كشف تقرير أصدرته “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” حول من يتقاسم كعكة ديون مصر والتغيرات في خريطة الدائنين بالعودة إلى بيانات يونيو 2011، أن 43% من الدين الخارجي كان مملوكًا لأربع دول هي اليابان وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، بينما بلغ نصيب دول الخليج 4.6%، أما ديون المؤسسات الدولية فمثلت حوالي ثلث الدين الخارجي في ذلك الوقت.
لكن هذا المشهد كثيرًا مع تدفق الأموال الخليجية بداية من عام 2013، ليصل نصيب الدول العربية من الدين الخارجي المصري إلى نحو 35%، بينما انخفض نصيب المؤسسات الدولية إلى الربع في يونيو 2016. ثم عاد نصيب المؤسسات الدولية للارتفاع مرة أخرى في السنة المالية التالية بعد توقيع اتفاقية القرض بين مصر وصندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016.
وجاء تقرير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عن وضع الدين الخارجي لمصر، بعنوان “هل تخرج مصر من بحر الرمال؟” ويشمل مراجعة السياسات التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2016 والتي أدت لتعاظم الديون الخارجية، وكذلك السياسات التي تطرحها الحكومة للخروج من مأزق الديون بعد أن اعترفت به أخيرا كمأزق.
ويحلل التقرير توجهات الحكومة لبيع الأصول ومبادلة الديون بالاستثمارات أي بيع الأصول والتي ينظر إليها مجلس الوزراء باعتبارها مخرجًا من أزمة تعاظم الدين الخارجي حيث بيع الشركات والبنوك التي تستهدف الدولة خصخصتها، كي تجمع الأموال اللازمة لسد المديونيات.
44.2% من الناتج المحلي
ووصلت نسبة الديون الخارجية إلى 44.2% من الناتج المحلي الإجمالي المصري في يونيو 2025، مقابل نسبة لا تتجاوز 15% سنة 2015، العام السابق مباشرة على التوسع غير المسبوق في سياسة الاستدانة الخارجية.
وأدخلت هذه السياسة مصر في حلقة مفرغة من الاستدانة تشتري بها الوقت بدلا من حل الأزمات التي يعانيها الاقتصاد، الأمر الذي تسبب في تضخم الميزانية المخصصة لسداد التزامات هذا الدين، بشكل يزاحم المتطلبات الأساسية للإنفاق على تنمية الاقتصاد وتحسين مستوى معيشة السكان، والتي تتقلص ميزانيتها سنة بعد سنة.
وفي خطوة غير معتادة، نشرت رئاسة مجلس الوزراء على حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي مقال رئيس الوزراء الذي يقول فيه إن قضية الدين العام وأعباء خدمته تطرحان “سؤالًا مشروعًا لدى المواطنين عن القدرة على الاستمرار”، ملقيًا باللائمة في تفاقم الدين على الأزمات الخارجية.
كما تعهد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في منتصف ديسمبر 2025 بخفض نسبة الدين الخارجي من الناتج المحلي إلى 40%، وهو مستوى قريب مما كان عليه الدين في يونيو 2023.
إلا أن تتبع مسار الديون في العقد الماضي يشير إلى تطور مختلف عما طرحه رئيس الوزراء، فالتوسع في الاستدانة الخارجية لم يكن مرتبطًا في الأساس بالأزمات العالمية لأنه بدأ قبلها بسنوات، وخصوصًا منذ عام 2016، وارتبط فعليًا بتمويل مشروعات غير إنتاجية ولا تحظى بأي أولوية تنموية.
وبعضه جاء في شكل اقتراض من هيئات عامة تابعة للدولة لتنفيذ بعض من تلك المشروعات، بينما كان الجزء الآخر مدفوعًا بسداد التزامات الديون المتزايدة التي تفاقم عبئها مع تخفيض قيمة الجنيه المصري أكثر من مرة، والذي كان بدوره جزءًا من شروط المؤسسات الدولية للحصول على القروض. كما لعب الاقتراض عن طريق جذب الأموال الساخنة دورًا مهمًا في تأزم وضع الديون
ويستعرض تقرير المبادرة ملامح الدين الخارجي لمصر حسب أحدث البيانات المتاحة، وكيف يبدد الدين أثر التحسن في أداء بعض القطاعات الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة، خاصة مع ارتفاع تكلفة الأقساط والفوائد، ووصول الديون الواجبة السداد خلال أقل من عام إلى 112% من احتياطي النقد الأجنبي.
كما يستعرض المخاطر التي يمثلها على الاقتصاد وعلى مسار التنمية الذي تحتاجه مصر، ودور صندوق النقد الدولي والمؤسسات المانحة في مفاقمة الدين. ثم يقدم توصيات حول السبل المتاحة للخروج من هذا المأزق.
من بين هذه التوصيات لمعالجة أزمة الدين الخارجي خطة واضحة لتقليص الاعتماد على الاقتراض كمورد أساسي للدولة.
ليس فقط بوضع سقف للاقتراض، ولكن بشكل أكبر توجه جاد لتشجيع القطاعات الإنتاجية والخدمية الموَلِّدة للدخل والقيمة المضافة، والعمل على إعادة هيكلة السياسات الضريبية لتصبح أكثر عدالة وكفاءة لتوفر موردًا مستدامًا.
ووضع ملف الديون الخارجية تحت إشراف البرلمان، بحيث لا تُضاف ديون خارجية بدون موافقة البرلمان، أيًّا كانت الجهة المقترضة.
على أن تقدم إليه خطة للسداد وخطة لاستخدام الأموال. وأن يكون للبرلمان دور في تحديد أولويات إنفاق الأموال المقتَرَضة، بدلًا من الوضع الحالي الذي تتولى فيه الحكومة وحدها هذا الملف بدون رقابة شعبية، مع كونها المتسببة في تفاقم أزمة الديون.
ويوصي التقرير بوضع خطة خمسية معلنة مسبقًا للمشروعات المراد تمويلها بالاقتراض الخارجي، وخطة موازية لتنمية الموارد الدولارية التي تتيح السداد، يقرهما البرلمان في تشريع، وتحاسب الحكومة على درجة التزامها بهما.
ويدعو التقرير أيضًا إلى ضرورة جدولة الديون، ومد متوسط آجال سدادها المنخفضة بشدة حاليًا، والعودة إلى نسبة 90% ديون طويلة الأجل، تسدد على أكثر من خمس سنوات، ونشر شروط القروض وشروط سدادها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات