توقعات مركز «ستراتفور» الاستخباراتي الأمريكي لعام 2018 (2)

منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستكون على مفترق طرق بانتهاء عام 2017 حسب توقعات مركز «ستراتفور» الاستخباراتي الأمريكي .

عدة ملفات تناولتها الحلقة الأولى، شملت التحالف غير المكتمل ضد إيران، مصيرالاتفاق النووي, الحرب السورية، التدافع في ساحة المعركة على الأرض اليمنية، ويستكمل التقرير:

المناورة السياسية

تثير السعودية المتاعب لإيران على ساحات القتال السياسية، لأنها تعمل على تقويض الأحزاب والسياسيين المدعومين من إيران في العراق ولبنان.

يذكر أن العراق ستجري انتخابات عامة في مايو المقبل، الأمر الذي يمنح البلاد لحظة نادرة لتأكيد استقلالها عن القوى الأجنبية, وسوف يدافع رئيس الوزراء؛ حيدر العبادي عن نبرة ناشئة من القومية تدعو إلى مقاومة النفوذ الخارجي بما في ذلك الأمريكي والإيراني والتركي، في حين سيحمل الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر نفس الخطاب، على أمل تحقيق مكاسب انتخابية.

وبعد انتهاء الانتخابات، ستستخدم إيران علاقاتها مع قوات الحشد الشعبي الشيعي في العراق (أنشأت بعض هذه الميليشيات أجنحة سياسية تشارك في سباق الانتخابات) لتشكيل ائتلاف حكومي.

ولتحقيق التوازن بين هذه المجموعات، سوف يقوم مجلس التعاون الخليجي بتوجيه الأموال والمساعدات إلى الأحزاب السنية والشيعية الأخرى في العراق.

ونظرا لقوة السياسيين العراقيين الشيعة الموالين لإيران، فإن كتلة الخليج سوف تواجه صعوبة في إضعاف نفوذ طهران.

وفي الشمال، في كردستان العراق، تسببت محاولة فاشلة لإعلان الاستقلال قبل نهاية عام 2017 في انقسام بين محافظة أربيل (بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني) ومقاطعة السليمانية (بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني).

وستستمر تركيا وإيران مرة أخرى في أدوارهما طويلة الأجل, باعتبارهما راعيين اقتصاديين وسياسيين للطرفين فى العام الجديد.

وفي الوقت الذي تتقدم فيه مفاوضات الحكم الذاتي مع الحكومة المركزية، ستستخدم بغداد علاقتها مع طهران في محاولة لدق إسفين بين الأحزاب الكردية بشكل أعمق، مما يزيد من حدة المنافسة الإيرانية مع تركيا.

وسوف يكون الخلاف المتزايد بين الأكراد العراقيين واضحا في نتائج الانتخابات العامة عام 2018، مما يعوق قدرة أربيل على مفاوضة بغداد بشأن عائدات النفط والأراضي المتنازع عليها.

لبنان

وفي الوقت نفسه، ستحاول السعودية استخدام رئيس الوزراء اللبناني؛ سعد الحريري للتأثير على السياسة في بيروت من أجل تقويض مصالح حزب الله, غير أن الحزب المسلح راسخ بعمق في لبنان، وعلى الرغم من المكاسب الدبلوماسية الصغيرة التي ستكسبها السعودية بين الطائفتين السنية والمسيحية في لبنان، لن تتمكن الرياض من شن هجوم فعال على مكانة حزب الله.

وستواجه تركيا حواجز مماثلة، لأنها تستند إلى صلاتها بالقادة السنة في لبنان في محاولة مواجهة شريك إيران المتشدد, ومع ذلك، سوف تسعى تركيا إلى وسائل أخرى لوضع بصمتها الخاصة في الشرق الأوسط.

وستكون قطر حليفا محتملا في هذا الصدد، حيث يرغب البلدان في مكانة إقليمية واستقلال عن الجارين القويين؛ إيران والسعودية.

وستقدم تركيا دعمها لقطر بنشر قوات ومعدات عسكرية على أراضيها وزيادة حجم التجارة. وسوف يتعارض الوجود المتزايد لتركيا في شبه الجزيرة العربية مع السعودية، مع التأكيد على الانقسامات التي تتغلغل داخل مجلس التعاون الخليجي.

وفي الوقت نفسه، فإن الشراكة الناشئة بين تركيا وقطر ستحبط محاولات المملكة لترسيخ مكانتها كقوة سنية مهيمنة في الشرق الأوسط.

استراتيجية السعودية للبقاء

وبينما تتصارع السعودية مع منافسيها في الخارج، سيتعين عليها أيضا أن تصارع آثار الإصلاحات الصعبة في الداخل.

وعلى الرغم من أن جميع دول مجلس التعاون الخليجي سوف تضطر إلى إجراء إصلاحات صعبة في العام الجديد، إلا أن إصلاحات المملكة هي الأكبر والأكثر طموحا.

وفي قلب التغييرات السياسية المحلية الجارية، سيكون هناك ولي العهد؛ محمد بن سلمان، الذي سوف يمارس سلطته الجديدة لتعزيز أجندته الكاسحة.

وسيسعى إلى الوفاء بوعوده بالإصلاح الاقتصادي الجريء، بهدف تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال الضرائب وأرباح الاستثمار، وتحفيز نمو القطاع الخاص وسعودة القوى العاملة.

ولا يمكن للمملكة أن تتحمل تأجيل هذه الإصلاحات الاقتصادية الصعبة، وسوف يرى مواطنوها قريبا علامات ملموسة على التغيير المؤلم، إذا لزم الأمر.

ولتحقيق التوازن في ميزانيتها، لن يكون أمام الرياض خيار سوى فرض ضرائب جديدة، والمضي قدما في الطرح الأولي الجزئي المخطط له لشركة النفط الوطنية (أرامكو)، الذي سيوفر رأس مال تشتد الحاجة إليه لاستثمارات المملكة في المستقبل. (يجري الحديث عن إجراء الاكتتاب في عام 2018، ولكن قد يتم تأجيله مرة أخرى).

كما قد تساهم أسعار السلع اليومية الجديدة مثل ارتفاع أسعار الوقود، في المزيد من السخط الشعبي.

وسوف تستجيب الحكومة لمطالب شعبها، وتنقح بعض الأهداف إذا اعتُبرت عدوانية جدا.

وبفضل هذا الاهتمام والمرونة، فضلا عن الرغبة في تعزيز استثماراتها الرأسمالية في العام الجديد، ستصل المملكة إلى العديد من أهدافها؛ بما في ذلك ارتفاع الإيرادات غير النفطية.

وتتطلب بعض الأهداف الاقتصادية السعودية تغييرات جريئة في السلوك الاجتماعي، الأمر الذي سيستغرق وقتا للحصول على الدعم.

وفي نهاية المطاف، يعتزم بن سلمان تصميم عقد اجتماعي جديد يضبط ما يتوقعه المواطنون من حكومتهم، والعكس بالعكس.

وفي الوقت نفسه، سوف تتخذ السعودية خطوات ملحوظة نحو ذلك العقد.

ومن المرجح أن تمنح الرياض المرأة الحق في القيادة في يونيو عام 2018، وسوف ترتفع فرص الترفيه الجديدة على مدار العام.

وسيعلن ولي العهد مع كل خطوة إعلانات مؤقتة عن التدابير المقبلة، لقياس رد فعل الجمهور، وللوفاء بتعهده بالحفاظ على الشفافية.

وعلى الرغم من أن رجال الدين المحافظين سيحاولون الوقوف في طريق الإصلاح، فإن الشباب السعودي سيدعمون بشكل متزايد رؤية «بن سلمان» لمستقبل المملكة.

مصر وليبيا

وستبقي الحكومة المصرية تراقب الرأي العام عن كثب, وستجرى انتخابات رئاسية في مايو المقبل، وسيتولى المجلس الأعلى للقوات المسلحة إدارة التصويت بعناية، مما يترك للمصريين خيارات قليلة في اختياراتهم الفعلية.

ولكن الأهم من ذلك، عدد العاملين في فعاليات الحملة، ونشاط وسائل التواصل الاجتماعي، وإقبال الناخبين، وسيكشف كل ذلك عن بعض تفاصيل آراء الناخبين عن الاستراتيجيات الاقتصادية والأمنية القائمة في مصر.

وسيتم استيعاب أي إحباط شعبي من الحكومة من خلال مرشحي المعارضة، مثل المحامي خالد علي.

ومن شأن تخفيض الدعم الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي, المقرر إجراؤه في عام 2018، أن يوجه ضربة قوية لمواطني الطبقة الفقيرة والمتوسطة، ولكن القاهرة ستحاول التخفيف من حدة التداعيات السياسية في الداخل من خلال تقديم الدعم النقدي.

وبموازاة قروض صندوق النقد، ستمارس مصر استقلالية أكبر في علاقاتها في الخارج.

وتحقيقا لهذه الغاية، ستوازن القاهرة علاقاتها مع الولايات المتحدة وروسيا، في الوقت الذي ستحتفظ فيه بعلاقاتها مع السعودية على أسس تجارية بحتة.

وعلى الرغم من أن مصر ليست صديقة لإيران، إلا أنها لا تحبذ ادعاءات السعودية بشأنها.

كما ستبقى القاهرة بعيدة عن أنقرة العام المقبل، حيث تستمر تركيا في تقديم الدعم للقضية الفلسطينية، الأمر الذي يقلل من مصداقية مصر كوسيط في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وستحاول مصر أن تأخذ في الاعتبار الإجراءات التي تتخذها تركيا، وأن تدير مشاكلها على نحو أفضل مع نشطاء سيناء، من خلال الوصول إلى علاقات أعمق مع حماس، والمجموعة الفلسطينية المكلفة بإدارة قطاع غزة.

وستساعد القاهرة أيضا في جهود واشنطن للتفاوض على اتفاق سلام جديد بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

وبجانب ذلك، سينشأ الزخم وراء محاولة إجراء انتخابات في ليبيا. ولكن بالرغم من أن المبادرة الأخيرة التي تدعمها الأمم المتحدة تحظى ببعض الدعم، فإن العديد من الفصائل المشاركة في محادثات السلام من غير المحتمل أن تنحي خلافاتها.

ومع ذلك، نشأ شكل مشترك من القومية بين أقوى الجماعات في شرق وغرب ليبيا بما في ذلك؛ خليفة حفتر, قائد الجيش الليبي، الذي يفرض نفسه على المجتمع الدولي.

وسيعزز مؤتمر وطني في تونس يهدف إلى حفز العملية الانتخابية, الأرضية المشتركة التي ظهرت في ليبيا في عام 2018.

ومع ذلك، فإن عددا قليلا من الأطراف سوف يقتنع بأن محادثات الأمم المتحدة ستلبي مطالبها، وستواصل أقوى الأطراف – ومن بينها حفتر- العمل من أجل مصلحتها الخاصة عندما تتكشف المفاوضات.

الحروب الجهادية

ويكون تنظيم الدولة قد هُزم هزيمة تامة في العراق وسوريا، ولكن الحرب ضد الجماعات المتطرفة في العالم لم تنته بعد.

وستحاول القاعدة استغلال انهيار ما يسمى بخلافة الدولة الإسلامية لتلميع سمعتها كزعيم للحركة الجهادية العالمية، ونشر رؤيتها للنضال الطويل.

وستهدف جهود التجنيد التي تبذلها المجموعة إلى جذب أتباع الدولة الإسلامية الحاليين والمحتملين في عام 2018.

وسيسعى كل من تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية إلى استهداف دول ضعيفة تصلح كمعاقل جديدة أو لتوسعة مواقعهما القديمة، مع التركيز على اليمن وليبيا وشبه جزيرة سيناء.

وتكون الأماكن غير الخاضعة للحكم في منطقة الساحل وأفغانستان والصومال مغرية بالنسبة لهم أيضا.

وفي الوقت نفسه، سوف تنقلب الأمور بين القاعدة وقواعدها في النزاعات في جميع أنحاء الشرق الأوسط, بما في ذلك سوريا, حيث قد يعرض الانشقاق بين تنظيم القاعدة وجبهة تحرير الشام تماسك المنظمة للخطر.

ومع استمرار المعركة على قلوب وعقول المجندين المحتملين في جميع أنحاء العالم، فإن تهديد المتشددين المحليين المستوحى من الأيديولوجيات المتطرفة المتنافسة سيزداد، مع وقوع المزيد من الهجمات.

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …