بلال محمد الشيخ يكتب : الإخوان المسلمون في سورية والعالم الإسلامي: بين التجربة والحضور المشروع

من الظلم أن يُختزل تاريخ جماعة الإخوان المسلمين في لحظة سياسية أو موقف عابر، أو أن تُعامل الجماعة بمنطق الإلغاء والتعميم، وكأنها طارئة على الحياة العامة. فالإخوان المسلمون، سواء اتفقنا معهم أو اختلفنا، هم جزء من النسيج السياسي والدعوي في العالم الإسلامي، ولهم تجربة طويلة، ورجالٌ ساهموا في صياغة الوعي، وخطابٌ أثّر في أجيال.

في مصر، حيث نشأت الجماعة، وفي الأردن، وتونس، والمغرب، والسودان، وغيرها من البلدان، خاض الإخوان تجارب متعددة في الحكم والمعارضة، في العمل الخيري والدعوي، وفي بناء المؤسسات. لم تكن تجربتهم مثالية، ولم تكن خالية من الأخطاء، لكنها كانت حاضرة، مؤثرة، ومبنية على رؤية واضحة للهوية الإسلامية والمجتمع.

أما في سورية، فقد كانت التجربة أكثر تعقيدًا، وأكثر ألمًا. اصطدمت الجماعة منذ عقود بمنظومة أمنية لا تقبل التعدد، ولا تعترف بالحق في الاختلاف. فدُفعت إلى المواجهة، ثم إلى النفي، ثم إلى التغييب الكامل عن المشهد السياسي. ومع انطلاق ثورة الكرامة، عاد الحديث عن سورية جديدة، تعددية، عادلة، لا تقصي أحدًا، ولا تكرر أخطاء الماضي.

لا يمكن تجاهل أن المزاج الدولي العام، المتأثر بالهيمنة الصهيونية على مراكز القرار والإعلام، يميل إلى التضييق على جماعة الإخوان المسلمين، بل ويدفع باتجاه شيطنتها أو الدعوة إلى حلها، تحت ذرائع متعددة. هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لسياسات ترى في أي مشروع إسلامي مستقل تهديدًا لمنظومة الهيمنة الثقافية والسياسية. ومع ذلك، فإن هذا الضغط الخارجي لا يعني أن المجتمعات الإسلامية قد لفظت الجماعة أو ساهمت في وأدها. فالإخوان المسلمون، رغم ما واجهوه من حملات تشويه وتضييق، ما زالوا يحظون بحضور شعبي في كثير من الأوساط، ويجد خطابهم صدى لدى شرائح واسعة، خاصة حين يُطرح ضمن رؤية إصلاحية متزنة، بعيدة عن الاستقطاب أو الانغلاق.

من الطبيعي أن يكون للإخوان المسلمين حضور في هذه المرحلة، لا بوصفهم أوصياء، بل باعتبارهم مكوّنًا من مكوّنات المجتمع السوري، لهم جمهورهم، ولهم خطابهم، ولهم حقهم في التعبير والمشاركة. إن الدعوة إلى حل الجماعة أو تهميشها أو تحميلها وزر كل خطأ، هي دعوة تناقض جوهر الثورة، وتعيد إنتاج منطق الاستبداد الذي ثرنا عليه.

النقد حق، والمحاسبة ضرورة، لكن الإلغاء ليس من أدوات البناء. لا يجوز أن نطالب بالحرية ثم نمنعها عن من نختلف معهم. ولا أن نرفع شعار الكرامة ثم نمارس الإقصاء باسم الخوف أو الحذر. الإخوان المسلمون، كغيرهم، يجب أن يُعاملوا بمنطق القانون، لا بمنطق الشبهة. وأن يُشاركوا في الحياة السياسية وفق قواعد واضحة، لا استثناءات ولا وصاية.

سورية التي نحلم بها، لا تُبنى على الاجتثاث، بل على التعدد، وعلى الاعتراف بالآخر، وعلى فتح المجال أمام الجميع للمساهمة في صياغة المستقبل. ومن الإجحاف أن يُستثنى الإخوان المسلمون من هذا الأفق، وهم الذين دفعوا أثمانًا باهظة، وشاركوا في معركة الكرامة، ولهم من التجربة ما يستحق أن يُقرأ، لا أن يُلغى.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …