إذا مررت بمطبخٍ ما, فإنك تستطيع التعرف على نوع المطبوخ بمجرد تركيز حاسة الشم, فما بالك إذا كان الطبخ على مرأى ومسمع من العالم، وإذا كان المطبوخ والمسلوق والمشوي والمقطع إلى أشلاء هو الشعب السوري، الذي ظل في قدر الأمم المتحدة يغلي فوق نار إيران وروسيا والطائفة الشيعية، وأخيراً بدأ الحديث يتسرب من مطابخ إيران والأسد عن تمزيق سوريا..إرباً إرباً.
الجوع أو الركوع!
الطبخة التي يتم تداولها رسمياً اليوم، كأحد خيارات القاتل بشار الأسد، تحت يافطة الاحتفاظ بـ”سوريا المُفيدة”، تأتي بالتوازي مع “تمريرات” إعلامية على هامش التسويق لخطة السمسار الدولي ديمستورا “تجميد القتال”، وكبديل مُفترض لفشل هذه الخطة، التي لم تكن يوماً بعيدة عن مطابخ الأسد – إيران”، بوصفها صورة مُحسنة “لمصالحات” الجوع أو الركوع.
وقد فضح “منذر ماخوس” سفير الائتلاف السوري المعارض في فرنسا والمتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، مؤامرة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي.آي.أيه) جون برينان عن تقسيم سوريا وقال:” ليس جديدا، فقد سبق أن ذكره من قبل”.
وكان مدير (سي.آي.أيه) قد زعم إنه لا يرى أن سوريا ستعود موحدة كما كانت، ويرى ماخوس أن قرائن مقنعة دعت برينان إلى قوله هذا وهو في أهم موقع استخباراتي يجعله يملك معطيات ومعلومات تجعله يصل إلى هذا الاستنتاج بإمكانية تقسيم سوريا.
وقال إن التقسيم ليس قدرا محتوما على السوريين رغم كل الوقائع التي تشير إليه حاليا، ولن يكون مسألة قدرية إذا كان بالإمكان إنجاز عملية انتقال سياسي، مشيرا إلى أن لدى جميع الأطراف قناعة تامة بأن الصراع في سوريا لن يحسم عسكريا.
وأضاف “هناك حلان هما: الحل العسكري ولا أحد يستطيع أن يفعله، أما الحل الثاني فهو عملية انتقال سياسي، وهما غير متوفرين حاليا فلا يبقى هناك إلا عملية تقسيم، وكل ما يحدث اليوم هو إنضاج لعملية التقسيم، خاصة أن هناك الآن مقدمات واضحة لهذه العملية الخطيرة”.
واعتبر أن الطرف الوحيد المستفيد من تقسيم سوريا هو كيان الاحتلال الصهيوني، وأن لا مصلحة إطلاقا لدول الخليج وتركيا أو أي دولة عربية في ذلك، وأنه ليس من مصلحة إيران كذلك لأنه سيرتد عليها، على حد قوله.
إما أن نحكم أو ننفصل
ويروج بشار الأسد, الذي يطالب الشعب السوري برحيله هو ونظامه العسكري الطائفي الدموي عن السلطة, منذ الأيام الأولى للثورة لشعار “إما أن نحكم أو ننفصل”، وكان الهدف من هذا الشعار مزدوجا: بتوريط الطائفة العلوية الشيعية الحاكمة بحمام الدم، على اعتبار أن حماية “قتلتها” من المُحاسبة مؤمن بالنهاية، حتى في حال الفشل بالاحتفاظ بالسلطة على كامل سوريا.
وثانيا، إخافة معظم السوريين السُّنة، المُتمسكين بوحدة البلاد، على أمل أن يُفضل هؤلاء “بيادة” بشار العسكرية، على التقسيم.
لم يعد هدف إيران، فرض الأسد للأبد، بقدر ما أصبح تأجيل سقوط سلطته، مع حرص طهران الشديد، على صورتها الجديدة ” ما بعد النووي”؛ صورة شرطي “الارهاب السني” بالمنطقة، أو الوكيل الحصري، لمحاربة التنظيمات الجهادية نيابة عن الولايات المتحدة والعالم. هكذا تحاول تقديم نفسها على الأقل، بل هذا ما تحاول اثباته، والترويج له في العراق وسوريا، بالتناغم مع داعش وبمعيته.
تُدرك طهران، عجزها عن مواجهة، التحالف العربي الذي تقوده السعودية مالياً وعسكرياً، وجهاً لوجه، كما تعرف أن مشروعها أشبه بأحجار الدومينو، سقوطه في إحدى العواصم العربية “المُحتلة”، تحديداً دمشق، يعني تهاويه تباعاً، إذا لم تضرب تداعياته، طهران نفسها.
من جهته قال أندرو تابلر كبير الباحثين في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى ومؤلف كتاب “في عرين الأسد.. رواية شاهد عيان على معركة واشنطن مع سوريا”، إن برينان كان يتحدث عن واقع، فسوريا الآن مقسمة ومجزأة بين قوى متعددة.
ونفى أن يكون هناك قرار سياسي أمريكي بتقسيم سوريا، مشيرا إلى أن المشكلة تكمن في كيفية تحقيق وحدة سوريا مستقبلا، لأن بشار الأسد ليس قادرا على استرجاع ما فقده من مدن، وكذلك المعارضة، على حد قوله.
التقسيم لمواجهة الثورة
أما الصحفي عبد الوهاب بدرخان فرأى أن تصريحات برينان “لم تأت من فراغ، فالرجل هو مدير المخابرات ويعرف الكثير”، مشيرا إلى أن تقسيم سوريا أصبح خيارا تدرسه الدول الكبرى لأنه أسهل لها من إعادة توحيد سوريا. وأوضح بدرخان أن فكرة التقسيم لم تبدأ أمريكية، وإنما وُلدت في مخططات النظام السوري لمواجهة الثورة ومخططات النظام وإيران.
وأشار إلى أن أمريكا تتناغم مع رغبات إسرائيل في تقسيم سوريا الذي ترى فيه مصلحة لها، وقال إن تركيا -التي كانت تريد نفوذا لها في حلب- أصبحت خارج الحسابات، وإن روسيا ستكون صاحبة النفوذ في حلب، معتبرا أن مشروع تقسيم سوريا أصبح محسوما.
بدوره نفى فلاديمير سوتنيكوف المتخصص في قضايا الشرق الأوسط بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم الروسية، أن تكون موسكو تسعى لتقسيم سوريا، معتبرا أن ذلك ليس من مصلحة أحد.
وقال إن سوريا يجب أن تكون موحدة ولا تقسم, وإلا فإن جغرافية المنطقة ستتغير كلية وستسيطر التنظيمات العسكرية، داعيا إلى إحياء مفاوضات جنيف بين النظام والمعارضة من أجل التوصل إلى حل سياسي للأزمة.
وفي الأخير ما تحاول عصابة (إيران – إسرائيل) فعله، هو القفز فوق “حزم” عربي مُحتمل، إلى اقتتال مذهبي سني – شيعي، لكن بأدوات عربية، مُطعمة بما تيسر من مرتزقة “شيعة” متعددي الجنسيات، بعيداً عن “إيران” حاضرة الامبرطورية الفارسية الجديدة.
وبالرغم من استبعاد البعض لهذا السيناريو نظرًا لاعتبارات الجغرافيا والطبيعة والوطنية، إلا أن آخرين يؤكدون قرب تقسيم دمشق إلى ثلاث مناطق، بين السنة والشيعة والدروز، وهو ما أكده نظام الأسد الذي أنجز على الأرض الجزء الأكبر من المهمة التي صارت حقيقة مكرسة بحدود من تضاريس, وخطوط من نار وحراس وسكان, بمساعدة دول مجاورة وترسانة عسكرية روسية غاشمة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات