قال تقرير نشره موقع “الاستقلال” أن مظاهرات وحراك روسيا الجديد، يتشابه مع مظاهرات الربيع العربي حتى في الشعارات التي رددها المتظاهرون، ومحاكاته الغضب الشعبي ضد بوتين، الذي عدل الدستور ليبقى في الحكم حتى 2036، أو مدى الحياة.
وتساءل: هل كل هذا الحشد الجديد لأجل المعارض نافالني؟ وهل جاءت بتحريض أميركي كعقاب على التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة التي فاز فيها الجمهوري دونالد ترامب عام 2015؟ أم أنها مظاهرات عفوية ردا على تراكمات الفساد والديكتاتورية؟
في 23 يناير/ كانون الثاني 2021، اندلعت مظاهرات ضخمة في عشرات المدن الروسية، للمطالبة بإسقاط الرئيس فلاديمير بوتين والإفراج عن المعارض ألكسي نافالني وقرابة 4 آلاف من أنصاره، ليتجدد بعدها الحديث عن “الربيع الروسي” الذي توقعه مراقبون منذ 2011.
ولأول مرة، تخرج مظاهرات بهذه الضخامة في روسيا، حتى شبهها صحفيون بـ”الثورة البلشفية” التي اندلعت عام 1917، وقادها فلاديمير لينين وأسقطت حكم الأباطرة الروس.
الربيع الروسي
مع انطلاق الربيع العربي، خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين الروس إلى الشوارع في 10 ديسمبر/كانون الأول 2011، مطالبين بإنهاء حكم بوتين ورئيس حكومته ديمتري ميدفيديف وإعادة الانتخابات التي فاز فيها “حزب روسيا المتحدة” الحاكم، وتحدثوا عن تزويرها، رافعين شعار: “لقد حان الوقت أن ترحلا”
وسائل الإعلام الغربية وصفت هذه المظاهرات حينئذ بـ”الربيع الروسي”، تيمنا بالربيع العربي، ووقتها اعتقلت الشرطة 1600 روسي، وتم وضع العديد من قادة المعارضة بالسجن.
في هذه الفترة كان “بوتين” و”ميدفيديف” يمارسان لعبة تبادل الكراسي، للتحايل على الدستور (القديم) الذي يمنع الترشح لفترة رئاسة ثالثة، فحين انتهت ولاية بوتين كرئيس في 2007، رشح رئيس وزرائه ميدفيديف ليكون خليفته في الرئاسة عام 2008.
ثم عين الرئيس “ميدفيديف” رئيسه السابق (بوتين)، رئيسا للوزراء في 8 مايو/أيار 2008، قبل أن يتنازل له عن الرئاسة لاحقا عام 2012، بعدما عمل “محللا للرئاسة” لفترة 4 سنوات، واقترح يوم 24 سبتمبر/أيلول 2011، ترشيح بوتين كمرشح للرئاسة مرة أخرى.
لعبة الكراسي أو الشطرنج الروسية للالتفاف على المدة الدستورية (فترتين) التي أجبرت بوتين على التنحي عام 2008، ثم عودته 2012، أسمتها وسائل الإعلام الروسية “rokirovka”، وهو مصطلح روسي يشير إلى حركة التثبيت في لعبة الشطرنج.
“قصر بوتين”
في 25 يوليو/ تموز 2020، تظاهر آلاف المحتجين بمدينة خاباروفسك شرق روسيا احتجاجا على اعتقال بوتين حاكم المدينة لأنه فاز على مرشح حزب بوتين الحاكم في انتخابات 2018.
وفي 23 يناير/كانون الثاني 2021،، انطلقت أكبر المظاهرات ضد بوتين مطالبة برحيله، بعد محاولة تسميم المعارض الروسي أليكسي نافالني بغاز الأعصاب (نوفيتشوك) السوفييتي في أغسطس/آب 2020، ثم اعتقاله بعد عودته من رحلة علاج في ألمانيا 17 يناير/كانون الثاني 2021، ونشر نافالني فيلما تسجيليا يحمل عنوان “قصر بوتين”
“فيديو القصر”، الذي تبرأ منه بوتين، أبرز حجم الفساد في بلد يمتلك أكبر احتياطيات من الغاز الطبيعي، وثامن أكبر احتياطي من النفط، وثاني أكبر احتياطي من الفحم في العالم، وعدد الفقراء فيه أكثر من 20 مليون شخص، ما جعل الروس يحتجون.
مشاهدة فيديو امتلاك الرئيس الروسي قصراً خرافياً، تجاوزت قيمته مليار يورو من قبل قرابة 80 مليون روسي، أوجع بوتين وخرج ليقول – في رد نادر- إن القصر لم يكن يوماً ملكاً له أو لأحد أقربائه.
ما أزعج بوتين وحكومته أن الاحتجاجات كان أغلبها من الشباب، الذين كانوا أيضا عماد الربيع العربي، والاستطلاعات أظهرت أن 35 بالمئة من المحتجين نزلوا إلى الشارع للمرة الأولى في حياتهم، ما يعد مؤشراً على مدى تفاقم الغضب الشعبي.
مشكلة المعارضة في روسيا أنها منقسمة إلى 3 مجموعات: الديمقراطية الليبرالية التي يقودها نافالني، واليسارية التي تفتقد لقيادة فاعلة، والقومية المتشددة من الأحزاب القومية الصغيرة، بحسب الصحفي اليساري “مكسيم شيفتشينكو”
لكن هذه الاحتجاجات شهدت للمرة الأولى توحيد شعارات المعارضة ضد بوتين شخصيا، حيث يتهمونه بـ “نهب البلاد” في وقت تعاني فيه روسيا من تدهور الأحوال المعيشية للملايين، والمطالبة برحيله على غرار شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”.
تحويل المتظاهرين “نافالني” إلى قائد للمعارضة، بجانب فكرة الاحتجاج المتواصل في ميدان عام، مثل مشاهد ميدان التحرير بالقاهرة 2011، دفعت الشرطة الروسية للإفراط في العنف ضد المتظاهرين، واعتقال قرابة 4 آلاف في يوم واحد.
ما تخشاه سلطة بوتين أن تصبح هذه الاحتجاجات بداية لسلسلة احتجاجات أكبر قد تتصاعد تدريجيا مع اقتراب الانتخابات النيابية، في سبتمبر/أيلول 2021 خاصة أن المعارضة دعت لمثلها في ساحة لوبيانكا 31 يناير/كانون ثاني 2021، للتظاهر أمام مبنى جهاز أمن الدولة FSB الشهير.
خليفة بوتين
البعض يرى أن “نافالني” أشد عنصرية من بوتين، فهو دائم الانتقاد لمسلمي روسيا ومعاد للقوقازيين ويعتبرهم ليسوا جزءا من روسيا، كما يؤيد السيطرة على كامل سوريا وليبيا، وضم القرم وأوكرانيا، وهو عدو لدود لتركيا وأذربيجان، وكان يود حرق “قره باغ” وعدم إعادتها لأصحابها.
لكن نافالني يستمد شعبيته من “مركز مكافحة الفساد” الذي أنشأه، وأجرى عدة تحقيقات صحفية تكشف الفساد في هرم السلطة بروسيا آخرها فيلم “قصر بوتين”، ويبني نافالني مشروعه السياسي على محاربة نظام بوتين من خلال فضح قضايا الفساد، ويُظهر نفسه ليبراليا يؤيد حرية العقيدة والمثلية الجنسية.
ويقدم نافالني نفسه كـ “منديلا روسيا” وضحية القمع البوتيني، ما دفع الروس للتعاطف معه ومع حرية التعبير، نكاية في بوتين وضد الفساد، بينما الكرملين يقدمه على أنه عميل لـ “سي آي إيه” ومدعوم منه.
تعديل الدستور
وعلى غرار ما فعله السيسي في مصر بتعديل الدستور للبقاء في السلطة حتى 2030، قام بوتين أواخر يونيو/ حزيران 2020، بتعديل دستور روسيا بما يسمح له بالبقاء في السلطة حتى 2036.
لم يمدد بوتين فترته الرئاسية مدتين إضافيتين فقط (12 سنة) لكنه – مثل السيسي- مدد عدد سنوات الرئاسة من 4 إلى 6 سنوات، وكعادة الديكتاتوريات، طُلب من الشعب الروسي إما القبول بمجمل التعديلات أو رفضها جميعا.
“مهزلة” تعديل الدستور كما وصفتها المعارضة الروسية، كانت الأكبر منذ عام 1993، حيث تضمن التعديل بنودا اجتماعية وأيديلوجية، لكن لم يتذكر منه الروس سوى تعديل يسمح لبوتين بأن “يُصفّر” دوراته الرئاسية التي تنتهي عام 2024، ليستمر في السلطة دورتين رئاسيتين أخريين.
وفي قطيعة كاملة مع الحكم الشيوعي وعودة الأرثوذوكسية، أشارت التعديلات إلى أن روسيا “جمهورية الرب”، في تضاد شاسع مع سنوات البلاشفة الذين اعتبروا الدين أفيون الشعوب ومظهرا من مظاهر الرجعية.
الربيع العربي
خلال سنوات حكمه، دعم بوتين بأذرعه الإعلامية، الانقلابات والثورات المضادة في العالم العربي وقتل وشرد ملايين السوريين والليبيين ما جعل النشطاء العرب يتمنون نجاح الربيع الروسي وإسقاط حكم بوتين.
موقع “المجلة اليومية” الروسي المعارض قال في عدد يناير/ كانون الثاني 2021، إن “الرهاب الرئيس للكرملين يتمثل في الخوف مما يسمى الثورات الملونة (يقصد بها الربيع العربي)”
وأضاف أن “القادة الروس يعتبرون أي محاولة من قبل الشعب للتخلص من حكامه المتسلطين، هي مؤامرة من الأجهزة الغربية”
ونقل الموقع عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله في مؤتمر دولي سابق لوزارات الدفاع: “الثورات الملونة (الانتفاضات الشعبية) تعتبر شكلاً جديداً من الأعمال العسكرية”
ثورات 1989
لا يُخفي المسؤولون الروس خشيتهم من سيناريو غربي يهدف إلى تخليق “ثورة شعبية” في روسيا، وتزداد خشيتهم من تكهنات حول احتمالات أن تكون إدارة بايدن الجديدة تنوي إحياء إستراتيجية اتبعتها أميركا عام 1989 لإثارة جمهوريات أوروبا الشرقية ضد الاتحاد السوفيتي وإنهاء الشيوعية بها.
هذا العام الثوري 1989 لم يرتبط فقط بإطلاق الزعيم السوفيتي ميخائيل جورباتشوف “البيريسترويكا” و”الجلاسنوست”، لكنه شهد سلسلة مظاهرات في أوروبا الشرقية استهدفت إنهاء الحكم الشيوعي وتثبيت دول مثل بولندا والمجر لحكومات غير شيوعية، وهدم الألمان جدار برلين، وشن تشيكوسلوفاكيا ثورتها المخملية السلمية.
وزراء خارجية دول مجموعة الـ 7 (أميركا وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان) بدأوا فعلا التدخل في روسيا ببيان يوم 26 يناير/ كانون الثاني 2021 يطالب روسيا بإطلاق سراح زعيم المعارضة نافالي، ورفض احتجاز آلاف المتظاهرين السلميين والصحفيين.
الأوروبيون طالبوا روسيا بضمان “الحقوق المدنية والسياسية وحرية التعبير”، وأكدوا عزمهم “مراقبة استجابة روسيا عن كثب للدعوات الدولية للإفراج الفوري عن نافالني وأي متظاهرين وصحفيين تم اعتقالهم بشكل تعسفي”
كان ملفتا أن أول اتصال بين الرئيس بايدن وبوتين ناقش اعتقال زعيم المعارضة نافالني، والتدخل الروسي في انتخابات أميركا عام 2016، والاختراق السيبراني الروسي للوكالات الاتحادية الأميركية، بحسب وكالة اسوشيتدبرس 27 يناير/ كانون الثاني 2021.
وأصدر البيت الأبيض بياناً جاء فيه أنّ “الرئيس بايدن كان واضحاً في أنّ الولايات المتحدة ستتصرف بحزم للدفاع عن مصالحها الوطنية، ردّاً على أي أفعال من روسيا قد تضرّ بنا أو بحلفائنا”، وحذّر بايدن فيه بوتين بشأن التدخل في الانتخابات.
وأشار بايدن إلى أنه سيكون أكثر قسوة مع بوتين من ترامب، الذي رفض مواجهة الكرملين، وأخبر بوتين أنه يعلم أن روسيا حاولت التدخل في انتخابات عامي 2016 و2020، حسبما نشرت BBC في 27 يناير/ كانون الثاني 2021.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات