لايزال التقرير المسرب حول انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان وقعت على معتقلي حراك الريف المغربي، يثير جدلا واسعا، ليس فقط بين الدولة والأوساط الحقوقية، بل أيضا بين أطراف الدولة نفسها.
استمرت الاحتجاجات في مناطق الريف، طوال الشهور الماضية، دون أن تصل للمستوى الذي يدفع على تلبية مطالب المحتجين، ثم بدأت الدولة حملة اعتقالات واسعة لقادة الحراك، لتصبح المواجهات بين قوات الأمن والمحتجين العنوان الأبرز والحدث الأهم في المشهد السياسي المغربي، وتتحول المطالب من القضايا الاجتماعية إلى قضايا سياسية تشمل إصلاحات سياسية ودستورية، وتنتقل الاحتجاجات إلى مدن الاغتراب الأوروبي.
شباب مدينة الحسيمة التي شهدت مقتل بائع السمك؛ محسن فكري, لا يتوقفون عن استخدام ما لديهم من منصات الكترونية لتجديد المطالبة بإطلاق سراح لمعتقلين على خلفية الأحداث التي عاشتها المدينة منذ ما يزيد عن ثمانية أشهر, وبعد التطورات التي عرفتها المدينة من حيث تكثيف المسيرات، كما تأتي أيضا بعد تكثيف لجنة التحقيق التي أمر بها الملك والتي بدأت في استدعاء مسؤولين لهم علاقة بالمشاريع التي تضمنها البرنامج الضخم «الحسيمة منارة المتوسط» وبعد أن خففت السلطات التواجد الأمني الكثيف بالمدينة إثر هدنة غير رسمية متوافق عليها، كخطوة نحو تحقيق مطالب المحتجين.
لقاء وزاري مع ناشطين حقوقيين
وقد التقى ثلاثة وزراء مع ناشطين حقوقيين على خلفية تقرير لجنة التقصي الذي أصدره الائتلاف المغربي لحقوق الإنسان ويضم عدداً من المنظمات الحقوقية، حول الأحداث في الحسيمة، والذي تم تقديمه قبل ثلاث أسابيع في الرباط.
وأورد التقرير الرسمي للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، وجود حالات تعذيب، في صفوف المعتقلين الـ34 ممن شملتهم الخبرة الطبية، واعتبر ادعاءات المعتقلين حول تعرضهم للتعذيب «معقولة» واستعرض التقرير المكون من 35 صفحة، باللغة الفرنسية، «الدلائل المادية والنفسية، وشهادات المعتقلين المعنيين بالتقرير» المنقسمين إلى قسمين. الأول، يخص المعتقلين المتواجدين في سجن “عكاشة” بالدار البيضاء، ويضم 19 معتقلاً. والثاني يخص المعتقلين في السجن المحلي للحسيمة، والبالغ عددهم 15 معتقلاً.
واعتمد التقرير على طبيبين شرعيين للتقصي في مزاعم تعرض المجموعتين للتعذيب على أيدي رجال الشرطة، يومي السبت والأحد 17 و18 يونيو الماضي, حيث خلص الطبيب عبد الله دامي بعد مقابلته لمعتقلي السجن المحلي بالحسيمة، أن ادعاءات تعرضهم للتعذيب «صحيحة ومعقولة» مسجلا «عدم منح المعتقلين خلال فترة الحراسة النظرية، حق الصمت والاتصال بالأقارب وتوكيل المحامين، علاوة على توقيعهم بالقوة على محاضر للضابطة القضائية دون الإطلاع عليها» وخلص إلى «وجود آثار تعذيب، بناءً على شهادات المعنيين بالأمر والمعاينة الجسدية» في «تعارض مع الضمانات الدستورية الممنوحة للمعتقلين».
الزفزافي تعرض للضرب بالعصا على رأسه
وأبلغ ناصر الزفزافي، زعيم الحراك، الطبيب الشرعي، أنه تلقى «ضربة بواسطة عصا على رأسه، وتلقى ضربة في العين اليسرى وأخرى على مستوى البطن والمعدة، كما وضعوا عصا بين رجليه، وهو ما اعتبره اعتداءً جنسياً عليه».
وقال الطبيب بوجود آثار للتعذيب، وجرح في رأس ناصر الزفزافي بقطر سنتمترين، إضافة إلى آثار الكدمات على وجهه.
ودعا التقرير إلى فتح «تحقيق دقيق من لدن السلطة القضائية يشرف عليه أشخاص غير أولئك المرتبطين بهذا الملف، من أجل التحقق من أعمال التعذيب وضمان معاقبة المسؤولين عنه» وأوصى بإجراء تقييم طبي عقلي بشكل عاجل وتوفير متابعة نفسية للمعتقلين المعنيين والتحقيق بشكل معمق بخصوص أفعال منسوبة لضابط شرطة، يدعى عصام، ورد اسمه في شهادات أغلب المعتقلين.
وأكدت وزارة العدل الثلاثاء الماضي، أنها أحالت التقرير على القضاء وأنها أحالت الخبرات الطبية المنجزة حول بعض المعتقلين على خلفية أحداث الحسيمة، فور توصلها به على الوكيل العام للملك (النائب العام) لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء والوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالحسيمة «لضم هذه الخبرات لملفات القضايا المعروضة بعضها على قاضي التحقيق والبعض الآخر على المحكمة لاتخاذ المتعين قانونا ».
الأمن يرفض اتهامات التعذيب
بعد تسريب تقرير المجلس, أعلنت المديرية العامة للأمن الوطني، «رفضها القاطع للاتهامات والمزاعم الخطيرة الموجهة لمصالحها وموظفيها، والتي أوردها البعض بصيغة الجزم والتأكيد، استنادا إلى وثيقة جزئية منسوبة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، تم تسريبها خارج الإطار الرسمي بكيفية مشوبة بالتجاوز»! وأكدت حرصها على “صون حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها وطنيا ودوليا، واحترام ضمانات الحرية الفردية والجماعية خلال ممارسة الوظيفة الشرطية، كذا ترتيب المسؤوليات القانونية على ضوء الإجراءات والمساطر القضائية”، معربة عن رفضها، توجيه التهم ونشر الادعاءات على ضوء وثيقة جزئية غير رسمية، لم تعرض على مصالح الأمن الوطني، بالقنوات الرسمية، ليتسنى الرد على ما جاء فيها.
وأعربت المديرية عن أسفها تجاه التوظيف المتسرع والاستغلال غير القانوني لهذه الوثيقة المسربة! والذي تطبع في كثير من الحالات بالطابع السياسي، خاصة من بعض الجهات الأجنبية!
المجلس الوطني لحقوق الإنسان نفسه, استغرب «عملية التسريب الجزئي التي تمت لوثيقة حرص المجلس أن توجه حصريا إلى الجهة المعنية». ونفى محمد الصبار، الأمين العام للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، “إدخال المجلس أي تعديلات” على التقرير الرسمي المعد من طرف المجلس، حول موضوع تعذيب معتقلي الريف في السجن وقال «لا يوجد أي تعديل في مضمون التقرير”، مكتفيا بالمعطيات التي أوردها المجلس في بيانه.
واعتبر أحمد الهايج رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان تقرير المجلس الوطني ومبادرة وزارة العدل «بادرة طيبة في الاعتراف بالتعذيب والتعاطي معه بطريقة إيجابية» وهذا ما يجب القيام به بدل الرد السريع ونفي مزاعم التعذيب.
وقال عمر الشرقاوي، الأستاذ الجامعي إن تسريب التقرير «سيؤثر من دون شك في المناخ العام لتطور الأحداث في الحسيمة، في ظل سياقٍ شديدِ الحساسية بالريف»، مشددا على أن أي معلومة قد تصدر في مثل هذه الظروف ومن أي طرف، ستنعكس على مسار الإصلاحات, وفي حالة ثبوت التعذيب في حق المعتقلين، سيكون المغرب قد تراجع خطوات إلى الوراء.
ونبه الشرقاوي إلى كون تقارير المجلس الوطني لحقوق الإنسان، تخضع لهندسة محددة في إعدادها، وفق الصلاحيات المخولة له قانونا، وأن الخبرة الطبية هي جزء من ضمن الوثائق والملاحق التي يعتمدها ويستند إليها المجلس، قصد إعداد خلاصات ونتائج متكاملة، تعكس روايات متعددة، منها الصادرة عن المعنيين بالاعتقالات، والطب الشرعي وروايات المؤسسة الأمنية وتوجه القضاء.
بنكيران يحذر
من جهته حذر عبد الاله بنكيران، الأمين العام لحزب «العدالة والتنمية» المغربي, الذي يقود الائتلاف الحكومي من أن عدم إيجاد حل لحراك الريف، من شأنه أن تمتد الاحتجاجات للبلاد برمتها.
وقال بنكيران؛ رئيس الحكومة السابق، في كلمة مصورة نشرها موقع حزبه، أمس: «بجب حل المشكل بالحسيمة، وغير معقول أن تبقى الأمور متوترة بالريف، والتي ممكن أن تمتد للبلاد كاملة»
وشدد بنكيران على ضرورة توفير الهدوء ومساهمة كل واحد في إيجاد حل, وأضاف أن رسالة (حراك الريف) وصلت، فضلاً عن وجود ضحايا وجروح, في إشارة إلى المعتقلين.
ومضى قائلاً: «البلاد مثل الباخرة، إما المحافظة عليها، أو تهديدها بالغرق، وحينها لن يغرق واحد بل الجميع سيغرقون»
واعتبر «بنكيران» أن مسيرة الرباط، التي نظمت الشهر الماضي تضامنا مع مطالب الريف، أثبتت أن المغاربة يساندون مطالب الحراك المشروعة، ولا يعتبرونهم انفصاليين، وأن تلك المسيرة كانت «حاشدة ودالة».
وقال إن الحكومة تطالب بالهدوء لأنه لا يمكن أن يبقى التحدي بين الطرفين، في إشارة للسلطات ونشطاء الحراك.
العاهل المغربي وخطاب العرش
وتحدثت وسائل إعلام مغربية عن زيارة مرتقبة للملك محمد السادس للريف مع إحتمال إلقاء خطاب العرش من مدينة الحسيمة نهاية شهر يوليو الجاري.
وأشارت جريدة « الأسبوع الصحفي» إلى وجود مؤشرات وتحضيرات لزيارة ملكية مرتقبة قد تشمل مدنًا بشمال المغرب بما فيها مدينة الحسيمة، التي تشهد غليانا كبيرا، وأن الزيارة المرتقبة للملك، ستعطي دينامية جديدة للمشاريع التي سبق وأن دشنها الملك، وعرفت بعض التأخير في الإنجاز. وبحسب موقع « زنقة 20» الالكتروني، فإن هناك استعدادات بروتوكولية على أعلى مستوى بالعاصمة الرباط للإعداد لزيارة الملك إلى الحسيمة وإلقاء خطاب العرش من هناك.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات