تقرر تعليق عمل البرلمان البريطاني بعد أيام فقط من عودة نوابه للالتئام في سبتمبر، وقبل أسابيع فقط من موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
كان ثلاثة من الأعضاء المحافظين في مجلس الملكة الاستشاري قد رفعوا طلب تعليق البرلمان إلى الملكة إليزابيث في مقرها الصيفي في بالمورال في أسكتلندا صباح الأربعاء نيابة عن رئيس الحكومة.
وصدرت إرادة ملكية بالموافقة على طلب الحكومة على أن لا يبدأ تعليق البرلمان بين التاسع من سبتمبر والـ12 منه، على أن يستمر حتى الـ14 من أكتوبر.
وغرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مبتهجا “سيصبح من العسير جدا على الزعيم العمالي كوربين أن يحصل على تأييد لتصويت بسحب الثقة من جونسون، خصوصا وأن بوريس جونسون هو الشخص الذي كانت بريطانيا تنتظره وتبحث عنه”.
ولكن رئيس مجلس العموم جون بيركو قال إن قرار حكومة جونسون “عبارة عن انتهاك للقيم الدستورية”.
تعليق عمل البرلمان
يحاول رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون من فرصة البرلمان في عرقلة خروج البلاد من الاتحاد الأوروبي، إذ قلص الوقت الذي سينعقد فيه خلال الفترة التي تسبق الموعد النهائي للخروج في 31 أكتوبر.
وفي أجرأ خطوة يتخذها حتى الآن لتنفيذ انسحاب البلاد من التكتل باتفاق أو بدونه، حدد جونسون تاريخ 14 أكتوبر لخطاب الملكة وهو الافتتاح الرسمي لدورة الانعقاد البرلمانية الجديدة التي يسبقها تعليق عمل مجلس النواب.
ووافقت الملكة (93 عاما) على التاريخ مما يعني عمليا أن تعليق عمل البرلمان سيمتد من نصف سبتمبر أيلول تقريبا ولمدة نحو شهر.
وأثار ذلك حنق زعماء المعارضة مما دفعهم لكتابة رسالة للملكة للتعبير عن قلقهم وطلب عقد اجتماع، مما يخاطر بجرها للأزمة الدستورية في البلاد.
ورد جونسون على سؤال من الصحفيين عن محاولته منع السياسيين من تأجيل انسحاب البلاد من التكتل بالقول ”سيكون هناك متسع من الوقت في البرلمان للنواب لمناقشة الاتحاد الأوروبي، ومناقشة الخروج من التكتل وكل القضايا الأخرى، متسع من الوقت“.
وعلى الرغم من أن تعليق عمل البرلمان قبل خطاب الملكة هو تقليد تاريخي في بريطانيا إلا أن الحد من رقابة البرلمان على الحكومة قبل أسابيع من أخطر قرار سياسي في البلاد في عقود أثار انتقادات على الفور.
كما زاد ذلك من احتمالات مواجهة جونسون تصويتا على الثقة في البرلمان مما قد يؤدي بدوره لإجراء انتخابات.
المعارضة غاضبة
نشبت مواجهة قانونية بين نواب البرلمان البريطاني ورئيس الوزراء الجديد، بوريس جونسون، بشأن قرار الأخير بتعليق عمل البرلمان حتى منتصف أكتوبر.
وقالت وكالة “أ ف ب” ، إن أعضاء البرلمان البريطاني قرروا تحريك دعوى قضائية ضد بوريس جونسون والتعبير عن رفضهم لقرار تعليق البرلمان لمدة 5 أسابيع.
وصرح نواب البرلمان البالغ عددهم أكثر من 70 نائبًا، بأنهم يدرسون اتخاذ إجراءات قانونية طارئة لوقف مطالب بوريس جونسون بشأن تعليق عمل البرلمان البريطاني لحين خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وقال زعيم حزب العمال المعارض جيريمي كوربين عن محاولة تعليق عمل البرلمان : ”ينبغي أن يحاسبه البرلمان، ليس بوقف عمل البرلمان بل بحضوره للجلسات وإجابته عن الأسئلة. عندما يجتمع البرلمان في موعده لمدة وجيزة الأسبوع المقبل سيكون أول ما نفعله محاولة إصدار تشريع لمنع ما يقوم به، وثانيا سنتحداه باقتراع على الثقة في مرحلة ما“.
وقال جون مكدونيل، الرجل الثاني في حزب العمال ”هذا انقلاب بريطاني للغاية… مهما كانت آراء أي شخص بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بمجرد أن تسمح لرئيس للوزراء بمنع مؤسساتنا الديمقراطية من أداء عملها بحرية وبشكل كامل فإنك تسلك طريقا في غاية الخطورة“.
وتسببت الأنباء في انخفاض حاد في سعر صرف الجنيه الاسترليني. وقالت كنيسة إنجلترا إن تنفيذ انسحاب فوضوي من الاتحاد الأوروبي سيضر بالفقراء.
كما وقع أكثر من مليون بريطاني، عريضة تطالب رئيس وزراء بلادهم بوريس جونسون، بعدم تعليق أعمال مجلس العموم.
وذكرت هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، الخميس، أن أكثر من مليون شخص وقعوا عريضة تطالب بعدم تعليق عمل البرلمان.
المشرعون أمامهم خياران
يرى رئيس مجلس العموم البريطاني، جون بيركو، أن المشرعين المعارضين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، أمامهم خياران، إما تغيير الحكومة أو القانون.
ومن المقرر أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي في 31 أكتوبر المقبل، إذا لم يقر البرلمان اتفاق الخروج الذي توصلت إليه ماي مع الاتحاد، ولم تطلب الحكومة تأجيلا آخر، ما يهدد بحدوث اضطرابات اقتصادية جراء الانسحاب من دون اتفاق.
وكان جونسون أكد، في وقت سابق، ضرورة خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، وعلى ضرورة حماية مصالح الشعب والشركات البريطانية.
كان الاتحاد الأوروبي أعلن أنه لن يوافق على إعادة التفاوض أو إدخال تعديلات في مشروع الاتفاق، وبالتالي سيتعين على رئيس الوزراء الحالي إما إقناع البرلمان بضرورة اعتماد المشروع الحالي للاتفاقية أو مغادرة الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.
يذكر أن زعيم المعارضة البريطانية جيريمي كوربن أكد أن حزب العمال سيبذل كل ما في وسعه لإيقاف مسعى رئيس الوزراء بوريس جونسون للانسحاب من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.
وقال كوربن مساء الإثنين إنه يفضل إجراء انتخابات جديدة لمعالجة أزمة البريكست، وإن إجراء أي استفتاء جديد ينبغي أن يتضمن خيار البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أنه في حال فاز حزب العمال بأي انتخابات مقبلة فسيعرض إجراء استفتاء ثان على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وتابع أن فشل حزب المحافظين الحاكم مع البريكست خلال السنوات الثلاث الماضية أدى إلى تصلب الآراء، لدرجة أنه لم تعد هناك شرعية لأي حل دون تصديق الشعب البريطاني عليه.
وحتى الآن، يستبعد رئيس الوزراء بوريس جونسون الدعوة لانتخابات عامة مبكرة قبل أن تغادر بريطانيا الاتحاد الأوروبي. من جهته، رفض الاتحاد الأوروبي إعادة التفاوض مع لندن على الاتفاق الذي سبق أن توصل إليه مع حكومة رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي.
وتعهد جونسون بتنفيذ عملية الخروج (بريكست) حتى من دون اتفاق مع الأوروبيين بحلول 31 أكتوبر المقبل، وذلك رغم التحذيرات من تداعيات سلبية لهذا السيناريو على بريطانيا.
تداعيات الخروج دون اتفاق
قبل أيام، أظهرت وثائق حكومية مسربة نشرتها صحيفة “صنداي تايمز” أن بريطانيا ستواجه نقصًا في الغذاء والدواء والوقود في حالة خروجها من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق.
يقول مراقبون إن سيناريو «بريكست بلا اتفاق» سيكون له تداعيات اقتصادية «كارثية» على مختلف الأطراف.
فمع تزايد احتمالات تنفيذ «بريكست دون اتفاق»، أظهرت المؤشرات الاقتصادية في بريطانيا تراجعا ملحوظا، حيث انخفض الجنيه الإسترليني أمام الدولار الأميركي لأدنى مستوى منذ أكثر من عامين نتيجة عدم استقرار الأوضاع السياسية، كما يعاني نشاط الخدمات في المملكة المتحدة من مستويات متدنية على مدار شهور.
من جانبه، حذر مكتب إدارة الموارد المالية من أن مغادرة الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، من شأنه أن يتسبب في انخفاض النمو الاقتصادي في المملكة المتحدة بنسبة 2 في المائة بحلول نهاية عام 2020، ويتسبب في خسارة 30 مليار جنيه إسترليني سنوياً في المالية العامة، وهو ما سيدخل بريطانيا في حالة ركود.
كما أكد المراقبون أن تصريحات جونسون المؤيدة لـ«بريكست دون اتفاق» تعطي إشارات سلبية للسوق البريطاني، وهو ما يقود بدوره إلى حالة من التشكك لدى المستثمرين، خشية مما سيحدث مستقبلا.
وهناك عدد من القطاعات قلقة للغاية، خاصة قطاعات النقل والزراعة، جراء فرض رسوم جمركية على التجارة مع الاتحاد الأوروبي.
ففي مجال الزراعة، سيتم دفع تعريفة فورية بنسبة 40 ٪ لمنظمة التجارة العالمية على الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي، وهذا قد يتسبب في القضاء على الفور على الكثير من الشركات الزراعية.
أما الشركات البريطانية الأخرى التي تصدر منتجاتها إلى الاتحاد الأوروبي، فستحتاج إلى التقدم بطلب لتسهيل إجراءات الجمارك والضرائب حتى تتمكن من شحن بضائعها.
بالإضافة إلى ذلك، تحذر الكثير من مجموعات الأعمال من أن الإجراءات المتعلقة بعمليات التفتيش على الحدود ستصبح طويلة جداً.
وهناك أيضا مخاوف بشأن إمدادات الأدوية، واحتمال أن يحتاج المسافرون إلى الاتحاد الأوروبي إلى إجراء فحوصات طبية إضافية. وقد أعرب الكثير من مرضى السكري في بريطانيا، والذين يبلغ عددهم 3.7 مليون شخص، عن قلقهم بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي دون التوصل لاتفاق؛ حيث إنهم يعتمدون بشكل كلّي تقريباً على الأنسولين المستورد من الدول الأوروبية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات