حازم عياد يكتب: مناورة الانسحاب من الاتفاق النووي

الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي تحول إلى مناورة استراتيجية سياسية واقتصادية وامنية واسعة، تستثمر فيها الاطراف المتصارعة لتحقيق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية؛ مناورة امتدت وتشعبت لتشمل القوى الدولي والاقليمية المؤثرة في الازمة وعلى رأسها روسيا وتركيا بل الصين.
فإيران حاولت قبل وبعد الانسحاب الامريكي الاستفادة من الرفض الروسي والصيني والأوروبي للقرار الامريكي، سواء من خلال توظيف حالة الافتقار الى التجانس بين الحليف الاوروبي والامريكي ام من خلال تحفيز الصراعات الداخلية في الولايات المتحدة الامريكية.
ايران لم تكتف بمناورات التوظيف وإنما سعت للضغط على حلفاء امريكا في المنطقة وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي، وثلة من دول الخليج العربي لإرباك واختراق الجهود الامريكية، وراهنت على الصراعات والخلافات داخل البيت الخليجي والعربي التي ارتبطت بتضارب المصالح الجيوسياسية كما هو الحال مع عُمان، او المصالح السياسية كما هو الحال مع قطر، او الحقوقية والمبدئية والايدولوجية كما هو الحال مع الفلسطينيين.
في المقابل فإن الولايات المتحدة اضطرت الى خوض العديد من المناورات الداخلية والدولية والاقليمية لتمرير قراراها بالانسحاب من الاتفاق النووي، تمهيدا لفرض عقوبات على ايران ولم تنجح نجاحا ماحقا رغم جبروتها وعظمتها كقوة دولية؛ ذلك ان هذه المناورات لم تبلغ الهدف الاستراتيجي المطلق بعد وهو محاصرة ايران بالكامل وعزلها واخضاعها، الا أنها استفادت من هذه المناورة في انجاز بعض الخروقات المالية على الجبهة الخليجية والجبهة التطبيعية مع اسرائيل.
ايران تملك هامش للحركة؛ اذ اتاح لها الرفض الدولي والاقليمي للقرار الامريكي هامشا واسعا للمناورة، رفضٌ عبر عنه الرئيس التركي اردوغان مؤخرا، ومن قبله الدول الاوروبية الكبرى (فرنسا والمانيا وبريطاني) والاتحاد الاوروبي الى جانب روسيا والصين طبعا، فاتحا الباب لمزيد من الدول الاقليمية والصغرى للتعامل مع ايران باجتراح صيغ جديدة للعلاقة تمكنها من التفلت والتهرب من الاجراءات الامريكية المشددة والمتوقعة لمعاقبتها وحصارها.
فإيران تملك فرصة افضل للتعامل مع العقوبات ما بعد الانسحاب الامريكي في حال الاستفادة من هذه المتغيرات الدولية والاقليمية.
المناورة لا تقتصر على امريكا وايران إنما تمتد الى القوى الدولية المتحفزة لتعظيم دورها ومكاسبها من الفوضى التي اجترحها  ترمب المتهور وعديم الخبرة، والمدعوم بطاقم من الايدولوجيين ورجال الاستعراضات في امريكا؛ فروسيا على سبيل المثال تدرك حاجة ايران الاقتصادية للحفاظ على شريان الحياة القادم من تركيا والصين والهند وروسيا وعدد من دول الجوار؛ اذ يحتل الاولولية في مواجهة التحدي الامريكي والاسرائيلي، فإيران من حيث الجوهر ليست متحفزة للحرب بقدر تحفزها لمواجهة العقوبات الاقتصادية، وتجاوزها فهي الأولوية.
حاجة وضرورة ايرانية أتاحت لروسيا وتركيا والصين الاستفادة من عمليات التسخين الاسرائيلية وما يتبعها من مخاوف امريكية واسرائيلية للعب دور المبرد للازمات والقادر على احتوائها. 
فروسيا تقدم نفسها كضامن يمنع التدهور الكبير الذي من الممكن ان يقود الى حرب، وتسعى الى تعظيم دورها ومحاولة إدارة علاقاتها مع الكيان الاسرائيلي وايران بإظهار نفسها كقوة قادرة على فرض الاستقرار وتخفيض حدة التوتر لتحل بالتدريج كضامن للسلام ومحرك للدبلوماسية امر تحقق في كوريا الشمالية لكل من الصين وروسيا فبدون النشاط الصيني والروسي ما كان لترمب ان يحقق اي تقدم في الملف الكوري. 
فالانسحاب الامريكي تحول الى مناورة تسعى كل الاطراف للاستفادة منه وهنا يكمن الدرس والعبرة في الملف النووي الايراني فهو مؤشر على الفشل الامريكي والتهور غير المدروس الذي فتح الباب لمناورات دولية واقليمية اوسع.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …