أثارت اقالة ريكس تيلرسون قدرا من الفوضى في الساحة السياسية الامريكية؛ اذ علم بإقالته من خلال تغريدة للرئيس الامريكي ترمب، وتم الاعلان عن تعيين مايك بومبيو مدير CIA ليحل مكانه، في حين تم تعيين نائبه في جهاز CIA جينا هاسبل كمديرة جديدة لتحل محل بومبيو.
تيلرسون الذي عاد من افريقيا كان محملا بالفشل الناجم عن ضعف الأدوات التي امتلكها لمخاطبة الدول الافريقية؛ فنصف مليار دولار من المساعدات لن تعينه على تقديم السكاكر لشعوب القارة، في حين ان برنامج المساعدات والقروض الصينية يتجاوز 20 مليار دولار، الأهم من ذلك ان العديد من السفارات الامريكية تفتقد الى كوادر مؤهلة وسفراء شاغرة منذ توليه الوزارة امر سيرثه بومبيو.
عاد تيلرسون مهزوما من افريقيا لضعف أدوات السياسة الخارجية، ولتضاربها مع حلفاء عرب في الاقليم يرغبون في لعب دور الوكيل، الامر الذي تحبذه ادارة ترمب لكلفته المنخفضة؛ فتيلرسون مثل عائقاً امام الوكلاء الاقليميين في المنطقة، والاطاحة به اصبحت اجدى لإدارة ترمب، ومحبذة من الدول الاقليمية الموالية لواشنطن، إلا أن البدائل لا تمثل حلولا منطقية إنما تقود الى مزيد من الفوضى فبومبيو معروف بنزعته اليمينية المتطرفة التي ستفاقم من أزمة السياسة الخارجية الامريكية.
بومبينو سيصطدم بشكل مباشر مع العديد من الملفات الاقليمية كملف العملية العسكرية التركية في عفرين ومنبج؛ ففي الوقت الذي كان ينتظر ان تستأنف اللجان التركية الامريكية لقاءاتها منتصف هذا الشهر اجتماعاتها استكمالا لجهود الجنرال مكامستر ووزير الخارجية السابق تيلرسون، جاءت التغييرات لتربك المشهد بأكمله؛ ما يعني ان تركيا ستجد نفسها في مواجهة طاقم جديد يميل في رؤيته للإقليم الى وجهة النظر المعادية لتركيا؛ بسبب تحالفات الأدارة الأمريكية وتوجهات انصارها في الاقليم الذين يناصرون التغييرات الجديدة، أمر من الممكن أن يدفع تركيا الى مزيد من التقارب والانفتاح على موسكو وطهران.
التنقلات والإقالات الجديدة ستسعر الصراع في البحر الاحمر وفي وسط آسيا وشمال افريقيا وستعقد الملف الايراني والكوري الشمالي والفلسطيني، مسألة ألقت بظلالها منذ اللحظات الاولى لانطلاقة حملة التغييرات التي قادها ترمب؛ فالصراع في البحر الاحمر يقترب من ذروة جديدة جاذبا خلفة الملف الفلسطيني، والملف الكوري الشمالي يجر خلفه بقوة الملف الايراني والسوري.
بالنسبة للصين وروسيا تعد الخطوة الامريكية امتداداً لحالة التخبط والوهن والفوضى في البيت الابيض، لتعزز بذلك من فرصها في وسط آسيا وجنوبها ولتقدم لها قوة دفع كبيرة في القارة الافريقية امام حالة الفوضى واللااستقرار في السياسة والإدارة الأمريكية الفاقدة للاستقرار.
التداعيات تمتد الى القارة الاوروبية التي بدأت منذ اللحظة الاول في تقديم تقديرات جديدة للموقف في الفيدرالية الامريكية تجاه قضايا كبرى كروسيا والصين وايران والحمائية التجارية، والبحث عن سبل للتعامل مع الطاقم الجديد وخصوصا جينا هاسبل التي تعد احد كبار الداعمين لعمليات التعذيب في المعتقلات الامريكية حيث ادارت سجن «عين القط» في تايوان وهي عرضة للملاحقة القانونية في القارة الاوروبية.
المعركة في بدايتها ونيراها ستتطاير في كل مكان، بدءا بأروقة الكونغرس الامريكي الذي سيناقش قرارات ترمب وسيصادق او يرفض هذه التعيينات، في مقابل معركة ستشتعل في الساحة السياسية والاعلامية الامريكية لمناقشة هذه القرارات التي ستدوم اسابيع واشهراً من الممكن ان تمتد الى تاريخ المواجهة الحاسمة للانتخابات النصفية في الكونغرس الامريكي.
توقيت الاقالات والمعركة المشتعلة في امريكا كان من الممكن ان يكون متفهماً لو جاء بعد انتخابات الكونغرس؛ باعتبارها محاولات لتعديل نهج الادارة الحالية وتدارك اخفاقاتها، ولكنها جاءت لتؤكد هذا النهج ومساره لاستغلال الاغلبية الجمهورية التي سيكون لها دور كبير في إقرار ورفض هذه التعيينات، خصوصا ان بومبيو مقتنع بأن التدخل الروسي في الانتخابات لم يؤثر في النتائج.
في المحصلة النهائية، فإن المعركة الدائرة في امريكا باتت ممتدة ومربكة للسياسة الامريكية الداخلية والخارجية، فاتحة المجال لفراغ سياسي يعزز من مكانة الوكلاء الاقليميين لإدارة ملفات كبرى وحساسة؛ ما سيكون له اثار خطيرة على الاستقرار الاقليمي المرتبط بالفيدرالية الامريكية؛ اذ من الممكن ان يمثل بوابة لتسخين الصراعات ومزيد من الاضعاف للنفوذ الامريكي في المنطقة؛ فرهان الوكلاء الاقليميين على ادارة ترمب وشعورهم بالنشوة لن يدوم طويلا، فالكلف مرشحة للارتفاع، والتحقيقات ستتوسع حول الاختراقات للساحة الداخلية الامريكية، والعطب سيضرب السياسة الجديدة كما سابقتها.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات