ترامب وتداعيات المرحلة المقبلة (1)

في الأزمات الدولية، وعندما تلتاث الأمور إلى درجة يصعب فيها التمييز بين الأبيض والأسود، يكون الناس أكثر تطلعا للمتغيرات الجديدة؛ كون تلك المتغيرات قد تقود إلى الجديد, وهذا ماعليه كثير من المراقبين السياسيين اليوم.

  والأزمات الطارئة في الشرق الأوسط – وهي دولية أكثر منها إقليمية- أصبحت اليوم الشغل الشاغل للمهتمين بالسياسة الدولية، وللعاملين فيها على وجه التحديد.

ولما كانت الولايات المتحدة الأمريكية القطب الرئيس والفاعل في السياسة الدولية، كان التغيير في الرئاسة الأمريكية أكثر من لافت للنظر، بخصوص منطقة الشرق الأوسط بخاصة، وبقية دول العالم بعامة، ومنها على وجه التحديد البلد الأكثر اشتعالا؛ سورية التي يباد شعبها وتدمر مدنها وقراها ومعالمها الحضارية على مسمع ومرأى من العالم (الحر)، الذي تقوده الولايات المتحدة، والتي تعد المسبب الرئيس لكل ماحدث في سورية من دمار.

الانتخابات الأمريكية، أدت إلى وصول دونالد جون ترامب إلى الرئاسة حيث سيكون في 20 يناير 2017م الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة .

والسؤال: هل ستتغير السياسة الأمريكية تبعا لتغيير طاقم الرئاسة فيها، أم أن الطاقم السابق واللاحق محكومان بالسياسة المعدة مسبقا من قبل البنتاجون (وزارة الدفاع) الذي ترسم سياساته دوائر مختصة، ويقوم على تنفيذها الإدارات المتعاقبة، التي تكون عادة أكثر التزاما بتلك السياسات وأكثر احتراما لها؟

هذا مايمكن أن يجيب عليه المختصون والخبراء وأهل العلم بالسياسة الأمريكية وأسرارها الخفية.

البحث عن تداعيات المرحلة المقبلة يقودنا إلى التعريف بترامب، وسياساته، وبما يمكن أن يوصف بالثابت والمتغير في السياسة الأمريكية، على ضوء معرفة الرئيس الجديد، الذي عد الرئيس الأكثر جدلا في تاريخ الأمريكيين ، بل وقد يكون في السياسة الدولية بعامة.

فترى من هو دونالد ترامب؟ وعلى أي من الأسس يبني سياساته المستقبلية التي قد تنجم عنها تلك التداعيات الخفية؟

 

 حياته الشخصية

 

 ولد دونالد ترامب في 14 يونيو سنة 1946, وهو الابن الرابع من عائلة مكونة من خمسة أشخاص. ويذهب بعض الباحثين إلى أنه من منطقة ( بالاتينات) الألمانية، ومن بلدة صغيرة اسمها كالشتات التي تعد مسقط رأس جدّه. وبحسب موقع (ِDW) فإن هذه الحقيقة كانت معروفة منذ أن وردت في فيلم وثائقي بعنوان ملوك (كالشتات) انتج عام 2014م. والإشارة إلى أصوله الألمانية التي وردت في الفيلم، قد تسلط الضوء على شخصية ترامب العنيفة والمثيرة للجدل فتربط بينها وبين شخصية أودلف هتلر، الذي قد يبدو ترامب قريب الشبه منه سيما في الغطرسة الشخصية، وكونه لم يتول منصبا سياسيا من قبل، وليست له خبرة سياسية, ووصفه بالجاهل والمعتوه والمجنون والنرجسي, كذلك قد يجعل منه ومن هتلر نموذجا لشخصية واحدة. ومن ناحية أخرى فكل ماعرف عن الرجل، أنه ملياردير، ورجل أعمال ناجح وشخصية تلفزيونية ومؤلف. وهذه الصفات الأربع قد تجعله مختلفا عن سابقيه من الرؤوساء الأمريكيين, ومنهم باراك أوباما؛ الشخصية التي يعتورها كثير من الغموض وقد توزعت حياته بين دينين ولونين، وتأرجح بين سياستين، ولن  يترك منصبه السياسي إلا بعد أن أصبحت  السياسة من بعده بمثابة الأرض المحروقة، التي لم يتبق منها إلا مايشين ويلطخ!

آراء الصحف الأمريكية والبريطانية في ترامب

الـ واشنطن بوست: ترى الواشنطن بوست أن الأمريكيين يتوزعون على فئتين:

       آ- الترامبيون: وهم الهمج والرعاع ومحدودو التفكير.

       ب- المعارضون لترامب: وهم نخب المتحضرين، والمثقفين بعامة.

وقد أفاد مصنف الخبر أن الأمريكيين بعامة متشائمون من فوزه، وقد وصف انتخابه بالزلزال الذي ضرب أوربا وأمريكا. وكان مايكل مور المخرج السينمائي الأمريكي الذي توقع فوز ترامب قبل أربعة أشهر2 قد وصفه بالجاهل الخطير، والمهرج، والمعادي للمجتمع، بل بزجاجة المولوتوف الشخصية وهو وصف ليس أكثر منه سوءاً أو خطورة.

الـ واشنطن تايمز: أما الواشنطن تايمز فالرأي عندها جاء في مقال لو يسلي بردون، وفيه: أن الأمريكيين لم يكونوا موفقين بدونالد ترامب وبهيلاري كلينتون معا، فهما عنده من أكثر الانتهازيين ولن يكون بأمكان أي منهما أن يتغير، لأن التوبة- حسب قوله- على من اقترب من العقد السابع من العمر قد تكون مستحيلة، وترامب منذ أن بدأ يخطو خطواته الأولى قبل أكثر من عام تجاه الرئاسة الأمريكية، لايبدو أن هناك أحدا بوسائل الإعلام يدري ما يقوله عنه، غير أنه: شرير وملعون ومزعج.

الايكونومست البريطانية5: ترى مجلة الايكونوميست أن وصول ترامب للبيت الأبيض سيشكل خطرا عالميا. وسبب هذا الوصف لترامب يعود لمقابلة له مع شبكة سي ان ان الإخبارية الأمريكية قال فيها: إنه قد يكون من المفيد حصول حلفاء مثل اليابان وكوريا الجنوبية على ترسانات نووية خاصة بهم, وأنه لن يستبعد استخدام الأسلحة النووية في أوربا. وهذا الوصف جاء مطابقا لمقال كتبه إدوارد لوكاس؛ كبير محرري الايكونومست. وسبب ذلك التقدير يعود لترامب نفسه الذي سبق له أن قال في كتابه الذي نشره عام 2000 تحت عنوان: ( أمريكا التي نستحقها) إن على دول شرق أوربا أن تحل مشاكلها الإقليمية القديمة وحدها دون تدخل أمريكي. وقد زاد على ذلك خلال حملته الانتخابية بقوله: إن على أمريكا ألا تدافع إلا عن الدول التي تدفع لها ماعليها من التزامات مالية بالكامل. وهذا ماجعل بعض المحللين الغربيين يذهب إلى أن حقبة ترامب في السلطة ستزعزع الأسس التي تقوم عليها الالتزامات  الأمنية الأمريكية، وخاصة في مجالات الردع النووي والقوة الجوية والمدرعات، والخدمات اللوجستية والمعلومات الاستخبارية. وهذا مما يدخل السرور على الرئيس الروسي بوتين الذي قد يكون من أهدافه إحداث الخلل في العلاقة بين الأوربيين والأمريكيين, الأمر الذي حدا به لتبادل الأنخاب مع بعض أصحابه!

      وختام المسألة: أن دونالد ترامب سيبقى الشخصية التي يصعب تقدير مسارها، أو تخمين المدى الذي يمكن أن تذهب إليه. ومن غير الواضح إن كان سينجح في إدارة الولايات المتحدة, لكن من المؤكد أن صعوده إلى البيت الأبيض علامة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة، وتعبير عن تفاعلات جرت  في بلد بحجم أمريكا وأهميتها. وعلاوة على ذلك، فإنه دليل على تقلص دور الولايات المتحدة في العالم، والذي قد يكون فوز ترامب هو البرهان الأوضح عليه.

سياسة ترامب أثناء حملته الانتخابية وبعدها

  • سياسته الداخلية:

حسب تصريحاته الشخصية, سيكون رئيسا لكل الأمريكيين.

وقد دعا الأمريكيين إلى توحيد صفوفهم، وتضميد جراحهم، والالتفاف حول الرئاسة الجديدة. هذه السياسة قد تكون من التقاليد المتعارف عليها لدى الأمريكيين. وقد كان على ذلك معظم من سبقوه,  وهذا مايجعل تلك السياسة من ناحية مبدئية موضع شك. فترامب قد تؤدي سياسته إلى زعزعة الاستقرار في أمريكا، وإلى بداية تمزق ذلك الكيان العملاق الذي إن هوى لن نقوم له بعدها قائمة, وستجد أوربا نفسها بعد ذلك وحيدة في مواجهة المتغيرات الجديدة في العالم، وهو أمر سيكون له شأنه.

  • سياسته الخارجية:

1- تجاه إسرائيل

ترامب في سياسته تجاه إسرائيل شأنه شأن الرؤوساء السابقين، حيث تتسم العلاقات الأمريكية الإسرائيلية بشكل عام بالتقارب والتعاون الاستراتيجي، وهو الشيء المتفق وهناك مايشبه الإجماع الأمريكي على الالتزام بحفظ أمن إسرائيل وتفوقها النوعي على جميع جيرانها. وقد تعهد  ترامب بالحفاظ على أمن إسرائيل وبقائها.

2- تجاه أوربا:

 لترامب موقف من العلاقة الأمريكية الأوربية، فعلى دول شرقي أوربا، أن تحل مشاكلها الإقليمية وحدها دون تدخل أمريكي؛ وعلى أمريكا ألا تدافع إلا عن الدول التي تدفع لها  حصتها المالية بالكامل. ولذلك يسود اعتقاد أنه خلال حقبة ترامب في السلطة، ستزعزع الأسس التي تقوم عليها الإلتزامات الأمنية الأمريكية تجاه أوربا منذ عام1941. والمعروف أن أوربا ماتزال تعتمد بشكل كبير على القدرات العسكرية الأمريكية وخاصة في مجالات الردع النووي، والقوة الجوية، والمدرعات والخدمات اللوجستية والمعلومات الاستخبارية، ولذلك من المتوقع أن تسارع دول أوربا، إلى البحث عن طرق جديدة لحماية نفسها تجاه الأزمات المستجدة الداخلية والخارجية.

3- تجاه روسيا:

 لاتزال روسيا منذ مطلع القرن الجاري تتجاوز حدودها بسياساتها العدائية. ففي عام 2007م شنت هجوما ألكترونيا على أستونيا، وفي عام 2008م شنت حربا على جورجيا، وفي عام 2014 ضمت شبه جزيرة القرم ثم أتبعت ذلك باستضافة المنشق عن وكالة الأمن القومي الأمريكية أدوارد سنودن. ولم تتوقف عن ذلك التجاوز؛ ففي العامين 2015  و2016م وسعت قاعدة طرطوس البحرية على الساحل السوري وجعلت من قاعدة حميميم السورية الجوية قاعدة محمية بصواريخ (اس 400 ) وأخذت تتصرف وكأنها قوة احتلال حقيقية على الأرض السورية دون حساب للمصالح الأوربية والأمريكية التي دخلت في دائرة عدم الرؤية بسبب الانتخابات الأمريكية الجديدة وقد جعلت ترامب أكثر إعجابا بروسيا، فهو يرى أن القدرات النووية الروسية أكثر تطورا من القدرات الأمريكية,أمريكيةأ والترسانة الروسية أكثر تحديثا من الترسانة الأمريكية. ومع أن ذلك قد يكون بسبب الموقف الروسي الداعم لترامب في الانتخابات، إلا أن المصالح الأمريكية ستقود ترامب إلى موقف مغاير تماما لما هو عليه. وستتأرجح السياسة الأمريكية بين موقعين؛ التنسيق المشترك كما كان عليه الحال في عهد أوباما أو الاختلاف. وهذا وارد بسبب الطموحات الروسية غير المحدودة في الشرق الأوسط. ومناطق أخرى كثيرة.

 

  4- تجاه الشرق الأوسط:

يمكن أن يقال عن سياسة ترامب أنها انطباعية وبراجماتية وأكثرها وليد الدعاية الانتخابية وكون ترامب لم يشغل منصبا سياسيا من قبل جعل آراءه أكثر سذاجة وعفوية وارتجالية, أما كونه مليارديرا ورجل أعمال ناجحا فقد حتمت عليه صفته هذه الحسابات المادية التي كثيرا ما تقف حجر عثرة في وجه السياسيين الذين ينفذون خططاً سياسية معدة مسبقا. ولذلك نراه فيما يخصّ روسيا وإيران ودورهما في الشرق الأوسط, أكثر تشددا فهو يرى أن إيران وروسيا مادامتا أصبحتا في جانب بشار الأسد فيجب محاربتهما معا وكأنه الخصم اللدود لبشار, وهذا خلاف ماعليه السياسة الأمريكية. أما الا

 

أما الاتفاق النووي الإيراني فهو عنده بمثابة الخطأ الفادح والمهين, ويرى أن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على الأمريكيين، وأن إيران دولة إرهابية، تسعى لتقويض الأمن الإقليمي، ومسؤولة عن الشبكات الإرهابية التي تنتشر في العراق وسورية ولبنان واليمن وقد وصلت تصريحاته إلى حد مواجهتها عسكريا، وضرورة تشكيل تحالف إقليمي ضد المشروع الإيراني.

أما دول الخليج ومنها السعودية فقد رأى خلال مناظرته التلفزيونية الأولى أثناء حملته الانتخابية أن السعودية عليها أن تدفع مقابل الدفاع عنها, ورأيه هذا تكرر في الحوار مع شبكة MSNBC وقد دعا صراحة إلى إلغاء التحالف مع السعودية, وقد عدت آراؤه بعامة مسيئة لدول الخليج وللإسلام والمسلمين, ولذلك لم يهتم كثيرا بإسقاط النظام السوري. واللافت للنظر أن رأيه بتركيا يختلف عن آرائه الأخرى التي يسوقها ضد القضايا العربية العادلة فهو يرى أن أردوغان قائد ذكي في طريقة تعامله مع محاولة الانقلاب، ويعذره تجاه الحريات العامة، فعنده أن نفس الخطأ تقع به الولايات المتحدة,  هي مسألة يمكن أن تعالج داخليا. أما الأزمة السورية فلم تشغله من قريب أو بعيد، بل كثيرا ماكان يبدي تخوفه من بديل النظام وقد عجز عن التفريق بين المعارضة المعتدلة والمعارضة المتشددة، كما أنه لم يخض كثيرا في المسائل الإقليمية ولم يعر انتباها لحاكم مثل السيسي يريد أن ينال عنده الحظوة مقدما ويتزلف إليه, فهو أعار انتباهه للقضايا الساخنة وللدول التي لها تأثير على الواقع الانتخابي في الولايات المتحدة.

يتبع..

 

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …