معظم أراضي مصر صحراوية، وتكونت الأرض الزراعية في وادي ودلتا نهر النيل عبر آلاف السنين. و يعد البناء عليها أخطر تهديد للأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي في البلاد.
لكن مع مرور السنوات حتى الوصول إلى عهد رئيس النظام الانقلابي عبد الفتاح السيسي، أصبحت هذه الأرض العزيزة تعاني من اعتداءات مستمرة ساهمت في تقليص رقعتها.
وسبق وأن حذر السيسي، المصريين، في 29 أغسطس 2020 من تداعيات البناء على الأراضي الزراعية.
وقال في تصريح شهير : “لو لزم الأمر هخلي الجيش ينزل كل قرى مصر، باتكلم بمنتهى الحزم، لازم تتاخد إجراءات في كل المحافظات، ننزل القرى وأبيد وأشيل كل الكلام ده بالمعدات الهندسية”.
وقال تقرير لموقع الاستقلال، إن الحقيقة تقول إن السيسي ومن ورائه الجيش هم الذين يعتدون على الأراضي الزراعية، بعد أن أهدروا منها مساحات شاسعة تحت حجة “المنفعة العامة”.
ويحدث هذا رغم ما تعانيه مصر من أزمة نقص سلع غذائية طاحنة، على وقع التضخم المتصاعد، والديون المتراكمة، ونقص الحبوب جراء الحرب الروسية الأوكرانية.
ويستطرد التقرير قائلا: وتجلت تلك الأزمة في شح “القمح” شديد الأهمية عند المصريين، إضافة إلى مواد أخرى كالأرز والبذور وغيرها. فكيف دمر السيسي رقعة مصر الزراعية المستباحة؟ وما الآثار المترتبة على تلك السياسة؟
وفي 25 يوليو 2023، أعلن الدكتور علي المصيلحي وزير التموين والتجارة الداخلية المصري، أن “انسحاب روسيا من اتفاقية الحبوب لم يكن نبأ سعيدا”.
وأضاف أن هذا التطور سوف “يؤثر على الدول الضعيفة تأثيرا سعريا، خاصة في اللوجستيات والنقل والأمن”، موضحا أن “تأثير القرار على السوق المصرية يتراوح من 5 إلى 8 بالمئة”.
وكان يسمح الاتفاق لسفن الشحن بالمرور عبر البحر الأسود من موانئ أوديسا، وتشورنومورسك، ويوجني/بيفديني الأوكرانية، رغم ظروف الحرب المتواصلة بالمنطقة.
لكن الوزير المصري أغفل في الوقت ذاته أن تأثير الحرب كان ضمن سياسة طويلة الأمد بدأت بالاعتماد المطلق على التصدير في سلعة استراتيجية كالقمح.
فيما أدى تدمير الرقعة الزراعية بمساحات هائلة من أخصب الأراضي، إلى ضرب الأمن الغذائي لأكثر من مئة مليون مصري في مقتل.
فالمساحة الزراعية لمصر مشمولة في معظمها حول وادي ودلتا نهر النيل، ويعيش على تلك الأرض 85 بالمئة من الشعب المصري، بحسب تقرير “النقابة العامة للزراعيين” الصادر عام 2017.
ويعمل فيها 28 بالمئة من القوى العاملة في الوجه البحري، وتوفر أكثر من 55 بالمئة من فرص العمل في صعيد مصر.
وتمد هذه الأراضي الاقتصاد المصري بـ 12 بالمئة من الناتج القومي، ونص دستور عام 2012 لأول مرة على أن تلتزم الدولة بـ”حماية الرقعة الزراعية وزيادتها”.
ونصت المادة (29) من دستور عام 2014 بأن “الزراعة مقوم أساسى للاقتصاد الوطني، وتلتزم الدولة بحماية الرقعة الزراعية وزيادتها، وتجريم الاعتداء عليها، كما تلتزم بتنمية الريف ورفع مستوي معيشة سكانه وحمايتهم من المخاطر البيئية”.
فيما تم تعديل قانون الزراعة في 26 أكتوبر 2022، ليشدد عقوبة الاعتداء على الأرض الزراعية بصفتها من الجرائم المخلة بالشرف والأمانة.
ونص القانون أن جريمة الاعتداء على الأرض تستوجب العزل من الوظيفة العامة والحرمان من الحقوق السياسية، بالإضافة إلى الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تزيد على 5 سنوات وبغرامة لا تقل عن 500 ألف جنيه ولا تزيد على 10 ملايين جنيه.
فهل التزم السيسي بتلك القوانين الصارمة؟ التي وصل الجرم فيها إلى العزل من الوظيفة والغرامة.
فالسيسي الذي اتهم المصريين بالاعتداء على الأرض والجهل بقيمتها، أصدر قرارا جمهوريا رقم 233 لسنة 2016 بتخصيص الأراضي بعمق 2 كيلومتر على جانبي 21 طريقا جديدا يتم إنشاؤها وإصلاحها، لوزارة الدفاع، على أن تعد مناطق إستراتيجية ذات أهمية عسكرية لا يجوز تملكها.
وفي 12 مارس 2018، خصص 31 ألف فدان زراعي لصالح هيئة المجتمعات العمرانية لبناء مدينة سفنكس الجديدة، تحت بند “المنفعة العامة”.
وفي 3 أكتوبر 2019، وسع المدينة لتشمل 59 ألفا و417 فدانا زراعيا.
ثم أصدر قرارا آخر في مطلع عام 2020، بتخصيص 76 ألفا و931 فدانا زراعيا لصالح هيئة المجتمعات العمرانية، بجوار مدينة السادات.
وفي نفس العام (2020) خصص 70 ألف فدان زراعي من الحزام الأخضر في محافظة الجيزة، لصالح الجيش، لاستخدامها في الاستثمار العقاري وبناء مساكن عليها.
وعاد السيسي وأصدر في 20 مارس 2022، القانون رقم 15 لسنة 2022 والذي يقضي بجواز تخصيص جزء من الأراضي التابعة للهيئة العامة للإصلاح الزراعي، ومساحتها تزيد على 900 ألف فدان، لتنفيذ مشروعات أو لإقامة منشآت ذات نفع عام.
ونص القانون في مادته الأولى على أنه يجوز تخصيص جزء من الأراضي المستولى عليها بالمجان، كما يجوز إسقاط المديونيات المستحقة للهيئة العامة للإصلاح الزراعي على الجهات المخصصة لها الأراضي.
وكتب الخبير الزراعي المصري عبد التواب بركات، مقالة لصحيفة “العربي الجديد” القطرية، في 14 يوليو 2023، تحدث فيه عن تدمير نظام السيسي للرقعة الزراعية.
وقال: “كثير من الطرق والكباري التي أنشئت على الأراضي الزراعية في الدلتا يمكن الاستغناء عنها برفع كفاءة الطرق القديمة، لكن السيسي لم يفعل”.
وأضاف: “الهيئة الهندسية التابعة للقوات المسلحة تسارع الزمن لإنشاء طرق جديدة، ويجتهد السيسي في افتتاح الكثير منها على فترات متقاربة”.
وأوضح: “لقد اعترف صراحة بعدم ممانعته البناء على الأرض الزراعية بقوله (أنا بقبل إني أبني.. وحتى على أرض زراعية؟ أيوه طبعا، لكن أنا أخططلك الأرض.. وأبني لك حتى لو كانت على أرض زراعية)”.
وذكر الخبير المصري: “أن البناء على الأرض الزراعية أدى مع أسباب أخرى إلى تقويض الأمن الغذائي المصري، حيث أصبحت مصر الأولى عالميا في استيراد القمح، والثالثة في استيراد الذرة، وتستورد 95 بالمئة من زيوت الطعام”.
وأتبع: “بلغ مقدار ما تم استيراده في سنة 2020، من القمح 13 مليون طن، والذرة 10 ملايين طن، وفول الصويا 4 ملايين طن، والبذور الزيتية وزيوت الطعام 5 ملايين طن، بإجمالي 32 مليون طن”.
وختم قائلا إن “إهدار 400 ألف فدان فقط من الرقعة الزراعية يعني خسارة 2 مليون فرصة عمل”.
وقوضت تلك السياسة الأمن الغذائي لأكثر من مئة مليون مواطن، ففي 20 يوليو 2023، حلت مصر في المركز السابع عالميا في تضخم أسعار الغذاء بعدما بلغ 60 بالمئة، بحسب تقرير البنك الدولي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات