قال تقرير لموقع “عربي بوست”، إن مصر شهدت في الأيام الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في حوادث العنف والجرائم، ما أثار مخاوف واسعة بشأن انعكاساتها الأمنية والاجتماعية.
ويرى مختصون أن تفاقم الأوضاع الاقتصادية والنفسية قد يكون أحد العوامل الرئيسية التي تدفع بعض الأفراد إلى اللجوء للعنف، سواء بدافع الجريمة أو كرد فعل على ضغوط المعيشة.
كما أثارت وقائع العنف المتكررة في مختلف المناطق والطبقات الاجتماعية جدلًا واسعًا حول النتائج المترتبة على انتشار مثل هذه الجرائم، في ظل غياب حلول فعالة للحد منها.
ولا تتوفر بيانات دقيقة حول معدلات الجريمة وانتشار العنف في مصر خلال السنوات الماضية، لكن وفقًا لمؤشر قياس الجريمة في قاعدة البيانات العالمية (نامبيو)، بلغت نقاط مصر في مؤشر الجريمة 47.3 نقطة في عام 2024، ما جعلها تحتل المركز السادس عربيًا بعد دول مثل سوريا، اليمن، والصومال، التي تعاني من نزاعات عنيفة.
وعلى المستوى الإفريقي، جاءت مصر في المركز الثامن عشر من حيث معدلات الجريمة، كما احتلت المرتبة الخامسة والستين عالميًا، وذلك نتيجة ارتفاع معدلات ارتكاب الجرائم بأنواعها المختلفة.
شهدت العديد من المحافظات المصرية وقوع أربع جرائم مروعة حظيت باهتمام واسع في الفترة الماضية، بين القتل والتعذيب ومحاولات الانتحار، واتسمت جميعها بدرجة عالية من العنف والبشاعة التي أثارت صدمة واسعة في المجتمع.
كان أبرزها ما وقع في منطقة أبو الجود بمحافظة الأقصر في صعيد مصر، حيث قام شخص، بسبب خلاف عادي، بذبح جاره بطريقة وحشية ونهش جسده بشكل همجي، ثم تجول في الشارع حاملاً رأسه وسكينه التي ارتكب الجريمة بها.
وفي محافظة الفيوم، قتل مواطن يبلغ من العمر 36 عاماً عقيد شرطة داخل فرع بنك مصر، وأصاب ثلاثة آخرين بجروح. وتبين أن الجاني حاول الاعتداء على مدير الفرع بعد مشادة مع الموظفين، حيث كان يطالب بصرف فوائد حسابه قبل موعدها المحدد.
وفي محافظة القاهرة، وقبل أيام قليلة من هذه الحادثة، قتل متسول أمين شرطة في منطقة عابدين، بعد أن حاول الأخير إيقاظه من النوم.
أما رابع هذه الوقائع، وهي أيضاً تتسم بالغرابة، فتمثلت في تحرير الأمن لسيدة في منطقة البدرشين بمحافظة الجيزة، بناءً على بلاغ من والدتها. وتبين أن أفراد عائلتها، بما في ذلك والدها المتوفى وعمها وشقيقها، قاموا بحبسها وربطها بالسلاسل في غرفة مظلمة لمدة ست سنوات بعد طلاقها من زوجها.
ولم يكن أبناء الذوات أو قاطنو المناطق الراقية بعيدين عن حوادث العنف، إذ شهدت منطقة التجمع الخامس بشرق القاهرة مشاجرة عنيفة بين مجموعة من الفتيات داخل مدرسة دولية، كانت ضحيتها طالبة بالمرحلة الابتدائية (الصف السادس)، تعرضت للإصابة بكسور في الأنف وكدمات بالوجه، استدعت نقلها إلى المستشفى لتلقي العلاج اللازم.
كشفت خبيرة مصرية بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية (حكومي) لـ”عربي بوست” أن الواقع يشير إلى وجود معدلات عنف مرتفعة خلال السنوات الثلاث الماضية”.
وتابعت: “واللافت هو نوعية الأسباب التي تقود إلى العنف والقتل، كونها لا ترقى بالأساس إلى أن تكون مشكلات كبيرة، بل يمكن التعامل معها بشكل مغاير، على عكس ما تولد عنها من حالة عنف كبيرة. بمعنى آخر، فإن المسببات المقبولة والمبررة للعنف الحاد لم تعد حاضرة في كثير من الجرائم التي تحدث”.
وأشار إلى أن ما يحدث في مصر لا ينفصل عن حالة العنف العالمي والحروب والانتهاكات وتكرار مشاهد الدم والتعود عليها وعدم القدرة على مواجهتها. ولم يعد لدى الأفراد الطبيعيين الفرصة لرفض أو مواجهة العنف حتى بالطرق السلمية، ويدركون أنهم واقعون تحت تأثير مخدر التعود على تلك الممارسات التي تولد طاقة سلبية وضغوطاً نفسية كبيرة.
وتقول المتحدثة إن الخطاب الإعلامي يرسخ العنف من خلال الدراما ومواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك الأغاني التي يتم فيها استخدام ألحان صاخبة إلى الدرجة التي أضحى فيها تعامل الشخص مع الآلة يتسم بالعنف، وكذلك لغة الخطب الدينية التي تبالغ في تصوير العذاب وتنسى الرحمة والمغفرة والتراحم بين الناس.
كما أشارت إلى أن تلاحق أزمات ومشكلات المواطنين، مع عدم قدرتهم على اتخاذ مواقف أو أفعال يمكن أن تحسن من واقعهم الحالي، يجعلهم يتكيفون مع مسألة العنف لعدم امتلاك أدوات الرد، وأن تفريغ شحنات الغضب في العنف يبدو واضحاً في كثير من الحوادث.
بالإضافة، حسب المتحدثة، إلى تزايد هموم المواطنين وصعوبات توفير التعليم الجيد والصحة ولقمة العيش، ومع تراجع الأمل في تحسن الأوضاع، يتراكم مخزون من التوتر يؤدي إلى العنف، ويظهر ذلك بشكل أكبر في حوادث العنف الأسري، والتي تتزامن مع مشكلات أخرى على مستوى صعوبات الكلام والفضفضة نتيجة الانشغال بالعمل المتواصل طوال اليوم.
وذكرت أن المواطنين في مصر يعانون مما يمكن وصفه بصعوبة الاستيعاب الاجتماعي، بمعنى أن التراجع الاقتصادي الذي حدث بشكل متسارع خلال السنوات الماضية لم يجعل المواطنين يدركون إن كانوا ما زالوا في الطبقة المتوسطة أم أنهم أضحوا فقراء.
وهو ما يجعل هناك حالة من العزلة الاجتماعية لدى الكثيرين، وتغيب فرص الفضفضة والصداقات والمناسبات الاجتماعية التي تراجعت بشكل كبير، وأضحى الجميع يدورون في فلك البحث عن إمكانية الحياة. ونتيجةً لكل هذا الكبت، أصبح العنف أداة طبيعية مع تراكم الضغوطات.
ورصد مرصد العنف، في تقريره الشهري الصادر عن مركز التنمية والدعم والإعلام، 143 حالة عنف خلال شهر يناير 2025، منها 46 جريمة قتل بطرق عنيفة ووحشية، من بينها 18 واقعة في المجال الخاص بالأسرة.
وتلك الأرقام ليست حصراً متكاملاً بكل وقائع العنف، بل هي عينة لكشف الواقع في المحافظات، وهو عنف اقتصادي دليل على تأثر المجتمع بالأوضاع الاقتصادية المتدنية، حيث تسبب الضغط المادي والخلافات المالية داخل الأسرة الواحدة، وعدم قدرة الأزواج على الإنفاق، في انتشار العنف بين شركاء الحياة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات