وصف حقوقيون مصريون ومنظمات حقوقية دولية، قانون الإجراءات الجنائية الجديد، بأنه “كارثة تشريعية”، تكرس تجاوزات أجهزة الأمن الوطني وبقية الأجهزة الأمنية والنيابة، ويجعلها تتغول على السلطة القضائية، حسب تقرير لموقع “الاستقلال”.
وأكدوا أن هذا المشروع يكفل لتلك الأجهزة سلطات واسعة من خلال مواد قانونية فضفاضة تضفي شرعية على الانتهاكات التي يمارسها النظام بحق المعتقلين.
وشهد البرلمان المصري في 30 ديسمبر 2024، مناقشات حادة بين النواب المعارضين والمحسوبين على النظام الذين يريدون تمرير القانون.
وكان البرلمان قد وافق في 19 ديسمبر على مشروع القانون من حيث المبدأ، وأعلن رئيسه حنفي جبالي بدء المرحلة الثانية من المناقشات التفصيلية للمواد.
وتجاهل رئيس مجلس النواب دعوات الحوار المجتمعي، وحاول هو من خلال البرلمان إضفاء صورة ديمقراطية على المناقشات بالاستماع لأكبر عدد من الأعضاء على مدار 12 جلسة عامة.
لكنها انتهت بتحريك قطار مشروع قانون الإجراءات الجنائية الذي ظن البعض أنه توقف بعد اعتراضات حقوقية وتحفظات دولية.
ويبلغ عدد مواد قانون الإجراءات الجنائية 540 مادة، وتناول التقرير النهائي الصادر عن لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، بمشاركة مكتب لجنة حقوق الإنسان نهاية أكتوبر 2024، مناقشة 129 مادة فقط.
وطلب فيها إعادة صياغة 80 مادة، ووافق على تعديل 21 مادة غالبيتها بدعوى “الاتساق التشريعي وضبط الصياغة“.
فيما رفض 28 مقترحا بالتعديل، ثم ناقش بشكل عام دون التطرق إلى المواد التفصيلية أبواب حماية الشهود والمبلغين، والتعويض عن الحبس الاحتياطي، وإجراءات المحاكمة عن بعد.
ومن أكثر المواد جدلية في مشروع الإجراءات الجنائية، المواد 31 و39 و40 و63 التي تمنح صلاحيات واسعة للغاية لمأموري الضبط القضائي.
وتضمنت سؤال المتهم عن الوقائع ومرتكبيها، وإصدار أمر بضبط وإحضار المتهم الغائب، وسماع أقوال المتهم، واستجواب المتهم في الأحوال التي يخشى فيها فوات الوقت.
وتأتي المادة 147 التي وسعت من سلطة النيابة العامة، بمنحها الحق الكامل في إصدار أوامر المنع من السفر، عند وجود أدلة كافية على جدية الاتهام بجناية أو جنحة معاقب عليها بالحبس.
ووفقا لتلك المادة، يمكن إصدار أمر بالمنع من السفر لمدة عام، مع إمكانية التجديد لمدد أخرى مماثلة، مما يحول المنع من السفر إلى أداة بيد النيابة تستخدم دون قيود واضحة.
وكذلك المادة 35 التي أعطت صلاحيات جديدة للنيابة العامة، بعد أن أصبحت تمتلك القدرة على فرض غرامات على المخالفين لأوامر مأموري الضبط القضائي، وكان القضاة فقط، هم من يمتلكون هذه السلطة.
تأتي المادة 116 من مشروع القانون التي تجعل النيابة العامة تمتلك صلاحيات استثنائية، حيث تسمح لها بالنظر في تجديد حبس المتهم دون الحاجة إلى إشراف أو إذن قضائي لمدة تصل إلى 150 يوما.
وتضيف إلى هذه الصلاحيات سلطة جديدة، وهي إمكانية تسجيل المكالمات الخاصة في إطار التحقيقات دون الحاجة إلى الرجوع إلى إذن القضاء، مما يشكل انتهاكا واضحا لخصوصية الأفراد.
وقال المحامي الحقوقي المصري محمود جمال الدين، إن “مشروع القانون الحالي منح النيابة العامة والمحكمة المختصة السلطة التقديرية في مباشرة المحاكمات عن بعد (أونلاين)، دون أن يلزمها بتوافر الظروف الاستثنائية“.
وأضاف: “ذلك فضلا عن النص في مشروع القانون على أن يحضر المحامي من مكان محبس المهتم، وهو الأمر الذي قد يؤثر على حرية الدفاع ويصيبه بالخوف لأنه سيترافع عن موكله من مكان سجنه أو احتجازه“.
وتابع الحقوقي المصري: “في الأدبيات الحقوقية فإن حالة الطوارئ لا بد أن تكون مناسبة مع التهديد، وألا تطبق إلا في حالة الضرورة، ويجب إعادة تقييم أي حالة طارئة باستمرار، حتى لا يصبح الاستثناء أمرا طبيعيا“.
واستطرد: “كما يكفل العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية تلك الضمانة بوضوح، حيث ينص على أن لكل متهم بجريمة الحق في أن يحاكم حضوريا وأن يدافع عن نفسه بشخصه، وأن يناقش شهود الاتهام، بنفسه أو من قبل غيره“.
وهناك مادة أيضا مرتبطة بالمحاكمات عن بعد، وهي المادة 527، والتي أثارت القلق بشكل خاص، لدى المنظمات الحقوقية، حيث تجيز محاكمة الأطفال عن بعد دون مثولهم أمام النيابة أو المحكمة.
كما أن مدد الحبس الاحتياطي التي يقترحها مشروع القانون الجديد تبقى طويلة، وتتجاوز المعايير الدولية.
ويعاني مشروع القانون من غياب المواد التي تقيد ممارسات النيابة في تدوير المتهمين على نفس الاتهامات في قضايا جديدة.
ذلك الإجراء تحديدا يعزز من استمرار استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للعقاب السياسي، وهو أمر نال كبار السياسيين المعارضين أمثال المرشحين للرئاسة سابقا عبد المنعم أبو الفتوح، وأحمد طنطاوي، والحقوقية هدى عبد المنعم، وغيرهم.
وتأتي المادة 25 من القانون، التي تضفي محاولة واضحة لإضفاء الصبغة القانونية على ممارسات وانتهاكات قطاع الأمن الوطني.
وقد أقرت توسيع تعريف مأموري الضبط القضائي، ليشمل ضباط ومعاوني قطاع الأمن الوطني.
وقد أعطت هذه المادة سلطة لم تكن موجودة لضباط ومعاوني قطاع الأمن الوطني في البحث والتحري عن الجرائم ومرتكبيها، وجمع الاستدلالات، والقبض على الأشخاص.
وفي 29 ديسمبر 2024، أعلنت المفوضية المصرية للحقوق والحريات رفضها لمشروع قانون الإجراءات الجنائية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات