كشف قضاة عن رسوب عشرات المعينين في وظيفتي معاون نيابة عامة، دفعة 2021، ومندوب مساعد بمجلس الدولة، دفعة 2020، في اجتياز اختبارات الكلية الحربية المؤهِلة لحضور دورة تدريبية بها تسبق تسلمهم العمل لأسباب تتعلق بزيادة وزنهم وعدم لياقتهم صحيًا وبدنيًا.
وقال قضاة بمحكمة النقض ومجلس الدولة لموقع «مدى مصر» إن الكلية الحربية منحت الراسبين من المعينين الجدد بالجهتين فرصة ثانية لإعادة الاختبار، قبل رفع توصية إلى رئيس الجمهورية لإلغاء قرار تعيينهم التي صدرت بالفعل!!
على أن تكون اختبارات الكلية الحربية سابقة على إصدار الرئيس قراراته الخاصة بالتعيين في الجهات والهيئات القضائية بداية من الدفعات المقبلة.
قضاة ومحامون تحدثوا إلى «مدى مصر» وصفوا الأمر بـ «كارثة قضائية وتشويه غير قابل للإصلاح» في المكون القضائي المصري يُنهي الحديث عن استقلال القضاة، في الوقت الذي اعتبره النائب الأول لرئيس محكمة النقض السابق، المستشار أحمد عبد الرحمن، ضرورة لتحقيق المصلحة العامة في تعيين الأصحاء بدنيًا ونفسيًا في وظيفة القاضي.
كانت الأكاديمية العسكرية التابعة للكلية الحربية قد احتفلت، في 13 يونيو الماضي، بتخرج الدورة الأولى للدفعات الجديدة من المعينين بالهيئات القضائية بعد إتمام دورتهم التدريبية بالأكاديمية.
ويعد هذا أول إعلان رسمي لانضمام القضاة إلى باقي الوظائف المدنية التي يخضع المرشحين لها لدورات في الكلية الحربية تختبر أهليتهم للتعيين على غرار ما تم مع المعلمين والمعلمات، وأئمة الأوقاف والدبلوماسيين وغيرهم ممن عينوا في الحكومة، منذ أبريل 2023.
خضوع القضاة الجدد لاختبارات الكلية الحربية كان محل اعتراض من عدد كبير من القضاة، منذ منتصف العام الماضي، ولكن حسم الأمر، بداية العام الجاري، لصالح الكلية الحربية
كان أمين عام مجلس الوزراء قد أرسل كتابًا دوريًا إلى الوزراء، نهاية أبريل 2023، يتضمن توجيهًا رئاسيًا بإصدار تعليمات لمؤسسات الدولة تُلزم الراغبين/ات في التعيين بالحكومة بالحصول على دورة تأهيل داخل الكلية الحربية لمدة ستة أشهر كشرط أساسي للتعيين، واعتبار شهادة الحصول على التدريب ضمن مسوغات التعيين.
واعترض نادي قضاة مصر وقتها على القرار، وذلك في خطاب أرسله رئيس النادي، المستشار محمد عبد المحسن، إلى مجلس القضاء الأعلى، في مايو 2023، قال فيه إنه «أمر غير متصور بالنسبة للمرشحين للعمل بالقضاء، لاستقلال مجلس القضاء الأعلى الموقر دون غيره وفقًا للقانون بوضع الضوابط اللازمة لشغل تلك الوظيفة باعتباره الأجدر على اختيار من يتحمل تلك الأمانة بما يتعين معه ألّا يشاركه أو ينازعه أحد في هذا الاختصاص الماس باستقلال القضاء».
وأشار رئيس نادي قضاة مصر إلى أن معاونين النيابة الجدد ينتظمون قبل بدء عملهم بمركز تدريب النيابة العامة، مُطالبًا مجلس القضاء الأعلى باتخاذ ما يراه مناسبًا في هذا الأمر.
في النهاية، توافقت الجهات والهيئات القضائية، أوائل 2024 على عرض من تختارهم للتعيين بها على الكلية الحربية لاختبار مدى لياقتهم صحيًا ورياضيًا ونفسيًا للتعيين كخطوة سابقة لعرض قوائم المعينين بالجهات والهيئات القضائية المختلفة على رئيس الجمهورية للتصديق عليها، وذلك بعدما أصرت وزارة العدل والجهات الأمنية والسيادية المسؤولة عن تعيينات القضاة على تلك الخطوة بوصفها توجيهًا رئاسيًا لابد أن يسري على الجميع.
نائب رئيس محكمة النقض أضاف أنه بالرغم من أن هذا التوافق كان يفترض خضوع المرشحين للتعيين في الجهات والهيئات القضائية ممن لم يصدر في حقهم قرارًا جمهوريًا بالتعيين لاختبارات «الحربية»، إلا أن اتفاقًا جرى بين الجهات والهيئات القضائية وبين وزارة العدل و«الحربية» على استثناء آخر دفعة تعيين ليتم اختبارهم بعد صدور قرارات تعيينهم بالفعل، ومنح من اجتازوها دورة تؤهلهم لتسلم عملهم القضائي.
بموجب هذا الاتفاق، وبحسب المصدر، عُرض معاونو النيابة العامة الذين أصدر الرئيس السيسي قرارًا بتعيينهم، في أكتوبر الماضي، من دفعة 2021، والبالغ عددهم أكثر من 500 معاون نيابة عامة على الكلية الحربية، إلى جانب آخر دفعات تعيين في كل من مجلس الدولة وهيئتي النيابة الإدارية وقضايا الدولة وتم توقيع الكشف الطبي والرياضي والنفسي عليهم أسوة بطلاب الكليات الحربية تمهيدًا لحضورهم الدورة.
النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض المستشار أحمد عبد الرحمن، أكد لـ«مدى مصر» أن نحو 50 معاون نيابة عامة رسبوا في اختبارات القبول التي أجرتها الكلية الحربية للمعينين في النيابة العامة، من دفعة 2021، لعدة أسباب أبرزها زيادة الوزن، وتم تحويلهم إلى مركز الدراسات القضائية التابع لوزارة العدل لإعداد برنامج تأهيلي لهم تحت إشراف مدربين من الكلية الحربية، ومنحهم فرصة ثانية للاختبار خلال الأيام المقبلة، وهذا ما تم تطبيقه مع باقي المعينين الجدد في الجهات القضائية الأخرى.
وأشار عبد الرحمن إلى أنه في حال عدم اجتياز الراسبين للاختبارات للمرة الثانية، سترفع توصية للرئيس لإلغاء قرارات تعيينهم سواء بالنيابة العامة أو غيرها من الجهات القضائية، موضحًا أن المعينين الجدد بالجهات والهيئات القضائية ليس لديهم حصانة من الفصل، كونهم تحت الاختبار، ولهذا يحق للمجالس العليا للجهات والهيئات إعفائهم من مناصبهم إذا ثبت عدم لياقتهم للوظيفة دون أن يكون لهم حق التعويض.
رئيس مؤسسة دعم العدالة، ناصر أمين، اعتبر القرار تدمير لمفهوم السلطة القضائية ودورها في البلاد، مشددًا لـ«مدى مصر» على أن تطبيق معايير اختيار وتعيين المقاتلين من ضباط القوات المسلحة على القضاة هو «تشويه غير قابل للإصلاح» في المنظومة القضائية، والتي لا يجب أن تخضع لأي معايير سوى الكفاءة القانونية، مشددًا على أن إعادة اختبار المعينين في الجهات والهيئات القضائية أمام الكلية الحربية هو قرار «باطل بطلانًا مطلقًا وكذلك جميع الآثار المترتبة عليه»، طبقًا له.
وأوضح أمين أنه من غير المتصور دستورًا أو قانونًا أن يتم استبعاد قاضي من عمله بسبب عدم قدرته على أداء «قفزة الثقة» أو زيادة وزنه أو غيرها من القدرات البدنية التي تميز المقاتلين أو الرياضيين عن غيرهم، مع تجاهل معيار الكفاءة القانونية اللازم لعمله،
وشدد رئيس مؤسسة دعم العدالة على أن تدريب المعينين الجدد من القضاة في الأكاديمية العسكرية لمدة ستة أشهر هو أمر تحيطه الشبهات ويتضمن الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات من ناحية، والمساس باستقلال السلطة القضائية من ناحية أخرى
لافتًا إلى أن مبادئ الأمم المتحدة بشأن استقلال القضاء ذهبت إلى حد عدم جواز تدخل حتى وزارة العدل في شؤون القضاء والقضاة، بدءًا من تعيينهم وتأهيلهم وتدريبهم وأعمالهم ونقلهم وانتدابهم، وأكدت على ضرورة أن ينظم القضاة أنفسهم فيما يخصهم، إما عن طريق جمعياتهم العمومية الخاصة بكل محكمة أو عن طريق المجلس الأعلى للهيئات القضائية.
وكانت رئاسة الجمهورية استحدثت آلية جديدة للتعيين في الهيئات القضائية، بداية من يوليو 2017، تقوم على إعادة اختبار من اجتازوا مرحلة التحريات الأمنية من الناجحين في الاختبارات التي تجريها الهيئات، من قبل جهاز المخابرات العامة، لقياس «درجة الولاء للبلاد»، والميول السياسية والدينية والجنسية للمتقدمين، إلى جانب اختبار لقياس درجة الذكاء، والثبات الانفعالي، يتبعها اختيار هيئة الرقابة الإدارية للمقبولين، وإعداد تقرير بأسباب اختيارهم لرئاسة الجمهوري.
على أن يكون على المقبولين أن يجتازوا اختبارات الالتحاق بالأكاديمية الوطنية لتدريب الشباب، والدراسة بها لمدة عام، يصدر بعدها قرار رئيس الجمهورية باعتماد المعينين الجدد في الجهات والهيئات القضائية (النيابة العامة، النيابة الإدارية، مجلس الدولة، قضايا الدولة)، وهو ما اعترضت عليه الجهات القضائية وقتها قبل أن تمتثل جميعها للإجراءات الجديدة بعدها بعدة أشهر.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات