تقريبا، لا حديث في الولايات المتحدة الأمريكية والعالم اليوم، يسبق الحديث عن ملفات إبستين ، “جيفري إبستين”، تاجر الجنس الشهير، الذي مات منتحرا في سجنه ـ أو نحروه ـ حسب ما هو شائع لدفن شهادته معه، والذي كان يجهز “الضحايا” لمشاهير أمريكا والعالم، من نساء وأطفال للمتعة، الملفات التي بدأ نشرها مذهلة في تفاصيلها وصورها ودلالاتها، وهناك صراع أجهزة في أمريكا اليوم حول دور السي آي إيه، في “تنظيف” الملفات التي يتم نشرها تباعا من أجزاء شديدة الحساسية، تتعلق بأسماء أمريكية وعالمية بارزة، في مقدمتها بالطبع الرئيس ترامب، الذي يتهم الآن على نطاق واسع بأنه كان أحد أشهر وأهم زبائن تاجر الجنس الشهير وتنشر صوره وفيديوهاته في ذلك المستنقع تباعا الآن.
قضية إبستين مشينة جدا، وفضائحية بامتياز، ومسقطة لمكانة وهيبة وكرامة عدد كبير جدا من الشخصيات الأمريكية والعالمية الرفيعة، بدأت رسميا بتجريد الأمير “أندرو” من جميع ألقابه الملكية في بريطانيا، فيما يمكن وصفه بالاعتراف الضمني بصحة الاتهام بتورطه في الاستفادة من “ماخور” إبستين ، وقد تحولت الملفات إلى مادة ثرية ومشوقة للإعلام الأمريكي والدولي، وأيضا منصات التواصل الاجتماعي التي تبث قطعا منها على مدار الدقيقة حاليا.
غير أني أود أن أنظر إلى تلك القضية، وملفاتها، من زاوية أخرى، تاريخية وحضارية وفكرية، يأتي في مقدمتها ـ من وجهة نظري ـ أن هذه الممارسات المشينة والمنحطة والمهينة لكرامة الإنسان، قد مورست في أحد أهم مجتمعات “الحداثة” الإنسانية في عالم اليوم، وهي الولايات المتحدة، وهناك أحداث مشابهة وقعت في عواصم أوربية أخرى على مدار السنوات الماضية أيضا، تورط فيها فنانون ورياضيون وكهنة في الكنائس وسياسيون، غير أن قضية “إبستين” تنفرد باعتمادها على اغتصاب الأطفال والقصر مع النساء “المحظيات”، وأيضا تورط شخصيات سياسية رفيعة، بعضها ما زال في سدة الحكم في بلاده، سواء داخل أمريكا أو خارجها، وهذا ما أضفى عليها المزيد من الإثارة والضجيج الإعلامي واسع النطاق.
ما حدث، وتتكشف فصوله على مدار اللحظة حاليا، يوضح بجلاء أن “الإنحراف” الجنسي لا يتصل بدين أو نمط حضاري، ولا بجهل ولا علم، ولا مستوى اجتماعي متدني أو رفيع، بقدر ما يتصل بانحرافات شخصية أو ميول للفجور والاستهانة بالحرمات، وأنه ـ على مستوى الحضارات ـ كثيرا ما يتصل بمراحل الترف التي تنذر بانهيار الأمم، ولقد تم التشنيع على الحضارة الإسلامية طويلا من قبل مستشرقين غربيين ومقلدين لهم من أبواق محلية، بأنها عرفت الغزل بالغلمان واشتهائهم، واعتبروا ذلك أنه دلالة على ظلامية فكرية، وحقبة من التوحش والانحطاط، ومرحلة متعثرة من تطور حضارة الإنسان، فبماذا توصف فضائح إبستين الجنسية اليوم؟ واشتهاء الغلمان والمحظيات من قبل نخبة رفيعة من السياسيين والإعلاميين والمفكرين ورجال الأعمال، وهي فظائع تحدث في واشنطن ترامب وكلينتون في القرن الحادي والعشرين، وليس بغداد هارون والمأمون في القرن الثامن والتاسع الميلادي؟.
أيضا، كانت هناك أفكار ونظريات تربوية وفلسفية، تزعم أن بعض القيم الإسلامية التربوية، هي السبب في انتشار “الشره الجنسي” والانحرافات، والتحرش الجنسي، وأن انتشار الحجاب والنقاب الذي يخفي جسد المرأة ولا يجعل المجتمع معتادا على رؤيته مكشوفا ومتطبعا مع العري، والفصل بين الإناث والذكور في مراحل التعليم، هي قيم تورث الكبت الجنسي الذي ينفجر في صورة التحرش والاغتصاب والظواهر المنحرفة، بينما نظام التعليم المختلط، والمجتمع المفتوح بلا تحفظ والعاري بلا حجاب أو نقاب يستر أجساد النساء، هو الذي يهذب الشهوات، ويمنع وجود الكبت الجنسي، وبالتالي يجعل الإنسان أقرب للانضباط والأخلاق والذوق الرفيع في التعامل مع الجنس الآخر، وها نحن نرى خريجي مدارس الاختلاط، وخريجي أرقى جامعات الحداثة الأمريكية، جامعات النخبة، في أكبر مجتمع “حداثي” في العالم، ينفجرون جنسيا في أحط صور الانحطاط الجنسي، مع أطفال وقصر و”محظيات” شبه مختطفات، فهل كان كل هؤلاء من خريجي مدارس طالبان في أفغانستان مثلا، أو مدارس الجمعيات الدينية الإسلامية في الشرق؟، وهل يمكن أن تدفع تلك المفارقة أصحاب نظريات “الكبت الجنسي” في مجتمعات الشرق، ومشوهي قيم الحجاب، إلى شيء من التواضع الفكري والفلسفي ، ويعيدون النظر في مسلماتهم التي ثبت بحكم الواقع ودلائله أنها محض هراء أو كراهية أيديولوجية للإسلام وآدابه وقيمه، ولا صلة لها بالعلم أو العقل أو الواقع أو الحقيقة ؟.
أيضا، هذه الجريمة المشينة، والضخمة، والتي لها ـ كما قدمنا ـ أشباه في عواصم غربية، تورط فيها قساوسة، كما في إسبانيا وفرنسا، حيث حوكم المئات من الكهنة على خلفية تورطهم في جرائم اغتصاب الغلمان على مدار عقود، أقول : لماذا تتجاهل النخب العلمانية والحداثية المزعومة في بلاد الشرق تحليل هذه الجرائم ووضعها في إطارها الديني والمجتمعي والحضاري، كما كانوا يفعلون مع أي “هفوة” تقع في مجتمعات الشرق من عالم دين أو شخصية دينية، ويقيمون عليها المآتم، وحفلات التحليل المغرض والعدواني، والدراسات والمقالات التي تفسر “خطأ ” شخصيا في إطار إدانة دين بكامله، وحضارة بتاريخها، ومجتمعات بكل تنوعاتها، وإذا تصورنا أن ملفات إبستين الجنسية الفضائحية كانت في عاصمة عربية أو بلد عربي أو إسلامي، هل كانوا سيتعاملون معها بهذا البرود نفسه، كمجرد ضجيج سياسي، وانحرافات نخبة مترفة، أم كانوا سيقيمون حفلات التشهير بالدين والمتدينين، والتحقير من “المجتمع الإسلامي” ويسخرون من المجتمع “المتدين بطبعه” كما درجوا في سخرياتهم، ويرددون العبارات المحفوظة عن كيف أن الفكر الديني يؤدي إلى هذه الانحرافات بحكم انغلاقه وظلاميته، وكيف أننا بحاجة إلى تجاوز منظومة القيم الإسلامية الظلامية البالية التي تنتج الكبت الجنسي لينتقل مجتمعنا “المتخلف” إلى مرحلة الحداثة والاستنارة والانفتاح التي تصنع مجتمعا ناضجا ومستنيرا وأخلاقيا على نمط مجتمع “إبستين” ؟!
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات