كان أستاذنا الراحل العلامة حامد ربيع أحد أساطين علم السياسة في مصر والعالم العربي يتحدث عن النظرية الخطية في الكذب والخداع السياسي. فقد يعمد بعض الساسة إلى الكذب والتضليل طول الوقت حتى أنهم يصدقون أنفسهم . ولعل ذلك ينطبق تماما على النخبة الحاكمة في أديس أبابا ولاسيما في عهد أبي أحمد. بيد أن فكرة الكذب والخداع تلك لم تعد تنطلي على العالم ولاسيما بعد نفاذ صبر كل من مصر والسودان . في 16 أبريل بعثت الخارجية الأثيوبية برسالة إلى مجلس الأمن الدولي من أجل حث كل من مصر والسودان على العودة إلى طاولة المفاوضات بحسن نية وعدم السعي لتدويل قضية السد.
كلام لا يستقيم أبدا ويذكرني بالمثل الشائع ضربني وبكي وسبقني واشتكي . أي حسن نية تلك التي يتحدث عنها أبي أحمد بعد عشر سنوات من المفاوضات ورفضه المستمر فكرة الاتفاق الملزم بحجة ملكيتهم للنهر وأنهم لن يلحقوا الضرر بدولتي المصب.
لقد شعرت أثيوبيا بالانتصار من خلال تغيير قواعد اللعبة في حوض النيل من خلال فرض إرادتها الأحادية ببناء السد دون موافقة مصرية وذلك باستغلال انكفاء مصر على مشكلاتها الداخلية منذ أواخر عهد مبارك وحتي قيام ثورة يناير. كانت مصر تقف ضد أي محاولة أثيوبية لبناء السدود حيث هدد الرئيس الراحل أنور السادات بشن حرب للدفاع عن حقوق مصر التاريخية في مياه النيل. ويقال أنه في مرحلة ما من عهد مبارك تم تدمير بعض المعدات التي كان يمكن لاثيوبيا استخدامها في بناء السدود.
تغير الوضع وحصلت أثيوبيا فوق ذلك على موافقة مصرية ببناء السد شريطة عدم إلحاق الضرر بنصيبها من المياه.
مع استمرار التعنت الأثيوبي ورفض أي اتفاق ملزم سعت مصر إلي طلب وساطة البنك الدولي والولايات المتحدة ولكن أثيوبيا رفضت ذلك بحجة عدم التدويل. أليس الاتحاد الأفريقي نفسه هيئة دولية. لكن المعنى المقصود هو أن الاتحاد الأفريقي لن يستطيع فرض تنازلات على أديس أبابا.
هل الخيار العسكري بات ممكنا؟
بعد فشل جولة كينشاسا الأخيرة اشتعلت الحرب الكلامية ولاسيما بعد إعلان مصر والسودان أن كل الخيارات مفتوحة. الرئيس السيسي في مناسبتين حذر من أنه لن يقبل بفقدان نقطة مياه واحدة وأن ذلك خط أحمر وأن تداعيات ذلك سوف تكون كارثية على الجميع. .
يبدو أن أثيوبيا لم تكن تأخذ هذا الكلام قبل ذلك بمحمل الجد وكانت تشكك في رغبة القاهرة في القيام بعمل عسكري. وعلى سبيل المثال في عام 2019 هدد أبي أحمد بحشد الملايين للدفاع عن السد ردا على حملات إعلامية طالبت باستخدام القوة . اما اليوم بعد خط السيسي الأحمر فإنه لاذ بالصمت وقال أن أثيوبيا لن تلحق الضرر بدولتي المصب.
ماهي دلالات مفهوم الخط الأحمر.؟ إنه يوجه رسائل متعددة موجه لكل الجهات بما في ذلك الجهات الداعمة لأثيوبيا. اقترن الموقف المصري بتوقيع اتفاق عسكري مع أوغندا متعلق بمياه النيل وباجراء مناورات عسكرية مع السودان وذلك في دلالة لاتخفي ان أثيوبيا التي تعاني الحرب والتفكك باتت محاصرة وأنها لابد وأن تأخذ التهديدات المصرية بمحمل الجد . هذا الموقف المصري الصارم موجه إلي الداخل المصري الذي يشعر بالإحباط من المواقف الأثيوبية ومن أن مصدر حياته في خطر. ربما يدرك الشركاء الدوليون مدى خطورة الموقف وممارسة الضغط على أبي المحاصر داخليا من أجل الوصول إلي اتفاق عادل وملزم لكل الأطراف. وعموما فإن الخيار العسكري وإن كان مستبعدا فإنه ممكن إذا كان الخطر وجوديا. ولعل الإجابة تتحدد بمقتضى رد الفعل الأثيوبي والشركاء المعروفين.
لم يعد الموقف الأثيوبي الملىء بالمغالطات ينطلي على أحد بعد استثمار مصر في قوتها الناعمة واستقرار الداخل وعودة نفوذها الدبلوماسي وهو ما تمثل في جولة الوزير سامح شكري لعدد من العواصم الأفريقية. هل يعقل أن يصدق أحد فكرة أثيوبية النهر وتطبيق مفاهيم السيادة عليه وهو نهر دولي. كما أننا إذا قبلنا بفكرة رفض المعاهدات التي وقعت في الحقبة الاستعمارية فإن حدود أثيوبيا نفسها تتراجع وتنحسر وتفقد الأراضي التي سيطرت عليها عن طريق الغزو ومنها بني شنقول السودانية والصومال الغربية وغامبيلا وهلم جرا.
هل يعود حكام أثيوبيا إلي رشدهم ويستحضروا حكمة النجاشي أم يستمروا في غيهم ويصرون على امتطاء فيل أبرهة. عموما نسور النيل في وضع الاستعداد. حمى الله المحروسة من كل سوء
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات