نشر “مركز الحرب الفكرية” التابع لوزارة الدفاع السعودية، على حسابه الرسمي في «تويتر» تسع عشرة تغريدة خصصها للحديث عن «عقوبة المرتد، التي هي من جملة المسائل كثيرة الدوران بالتأويلات الباطلة في عدد من أطروحات الإرهابيين» بحسب إحدى تغريدات المركز.
يعرف المركز نفسه على أنه «مركز عالمي يتبع وزراة الدفاع بالمملكة العربية السعودية، يختص بمواجهة جذور التطرف والإرهاب، وترسيخ مفاهيم الدين الحق»، ولأن عقوبة المرتد من المسائل المركزية التي استندت إليها الجماعات المتشددة في تطبيقاتها الدينية، تصدى المركز لبحثها في نسق مغاير لما اعتاد عليه الخطاب الديني «السلفي» السعودي.
من المعروف أن النسق الديني السعودي بنسخته الوهابية من أكثر الأنساق الدينية تمسكا بالأدلة الشرعية وفق تقريراتها المذهبية، ومع اتباعه للمذهب الحنبلي بصفة عامة إلا إنه يتجه في جملة من تقريراته إلى اتباع مسلك «فقه الدليل»، ومن المقرر في المنظومة الفقهية المذهبية، وكذلك الحال في منهجية «فقه الدليل» أن عقوبة المرتد من الأحكام الشرعية الثابتة بأدلة قطعية الثبوت والدلالة، ما يعني غلق باب النقاش بشأنها.
مركز مكافحة الإرهاب التابع لوزراة الدفاع في تغريداته نحى منحى مغايرا لذلك كله، حيث جعل مسألة «عقوبة المرتد» من المسائل التي كثر الجدل الفقهي حولها قديما وحديثا، وبالتالي فإنها تقبل تنوع الاجتهاد الفقهي بشأنها، وهذا ما أراده المركز تحديدا بتغريداته؛ نزع صفة القطعية عن المسألة من حيث النظر الفقهي، لأن أدلتها بحسب تغريدات المركز تحتمل قراءة مختلفة عن القراءة الفقهية السائدة والمقررة.
في تأويله لأقوى دليل يتمسك به مثبتو عقوبة المرتد، ألا وهو حديث «من بدل دينه فاقتلوه» فسر المركز الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث.. ذكر منها التارك لدينه المفارق للجماعة»، فالمقصود هو خيانة الجماعة؛ بدليل أن تارك دينه (بالخروج عنه حقيقة) لا يُقر بالشهادتين، فكيف يُقتل وهو يشهدهما»؟.
وتابع المركز تفسيره للحديث في تغريدة أخرى قائلا: «ورأى بعض آخر أن معنى «من بدل دينه» أي حرَّفه، وهي جريمة كبرى في حق التشريع الإلهي.. وأن هناك نصوصا شرعية لم يؤخذ بظاهرها المتبادر لأول وهله؛ لاعتبارات ومقاصد شرعية أخرى، بيّنها أهل العلم».
وذهب المركز في بيانه للجدلية الفقهية حول مسألة عقوبة المرتد إلى القول بأن «قتل المرتد يتعارض مع النصوص الشرعية التي قررت الحرية الدينية، وعدم الإكراه عليها، وبلغت أكثر من مائتي نص وواقعة، لكن لا يعني هذا عدم مراعاة ما سبقت الإشارة إليه فيما يتعلق بالخيانة العظمى..».
مسألة إسقاط عقوبة المرتد لمجرد الردة الدينية، كانت من أبرز المسائل التي هوجم الدكتور حسن الترابي بسببها، خاصة من علماء ومشايخ السعودية، واتهم بسببها بتهم كثيرة وكبيرة، فالرجل كان جريئا في بحثه ومواقفه، وقد أعلن رأيه ذاك مصحوبا بقراءة مغايرة للمسألة بكافة أدلتها المطروحة، ومن غرائب الأمور أن يعيد «مركز الحرب الفكرية» التابع لجهة رسمية سعودية إنتاج ما قاله الدكتور الترابي من قبل, وهو المتهم عندهم في دينه وعقيدته.
من الواضح أن المركز بطرحه لمسألة عقوبة المرتد برؤية (فقهية) مغايرة للمقرر في المنظومة الدينية السائدة في السعودية يراد به تهيئة العقول والمناخات لتقبل الرأي الآخر (الذي كان يوصف بالفاسد والساقط والشاذ)، ليصار بعدها إلى إسقاط العقوبة نظريا وعمليا، كأحد مطالب ومظاهر التحرر من النسق الديني المتشدد، والمنتج في الوقت نفسه للغلو والتطرف والعنف، وهو ما سيفضي في مآلاته إلى الانفكاك (الانتقائي) من المنظومة الوهابية باتجاه نسق ديني (معتدل انفتاحي) جديد.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات