حرب مقدسة .. كيف يتعامل الغرب مع الجهاديين المسيحيين العائدين من القتال بأوكرانيا؟

عقب رفض حكومات الغرب إرسال جيوشها إلى أوكرانيا خشية اندلاع حرب عالمية، وإعلان أوكرانيا تشكيل “فيلق للمتطوعين الأجانب”، انتشرت في أميركا ودول أوروبية دعوات التطوع، لا سيما بين اليمينيين المتطرفين، لقتال الجيش الروسي باعتباره شيوعيا وثنيا.

وفي ظل عدم اعتراض غالبية الدول الغربية على سفر مواطنيها إلى أوكرانيا، برز نوعان من المتطوعين، أولهما، المحاربون القدامى الذين أنهوا خدمتهم العسكرية ويملكون خبرات قتالية، وبعضهم مرتزقة، سيزيدون من ثرواتهم في أوكرانيا.

والنوع الثاني: مجموعات من التيارات المسيحية اليمينية النازية المتطرفة، وتعتبر السفر لأوكرانيا “واجبا دينيا” أو “جهادا مسيحيا”، والأهم فرصة جيدة للتدريب واكتساب خبرات، ومن ثم العودة لإثبات وجودها، وهو ما يمثل خطرا وجوديا على الغرب.

ويرى مراقبون أن من أهم ما كشفته الحرب في أوكرانيا الدائرة منذ 24 فبراير/ شباط 2022، هو النفاق العالمي، الذي تمثل في السماح لأعداد كبيرة من المتطوعين الأجانب بالمشاركة في القتال ضد روسيا دون وصفهم بالإرهاب أو العمالة.

بينما تسلط هذه الاتهامات على العرب والمسلمين عندما يعلنون الدفاع عن فلسطين أو المسلمين المضطهدين في مختلف أنحاء العالم.

حجم المتطوعين

بحسب رصد لموقع “الاستقلال” يتضمن موقع “القتال من أجل أوكرانيا” (fightforua.org) المعني بقبول المتطوعين الأجانب طلب متطوعين من 55 دولة، من أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الخارجية الأوكرانية، المشرفة على الموقع أنه فور إطلاقه في 6 مارس/ آذار 2022 زاره نحو 13 مليون شخص خلال الـ24 ساعة الأولى، وأشارت إلى تقدم الآلاف بطلب للتطوع.

وعقب ذلك، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن 16 ألفا من المتطوعين الأجانب انضموا بالفعل للقتال ضد روسيا ووجه لهم التحية.

منصة “نكستا” الإعلامية البيلاروسية، بثت في 7 مارس مقطعا مصورا يظهر وصول أول مجموعة متطوعين بريطانيين لأوكرانيا للمشاركة في الحرب، وقال أحد المتطوعين إن معظمهم سبق وأن خدموا في الجيش البريطاني.

كما أخبر وزير الخارجية الأوكراني دميترو كوليبا، قناة “سي إن إن” الأميركية في 6 مارس أن 20 ألف مقاتل أجنبي من دول أوروبية أعلنوا استعدادهم للتطوع من أجل مساعدة أوكرانيا في الحرب، لأنهم “يكرهون روسيا”.

وأكدت صحيفة “كييف إندبندنت”، انضمام 20 ألف متطوع أجنبي إلى القوات الأوكرانية لمحاربة روسيا بين 6 و9 مارس فقط.

أيضا أكدت “كييف إندبندنت” أن 3000 متطوع أميركي استجابوا حتى الآن لدعوة أوكرانيا للخدمة في كتيبة دولية ستساعد في مقاومة الغزو الروسي، حسبما صرح ممثل عن السفارة الأوكرانية في واشنطن لإذاعة صوت أميركا.

كذلك أكدت “مجموعة المتطوعين الفرنسيين في أوكرانيا” أنها جمعت أكثر من 7000 عضو متطوع منذ إنشائها قبل أسبوع، ومجموعة “مغادرة فرنسا لمساعدة المدنيين الأوكرانيين” الفرنسية أيضا قالت إنها تضم حوالي 2000 عضو.

حكومات داعمة

وعرضت حكومات أوروبية وغربية تقديم الدعم للذين يرغبون في الانضمام إلى الجانب الأوكراني وسمح بعضها لمواطنيها بالتطوع.

وكانت الدنمارك أول من فعل ذلك في 27 فبراير 2022 بإعلان أن “التطوع خيار يمكن لأي شخص اتخاذه”، وتبع ذلك تأييد حكومة لاتفيا، وتقديمها مشروع قانون يسمح لللاتفيين بالتطوع.

كما أعلنت جمهورية التشيك، في 3 مارس أن مواطنيها الذين يرغبون في التوجه إلى أوكرانيا للمشاركة في القتال ضد الغزو الروسي “لن يتعرضوا لأية عقوبات”.

كما تقدم للتطوع 70 يابانيا، بينهم 50 عضوا سابقا في قوات الدفاع الذاتي اليابانية، إلى جانب 2 من قدامى المحاربين في الفيلق الأجنبي الفرنسي، إضافة إلى العشرات من الولايات المتحدة وكندا.

وكانت صحيفة “كييف إندبندنت” نشرت في يناير/كانون الثاني 2022، تقريرا حول التطوع للدفاع عن أوكرانيا، أكدت فيه أن الجيش سيوقع عقود خدمة رسمية 3 سنوات مع الأجانب المتطوعين “وسيتقاضون رواتبهم بالتساوي مع زملائهم الأوكرانيين”.

وأوضحت أنه “يحق للمحاربين الأجانب في التشكيلات العسكرية الأوكرانية التقدم بطلب للحصول على الجنسية الأوكرانية بموجب إجراءات مبسطة”.

ونشر موقع “سايلنت بروفيشنال”، المتخصص بوظائف الدفاع والأمن الخاص، نموذجا لعقد للقتال في أوكرانيا، مقابل أجر يومي يتراوح بين ألف وألفي دولار في اليوم الواحد، بالإضافة إلى المكافآت.

وأشار إلى أن بعض الأجانب، من المملكة المتحدة وبيلاروسيا وأذربيجان والسويد ودول أخرى، سبق أن خدموا بالفعل مع تشكيلات عسكرية أوكرانية في منطقة الحرب في دونباس شرقي البلاد.

والغريب أن فرنسا لم تمنع التطوع للقتال في أوكرانيا، رغم أن القانون الفرنسي يقضي بالسجن لمدة خمس سنوات على “المرتزقة الذين تم تجنيدهم على وجه التحديد للقتال في نزاع مسلح”

كما أن “للحكومة البريطانية تاريخا طويلا في تطبيق قانون التجنيد الأجنبي بشكل انتقائي للغاية في النزاعات التي تتطلب انتقال متطوعين ومقاتلين للخارج”، بحسب  موقع “ذا كونفرزيشن” الأسترالي في 8 مارس 2022.

فوزيرة الخارجية ليز تروس قالت في تصريح غامض إن القتال في أوكرانيا “شيء يمكن للناس اتخاذ قراراتهم بشأنه”، بينما قال المدعي العام دومينيك جريف أن أي بريطاني يسافر للقتال هناك سيكون انتهك قانون التجنيد الأجنبي لعام 1870.

وشهدت المحاكم البريطانية العديد من القضايا المتعلقة بمواطنين ذهبوا للمشاركة بالقتال في سوريا عام 2014، وتم اعتقالهم عند عودتهم، بتهمة المشاركة في نزاع مسلح.

أيضا لا تشجع واشنطن ظاهريا، الأميركيين على الذهاب للقتال في أوكرانيا، لكن قناة “wcnc” أكدت في 10 مارس سعي آلاف الأميركيين للتطوع للخدمة في أوكرانيا، ووقوفهم في طوابير أمام مقرات للتجنيد في ولايات منها جورج تاون.

مخاطر المتطرفين

“حالة عدم الاستقرار في أوكرانيا توفر للمتطرفين، من دعاة سيادة العرق الأبيض، فرصا كبيرة للتدريب على السلاح والقتال الميداني”.

هكذا علقت على المشهد، مجموعة صوفان للاستشارات الأمنية والاستخبارتية، التي توثق مراحل تحول الصراع في أوكرانيا إلى بؤرة حشد دولية للمؤمنين بتفوق العرق الأبيض، في تقرير نشره موقع “سايت إنتلجنس” المعني برصد الجماعات المتشددة في 23 فبراير 2022.

“سايت إنتلجنس” أشار أيضا إلى اجتذاب الموقع الذي فتحته حكومة أوكرانيا للتطوع، للعشرات من المجموعات اليمينية المسيحية المتطرفة، ما يعني أن أزمة سيواجهها العالم مع هذه الجماعات المقاتلة المتطرفة بعد انتهاء الحرب.

وتساءل: هل سيعاملهم العالم كإرهابيين كما كانوا يصنفون من يذهب للجهاد في أفغانستان ضد الروس مثلا؟ أم مستجيبين للواجب المقدس؟!

“ريتا كاتز” مديرة مجموعة سايت إنتلجنس، قالت إن الخطورة تتمثل في أن “الدافع للسفر إلى أوكرانيا هو الحصول على تدريب قتالي”، لهذه الجماعات من القوميين والنازيين الجدد المؤمنين بتفوق العرق الأبيض وغيرهم من اليمين المتطرف.

وأوضحت لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية في 25 فبراير 2022، أن الدعوة للانضمام إلى مجموعات شبه عسكرية تعتزم المشاركة في قتال روسيا لها أيضا “دوافع أيديولوجية”

وأضافت أن هذه الجماعات اليمينية المتطرفة تنظر إلى الحرب ضد روسيا على أنها حرب ضد الشيوعية اللادينية، وتتشبث بالروايات التاريخية للحرب العالمية الثانية.

وتقول نيويورك تايمز أنه “كثيرا ما تجتذب الحروب الأهلية وحركات التمرد متطوعين من الخارج، وقد ينضم البعض في البداية لأغراض إنسانية، لكنهم يفاقمون ويطيلون الصراع والعنف”، وخاصة لو كانوا يعتنقون أفكارا دينية متطرفة.

أزمة معقدة

صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية حذرت أيضا في 10 مارس 2022 من مخاطر أن تصبح الجماعات اليمينية المتطرفة التي ستذهب لأوكرانيا “شبكات تجنيد” في وقت لاحق يؤثر على أمن أوروبا.

ونقلت عن المؤرخ “نير أرييلي”، أنه يمكن للمقاتلين الأجانب أن يخدموا ثلاثة أغراض رئيسة هي: تعويض النقص في القوات المقاتلة، وسد الفجوات في المهارات، والأهم تعزيز الدعاية السياسية.

وقال إن هذا الهدف النهائي هو الأكثر إلحاحا، حيث تعمل السلطات الأوكرانية بمهارة على حشد الرأي العام العالمي إلى جانبها بهؤلاء المقاتلين الأجانب، لكن تظل المشكلة في انخراط المتطرفين في الحرب ثم عودتهم لإثارة مشاكل ببلادهم.

ورصدت دراسة لمعهد “بروكينغز” الأميركي في 3 مارس 2022 “فوائد ومخاطر” هؤلاء المقاتلين الأجانب، مؤكدة أن “الأجانب يجلبون معهم العديد من المشاكل بالإضافة إلى المهارة المحدودة للعديد من المتطوعين”.

وأوضحت أن المقاتلين الأجانب، خاصة أصحاب العقائد الدينية اليمينية المتطرفة، يمكنهم ارتكاب الفظائع دون مخاوف من الانتقام، وأن الأمر أكثر صعوبة في حرب أوكرانيا بسبب صعوبة السيطرة المركزية على القوات، وعقب عودتهم لبلادهم.

وأشار “بروكينغز” لدراسة أخرى تؤكد أنه “عندما ينتشر المقاتلون الأجانب، يرتفع العنف ضد المدنيين، خصوصا أن الميليشيات اليمينية المتطرفة تعلن بالفعل أنها تخطط لاستغلال الحرب”

وشددت الدراسة على أن “الإرهاب هو أحد أكبر المخاطر المتعلقة بالمقاتلين الأجانب، بحسب عالم الإرهاب “توماس هيغهامر”

وأوضح أن معظم المقاتلين الذين عادوا إلى أوطانهم، بما فيهم من قاتلوا السوفييت في أفغانستان، “لم يكونوا متورطين في الإرهاب”، لكن مشكلة منطقة الصراع أنها تؤدي أحيانا إلى “تلقين الأجانب المثاليين أيديولوجيات أكثر راديكالية”

وتابع: “يذهبون لمعارضة عدو واحد، لكن في منطقة الحرب يختلطون مع متطرفين آخرين ويخرجون أكثر راديكالية وأكثر تشابكا”

وأردف: “أولئك الذين يذهبون إلى أوكرانيا ليس لديهم الكثير من القواسم المشتركة مع الجهاديين أيديولوجيا، لكن وجود المتطرفين اليمينيين يجب أن يجعل الحكومات الأوروبية تتخوف لأن وجود مثل هؤلاء المتطرفين المسيحيين يشكل تهديدا خطيرا”

ومضى يقول: “فهم سينقلون معتقداتهم المتطرفة اليمينية الدينية إلى الآخرين، ويعودون إلى بلادهم أشد تطرفا، وبسبب خبرتهم القتالية، يزاد خطرهم.

متطوعون لروسيا

مقابل شكوى روسيا من المتطوعين الأجانب في صفوف جيش أوكرانيا، اتهمت وزارة الدفاع الأميركية “البنتاغون”، روسيا بتجنيد مقاتلين سوريين وأجانب آخرين للقتال في أوكرانيا.

باحثون بـ”معهد دراسة الحرب” في واشنطن أكدوا أنه مثلما هناك مخاطر من التطرف الديني المسيحي، هناك مخاطر من نقل روسيا الصراع للشرق الأوسط والمنطقة العربية بتجنيدها سوريين وغيرهم.

“جينيفر كافاريلا” المختصة بشؤون الأمن القومي في المعهد أكدت لصحيفة “وول ستريت جورنال” في 6 مارس 2022، أن هناك مخاطر أخرى من نقل الصراع الأوكراني الروسي للشرق الأوسط.

واعتبرت “نشر روسيا لمقاتلين أجانب من سوريا في أوكرانيا سيؤدي إلى تدويل حرب أوكرانيا، ويربطها بوضع إقليمي أوسع، لا سيما في الشرق الأوسط”.

وقال أربعة مسؤولين أميركيين للصحيفة أن روسيا، الموجودة عسكريا في سوريا منذ عام 2015، جندت مقاتلين سوريين، على أمل أن تساعد خبراتهم في القتال في المدن بالسيطرة على العاصمة كييف و”توجيه ضربة مدمرة للحكومة الأوكرانية”.

وكان موقع “دير الزور 24” السوري، أكد أن روسيا فتحت باب التطوع لمدة ستة أشهر، وعرضت على المتطوعين رواتب تتراوح بين 200 و300 دولار “للذهاب إلى أوكرانيا والعمل كحراس”

وتقول وول ستريت جورنال، إن المقاتلين السوريين أمضوا ما يقرب من عقد من الزمان في القتال في حرب المدن مع مجموعة فاغنر الروسية، بينما تفتقر القوات الروسية المجندة في أوكرانيا إلى حد كبير لهذه المهارات.

أيضا أعلن رمضان قديروف، رئيس الشيشان الموالي لروسيا إن مقاتلين شيشانيين انتشروا في أوكرانيا، ويقاتلون هناك، وتحدث عن حشد ما يتجاوز 12 ألف مقاتل.

وقالت الرئاسة الأوكرانية إنها قضت على مجموعة منهم كانت متخصصة في حرب المدن ومخصصة لقتل الرئيس زيلينسكي.

وانتشرت منذ اليوم الرابع للمعارك معلومات عن دخول نحو 400 مقاتل من شركة فاغنر الروسية، إلى كييف، في مهمة محددة لاغتيال زيلينسكي، حسب صحيفة التايمز البريطانية في 28 فبراير 2022.

وتشير مصادر ليبية لتدخل عناصر شركة فاغنر في حرب أوكرانيا، مؤكده أن قرابة 40 بالمئة منهم غادروا ليبيا، حيث كانوا يدعمون قوات الجنرال الانقلابي خليفة حفتر، للقتال في أوكرانيا.

شاهد أيضاً

26 هجوما لحزب الله على مواقع وتجمعات صهيونية خلال 24 ساعة

أعلن “حزب الله” تنفيذ 26 هجما ضد الجيش الإسرائيلي خلال الـ24 ساعة الماضية، بينها 5 …