعداد كل ما يقدرون عليه في التدبير والتخطيط والتفكير والعمل.

حينما تأتي النتائج بخلاف ما يرسمه المنظرون الشرعيون في أحاديثهم المبشرة، فإن من آثار ذلك وتداعياته فقدان الثقة فيما يقولونه، وعدم الالتفات كثيرا إلى بشاراتهم الحالمة، فالواقع يفضح ذلك ويكشفه، ما يعني أن ثمة خللا فادحا في تلك التصوارت التي يشيعونها بين الناس، وإن تلبست بثوب ديني ينزع إلى التماهي مع عالم الغيب، ويهيم بتلك الوعود والبشارات من غير تلبس أهلها بالمقدمات المشروطة لوقوعها وتحققها. 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …