السراب الاستراتيجي سياسة امريكية “ترمبية” يسوق من خلالها الوعود، ويجني من حلفاء بلاده المال، في حين تراكم موسكو وبكين مكاسب جيوسياسية يصعب تقديرها بدقة؛ نموذج يمكن تتبعه من خلال رصد السياسة الخراجية الامريكية في الباسفيك وجنوب شرق اسيا، ولعل النموذج الاكثر غرابة والاكثر حداثة النموذج القائم في شبه الجزيرة الكورية.
فلقاء رئيس الوزراء الياباني شينزوا ابيي والرئيس الامريكي ترمب في واشنطن تخلله مفاجأة صادمة؛ اذ اكد ترمب وخلال استقباله “ابيي” الشائعات التي تسربت الى وسائل الاعلام عن لقاء سري عقد بين مايك بومبيو الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الامريكية والمرشح لتولي منصب وزير الخارجية مع الرئيس الكوري الشمالي “كيم جونغ اون”؛ وذهب ترمب ابعد من ذلك بالقول انه على استعداد للتواصل مع الرئيس الكوري الشمالي عبر الهاتف؛ واتبعه بالاعلان عن محادثة هاتفية مع الرئيس الصيني.
شينزو ابيي لم يتوقع ان يتم هذا الاعلان اثناء استقباله في البيت الابيض بل بعد الخلوة في مؤتمر صحفي مشترك؛ ظهرت على “ابيي” بعض مظاهر الدهشة؛ الكشف عن اللقاء السري استبق الاعلان عن توقيع اتفاق بين البلدين اليابان وامريكا بشراء طائرات حربية بقيمة 10 مليارات دولار؛ لم يكتف ترمب بذلك بل جعل لب الحوار والنقاش في كافة اللقاءات التي ضمت “ابيي” تتعلق بالخلل في الميزان التجاري بين البلدين، وضرورة تعديله لصالح الولايات المتحدة الامريكية في تكرار ممل اشبه بالتقريع.
ترمب لم يتوقف للحظة عن الحديث عن الشراكة التجارية مع اليابان، وترك اخبار اللقاءات السرية للصحافة الامريكية تعليقا وتحليلا؛ لتطغى على الحدث الابرز وهو لقاء ترمب وابيي؛ الامر ظهر وكأن ترمب حدد اجندة زيارة رئيس الوزراء “شينزوا ابيي” ونزع عنها الصبغة الاستراتيجية الثنائية لتتحول الى مساومات تجارية بحتة؛ فطوكيو مطالبة الى جانب سيؤول “كوريا الجنوبية” بتقديم فاتورة جديدة؛ تفوق في اهميتها ونتائجها ما يمكن ان يدور بين ترمب وكيم في اللقاء المرتقب بين الزعيمين النوويين.
فالزعيم النووي كيمح جونغ اون كافأ ترمب مباشرة بالإعلان عن وقف التجارب النووية والصاروخية في بادرة حسن نية تهدف الى تشجيع الولايات المتحدة للمضي قدما في تطوير محادثاتها مع بلاده التي امتلكت عمليا القنبلة النووية والهيدروجينية بل القدرات الصاروخية البالستية العابرة للقارات، وجل تركيزها بات منصبا على توظيف هذا الانجاز في تفكيك التحالفات جنوب شرق اسيا والباسفيك.
بيونغ يانغ تدرك اهمية ترمب وقيمته السياسية، ولا تمانع في مكافأته ودعمه في طموحاته؛ فجل ما تريده تفكيك تحالفاته وتخفيف الضغوط الامريكية بتنسيق واضح مع الصين وروسيا بعد الزيارات الاخيرة التي قام بها “كيم” الى موسكو وبكين؛ تنسيق يفوق في قيمته الاستراتيجية التنسيق والتعاون الامريكي- الياباني -الكوري الجنوبي مع واشنطن الذي تسوده المساومات التجارية والاقتصادية.
الحوار الامريكي الكوري الشمالي تحول الى كابوس يخيم على كل من “سيؤول” كوريا الجنوبية “وطوكيو” اليابان؛ اذ تحولت اليابان وكوريا الجنوبية من شركاء وحلفاء لأمريكا الى منافسين تجاريين وساحة للمناورة السياسية للاقتراب من كوريا الشمالية ومحاورتها.
فالولايات المتحدة تسعى الى ممارسة الضغوط على حلفاها لجني المزيد من المكاسب الاقتصادية على حساب حلفائها في طوكيو وسيؤول، وتحويل انظار الامريكيين نحو الساحة الخارجية وانجازات ترمب الاستعراضية بعيدا عن الازمة الآخذة في التعمق في البيت الابيض والساحة السياسية الامريكية التي يسودها التصارع.
أزمة ترمب الداخلية ومن خلفها رؤيته حولت الشراكات الاستراتيجية الى مساومات تجارية يسهل فك طلاسمها؛ فالوعود تتحول الى سراب؛ والسراب يتحول في يديه الى مال؛ والمال يدفعه الى المزيد من الوعود لجمع المزيد من السراب الاستراتيجي؛ نموذج لا يقتصر على الباسفيك وجنوب شرق اسيا وإنما نمط عام في سياسته الخارجية يمتد الى وسط آسيا وغربها والخليج العربي وافريقيا واوروبا من ورائها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات