خطة إيران للسيطرة على الشرق الأوسط (2ـ3)

شبكة متعددة الجنسيات من المقاتلين المدربين وذوي الخبرة

منذ بداية الربيع العربي، استطاعت إيران أن تجتذب عشرات الآلاف من المقاتلين العراقيين واللبنانيين والأفغان للقتال في حرب سوريا، وتقدر الإحصائيات أنّ هناك ما يتراوح بين 5 آلاف و7 آلاف من مقاتلي حزب الله في سوريا.

وتتكون كتائب “الفاطميون”، من مقاتلين أفغان، تصل أعدادهم إلى 17 ألف مقاتل، ويقدر «هشام الهاشمي»، الخبير الأمني العراقي، أنّ نحو 65 ألف مقاتل من الميليشيات العراقية تلقوْا تدريبًا أو أسلحة أو تمويلًا من إيران.

ويبدو أنّ إيران تستخدم هؤلاء الرجال بطرقٍ أكثر إبداعًا، في حربٍ طائفية وجيوسياسية مستمرة، تجمع بين الدول والمنظمات الشيعية المؤيدة لإيران ضد كتلة سنية من الحكومات السنية المحافظة المدعومة من الولايات المتحدة.

وثمة قلقٍ آخر من أنّ بناء شبكة متعددة الجنسيات من المقاتلين المدربين تدريبًا عاليًا وذوي خبرة قد يكون له عواقب دائمة على المنطقة التي تغرق بالفعل في الأسلحة والتطرف والصراعات المتداخلة، وبعد انتهاء الصراعات المحلية، ستكون الفرصة مواتية تمامًا لأن يكوّن هؤلاء شبكةً إرهابية منظمة وعلى قدر كبير من الكفاءة.

ويمتد انتشار إيران إلى ما وراء سوريا وجيرانها، ويشتبه مسؤولون أمريكيون ومسؤولون آخرون في أنّ التدريب الإيراني للمقاتلين في اليمن، والتي يسيطر فيها الحوثيون حلفاء طهران على العاصمة، هو السبب وراء الهجمات الأخيرة على السفن قبالة سواحل اليمن، وهناك خوفٌ من أن يشل ذلك, الممراتِ البحرية.

كما تمثل محاربة الجماعات المسلحة المنظمة والتي تعتمد على نحوٍ فضفاض على مزيجٍ من الرجال الذين يختلطون بسهولة بين السكان المدنيين تحديًا كبيرًا للولايات المتحدة وحلفائها، وهو أمرٌ لا تكفي فيه الأدوات التقليدية للحرب.

ولا أحد في النخبة الإيرانية يتحدث عن برنامج التدريب أو أرقامه، وفي لحظاتٍ نادرة يتحدث فيها المسؤولون الإيرانيون عن البرنامج، يربطون أهدافه بإقامة نظام عالمي عادل يأتي مع عودة المهدي، وهو الإمام الثاني عشر في المذهب الشيعي.

موقع ” بازفيد” طلب التعليق من عدة مسؤولين في وزارة الخارجية والأمن الإيرانيين، ولكن لم يرد أي منهما، وعلق «علي عميدي»، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أصفهان في إيران، بأنّ الأهداف الرئيسية لبرنامج الميليشيات الإيرانية هي الحفاظ على أمن إيران من خلال إضعاف أو القضاء على الجماعات السنية الراديكالية، وتعزيز الأهداف الاستراتيجية لإيران من خلال توسيع قدرات حلفائها، والحفاظ على توازن القوى الموالية لإيران في الشرق الأوسط، ومواجهة منافسيها مثل الولايات المتحدة و(إسرائيل).

لكنّه حذر من أنّ البرنامج لا يزال يكتنفه الغموض، وقال: «تصنف هذه الأمور كمعلوماتٍ سرية، ولا توجد معلومات موثوقة أو مؤكدة عنها».

وحتى منتقدي إيران، يعجبون بهذه الرؤية، التي تهدف إلى مزيجٍ من القوة السياسية والعسكرية في العراق واليمن ولبنان وسوريا ودول أخرى، بما فيها البحرين والسعودية وحتى نيجيريا.

ويعترف المسؤولون الأمريكيون بإتقان إيران لهذا النمط الحربي الخاص، وقال مسؤولٌ أمريكيٌ سابق في حالة من الإحباط: «في العراق وأفغانستان واليمن، وفي أي مكانٍ قمنا بالتدرب فيه، لا يمكننا إطلاق النار مباشرةً، لكنّ الإيرانيين يقومون بتدريب هؤلاء الرجال ويصبحون مقاتلين جيدين».

وتتألف الجماعات المسلحة الإيرانية من رجال مثل «مصطفى الفريداوي»، الذين تم تجنيدهم من الفقراء والمقيمين في الأحياء الفقيرة في الشرق الأوسط. وفي جميع أنحاء المنطقة، طورت إيران نوعًا من أساليب العمل لتجنيدهم على مر العقود. في البداية، تقوم خلايا صغيرة تابعة لحزب الله بالكشف عن التضاريس المحلية لاستغلال المجندين وتجنيدهم. وقال «عيتاني»، وهو مؤيد سابق لحزب الله: «بعد أن يقوموا بإرسال مستشارين خاصين للتواصل مع الناس، ودفع المال لاستئجار المنازل، أو شراء المنازل إن أمكن، في وقتٍ لاحق، يرسلون رجالًا للبدء في إقناع الناس سياسيًا ودينيًا. وبعد ذلك بقليل، يبدؤون بتدريب المقاتلين والميليشيات».

ووصف «الفريداوي» وستة آخرون، من بينهم مقاتلان من حزب الله في لبنان، تطبيقًا شاقًا وعملية فحص قوية لكل من ينضم إلى أي ميليشيات تدعمها إيران.

ويعمل القائمون على عملية التجنيد على معرفة كل التفاصيل عن الأفراد المحتمل انضمامهم للميليشيات، مثل العائلة والأصدقاء والعلاقات البعيدة والآراء السياسية والعادات الدينية.

ويبحث القادة عن مجندين من نوعٍ معين. وطبقًا لتقريرٍ صادرٍ عن مركز مكافحة الإرهاب عام 2008، والذي استشهد بأقوالٍ من المقابلات العسكرية الأمريكية مع أفراد مأسورين من الميليشيات الشيعية العراقية، يُبحث بين المستجدين عن سمات تشمل الانفتاح، والقدرة على التحمل الجسدي، والنضج، والمهارات التنظيمية، والأفراد الذين لا يسألون الكثير من الأسئلة.

في ساحة المعركة

ويكون للمجندين، دورهم في جذب الآخرين في دائرتهم الخاصة. وكان لقرار «الفريداوي» بالانضمام إلى الميليشيات تأثيرٌ مدهش، مما ألهم الآخرين في حيه بالانضمام.

وجلب «الفريداوي» صديقه المقرب «محمد جبار كاظم». وقال «كاظم» إنّه كان عامل بناء عاطل عن العمل مثل الغالبية في شمال بغداد، قبل أن يقرر اتباع مسار «الفريداوي».

وبعد أشهرٍ من العمل مع الميليشيات كمتطوع، انضم كاظم رسميًا إلى المجموعة في مايو عام 2014، وحصل على مكافأة بقيمة 150 دولارا.

وقال الرجلان إنّهما شعرا جيدًا بالاهتمام من قبل المجموعة, وكانوا يسألوننا هل تحتاج إلى راتب؟ أو هل لدينا أطفال؟

وبعد تدريبه لمدة عشرة أيام فى مدينة أبو غريب العراقية، سرعان ما وجد نفسه فى ساحة المعركة، وقاتل إلى جانب الميليشيات الشيعية الأخرى ضد السنة بالقرب من كركوك. وأعقب ذلك مهمة في محافظة ديالى، حيث قُتل ثلاثة من رفاقه في عملية «انتحارية».

وبعد أن أعرب عن ارتياحه لقادته، أُرسل «كاظم» إلى دورة هندسية لمدة 5 أيام في قاعدة تقع على بعد 30 ميلًا جنوب بغداد، استخدمها «صدام حسين» منذ عقود لإعداد الفلسطينيين لمحاربة (إسرائيل).

وتعلم «كاظم» كيفية وضع القنابل على جانب الطريق وإزالتها، واستخدام نفس الحيل التي يستخدمها تنظيم الدولة الإسلامية، بما في ذلك الثلاجات المفخخة والأسلحة التي تعلق على أسلاك التفجير.

وقد تحدث المدربون بلغة عربية غير أصلية، وكان «كاظم» يشتبه في أنّهم إيرانيون، لكنّه لم يكن متأكدًا.

وقال: «لم نسأل، لأنّنا فكرنا أنّه إذا فعلنا فقد يخلق لنا ذلك بعض المشاكل».

وفي مقابل الولاء، يحصل المقاتلون على رواتب تعتبر سخية وفقًا للمعايير المحلية.

وقال «الفريداوي» إنّه حصل على نحو 5 ملايين دينار عراقي (4100 دولار أمريكي) سنويًا، لكنّه كان يأمل في أن يتضاعف هذا الرقم في إطار القواعد الجديدة التي تضم الميليشيات رسميًا إلى الدولة العراقية.

ويتلقى مقاتلو حزب الله اللبنانيون تعليمًا خاصًا عالي الجودة نسبيًا من المدارس الممولة من إيران.

وبمجرد تجنيدهم في ميليشياتٍ، يجب على الرجال الالتزام بمجموعة صارمة من القواعد، ويخضعون للمراقبة المستمرة.

وقال مقاتلون عراقيون ولبنانيون إنّهم قد منعوا من السفر إلى أي بلدٍ خارج إيران أو سوريا أو العراق أو لبنان دون إذنٍ من القادة.

وكان ثمن العصيان الخروج إلى الأبد، وأن تمضي حياتك خائفًا من رصاصة قاتلة من قاتلٍ مجهول.

وعلى سبيل المثال، يعيش «عيتاني» في منزلٍ مستأجر على قمة جبل على بعد 40 ميلًا خارج بيروت، تحميه كلاب الحراسة وكاميرات تلفزيونية ذات دائرة مغلقة قام بتركيبها حول محيط المنزل خوفًا من مقاتلي حزب الله الذين كانوا زملاءه من قبل.

ويتوجه المجندون إلى إيران عندما يُوصى بتدريبهم في دورة متقدمة, حيث يعلمهم المدربون الإيرانيون كيفية استخدام البنادق الآلية، ومدافع عيار 14.5 ملم و23 ملم.

وخلال إحدى الدورات التدريبية، أُسقط المقاتلون في البرية وأُجبروا على البقاء لعدة أسابيع، وشمل التدريب المتخصص إطلاق صواريخ متوسطة المدى واختبار المركبات العسكرية.

وعلى الرغم من التدريب العسكري الصارم والقواعد الصارمة، قال «الفريداوي» إنّه أُعجب بما أبداه المضيفون الإيرانيون لهم، وقال: «كانوا يعاملوننا جيدًا، وتخيل، لقد كانوا ينظفون ملابسنا وجواربنا بأيديهم, أطلقوا علينا لقب “المجاهدين”، وقالوا إنّهم سيقبلون أحذيتنا».

شاهد أيضاً

بعد موقفهما تجاه ليبيا.. محاولات لبث الفتنة بين تركيا وتونس

منذ أن بدأ الجنرال الانقلابي خليفة حفتر محاولة احتلال طرابلس في إبريل الماضي، لم تتوقف …