لتفسير نوايا وسلوك موسكو وخططها تجاه الشرق الأوسط ينبغي النظر في شخصية الرئيس «بوتين» وما يحمله من أضغان، تجعله يسهر ليلًا يفكّر في كيفية الانتقام من حالة الإذلال التي وقعت ليلة رأس السنة عام 1991، وتحديدا في تمام الساعة 7:32 مساءً عندما نكّست المطرقة والمنجل من أعلى الكرملين، وهو الشعار الذي ظلّ مرفوعًا منذ عام 1923، وبعدها ارتفع العلم الروسي بدلًا عنه.
منذ تلك اللحظة التاريخية، توسّع حلف الناتو في الشرق، واحتاج الاقتصاد الروسي مساعدة المؤسّسات المالية الدولية للبقاء، لكنّ الولايات المتّحدة ألقت بثقلها حول العالم دون اعتبار للمصالح الروسية، وكذلك قوّضت الثورة البرتقالية في أوكرانيا القيادة الموالية لموسكو لصالح قيادة موالية للغرب، ومن منظور موسكو، وكلّ ذلك جهود أمريكية لتطويق موسكو والتقليل منها.
ويرى محللون غربيون ومسؤولون أمريكيين أنه منذ أن أصبح «بوتين» رئيسًا لروسيا وهو يعمل وفق خطّة معينة، وفي حين ركّز الأمريكيون على أفغانستان والعراق وتخفيض الضرائب وحزب الشاي وسقف الديون، استطاعت روسيا إعادة بناء قدراتها العسكرية وعقيدتها القتالية.
وفي الوقت نفسه، سعى «بوتين» لإعادة بناء هيبة لموسكو عالميًا، وإنشاء مناطق جديدة للنفوذ.
إرهاصات التحول
وبحسب ستيفن كوك لم يكن ذلك ليقع في الشرق الأوسط قبل وقتٍ طويل حين كانت الولايات المتّحدة القوّة المهيمنة في المنطقة، ولا تزال كذلك بكثير من الطرق، نظرًا لاستمرار التأثير الأمريكي الدبلوماسي والعسكري والتجاري، وخصوصًا فيما يتعلّق بمبيعات الأسلحة، لكن روسيا أعادت فرض نفسها كقوّة في المنطقة، وعلى الأقل، أصبحت دول الخليج العربية الموالية للولايات المتّحدة مدركة الآن ضرورة الأخذ في الحسبان مصالح روسيا وأهدافها، وهذا شيء لم تكن تفعله في الـ 25 عامًا الماضية.
ويرجع جزء كبير من هذا التحوّل في ديناميكيات القوّة إلى التدخّل الروسي في سوريا، الذي بدأ في سبتمبر عام 2015، وهي العملية التي اعتقد المحلّلون الغربيّون أنها ستكون قصيرة الأجل وستأتي بالضرر على الجيش الروسي، لكن على عكس التحليلات، استمرّت روسيا في سوريا حتّى الآن، واستطاعت تحقيق الكثير من أهدافها، على العكس من الولايات المتّحدة التي لم تستطع تلبية تطلّعات حلفائها في المنطقة، الأمر الذي جعل دولًا مثل تركيا و(إسرائيل) تتحوّل إلى روسيا في سعيها لتحقيق أهدافها في سوريا، وكذلك استطاع بوتين الوصول إلى قضية مشتركة مع الإيرانيين، والذين يشكّلون، مثل الروس، مصدر إزعاجٍ للنّظام السياسي الإقليمي، الذي وضعته الولايات المتّحدة.
روسيا والمصريون والليبيون
مصر التي استفادت من بالمساعدات الأمريكية الاقتصادية والعسكرية على مدى أعوام، تنظر إلى روسيا كبديل عن الولايات المتّحدة، إلى الدّرجة التي جعلت الحكومة المصرية تعارض التدخّل الأمريكي في سوريا صيف عام 2013، بينما دعمت العمليات العسكرية الروسية هناك!
وقد أعطت الولايات المتّحدة المصريين سببًا كافيًا للبحث عن الدعم في مكانٍ آخر، وقد بدأوا يقلقون من الانعزالية التي أصابت الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي, إذ يخشون أنّ هذه التطوّرات قد تؤثّر على المساعدات العسكرية السنوية بقيمة 1.3 مليار دولار التي يحصلون عليها من الولايات المتّحدة.
وهناك التّهمة الخاطئة التي يوجّهها الانقلاب في مصر للولايات المتّحدة بأنّها دعمت جماعة الإخوان المسلمين. وعلى الرغم من خلو هذه التّهمة من أي دليل واقعي، إلّا أنّها وفّرت الفرصة لروسيا لتوثيق علاقاتها مع مصر على أرضية مشتركة من مواجهة الإسلاميين.
ثمّ هناك ليبيا التي تلاقت فيها مصالح روسيا مع مصالح «خليفة حفتر»؛ العسكري الذي نصّب نفسه قائدًا للجيش الوطني الليبي، ويقاتل «حفتر» في حربٍ لا هوادة فيها الإسلاميين وهو ما تلاقى فيه مع توجّهات قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي, وولي عهد الإمارات محمد بن زايد.
لكن هناك ما يجري في ليبيا خلف الحرب المعلنة ضدّ التطرّف، فليبيا لديها أكبر احتياطي مثبت من النفط الخام عالي الجودة في العالم، كما أنّ لديها وفرة من الغاز الطبيعي، وكلا الأمران يجعلان ليبيا مهمّة لدى أوروبا، ويفكّر الرّوس بشكلٍ واضح في المستقبل، وقد ينتهي الأمر بحفتر رئيسًا لليبيا، وحتّى إن لم ينجح في ذلك، سيظل مهيمنًا على السّلطة في الشرق، حيث يوجد الكثير من النّفط، وفي حين تبحث أوروبا عن وسائل لتقليل اعتمادها على الطاقة الروسية، تسعى موسكو لإبقائها تحت رحمتها.
أمريكا وروسيا والإرهاب
ومع وضوح التفكير الاستراتيجي لموسكو وأهدافها في الشرق الأوسط في الأشهر القليلة الماضية، لا يزال هناك شعورٌ سارٍ بين خبراء السياسة الخارجية أن نجاحات روسيا في المنطقة كانت نتيجة لحماقات غير عقلانية، أتاحت فرصًا جديدة للرّوس.
تدرك الآن الولايات المتّحدة وأوروبا مرّةً أخرى أنّ الروس لديهم أهداف واضحة، ويفهمون كيف يحقّقون تلك الأهداف وكيف توظف الموارد الوطنية للتوسّع في هذه العملية .. كان الرّوس يفكّرون بطريقة استراتيجية، والسؤال هنا هو، ماذا يجب أن تفعل واشنطن وحلفاؤها حيال ذلك؟ في وقتٍ ما، كان التحدّي الروسي يعني تحالفًا أمريكيًا غربيًا للردّ عليه، لكنّ رئاسة ترامب وضعت هذه المسألة محلّ شكّ.
ويبدو ترامب ومستشاروه على أتمّ استعداد للشراكة مع الكرملين حول هدف محاربة ما يصفونه بـ «الإرهاب الإسلامي»، لكن ما لا تراه إدارة ترامب أنّ استراتيجية روسيا تذهب إلى أبعد من هذا الهدف المباشر، ويرغب بوتين في إعادة كتابة القواعد الحاكمة للشرق الأوسط وقلب النظام السياسي الإقليمي الذي أنشأته واشنطن مع ضمان أمن (إسرائيل) والتدفق الحر لموارد الطاقة في المنطقة ومحاربة الإرهاب ومنع انتشار الأسلحة النووية .. هذه هي خطّة روسيا.
المأزق الأمريكي
وتواجه الولايات المتحدة مأزقا في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن تكون المنطقة هي المرجل الناري الذي إما أن تعاد فيه صياغة النظام العالمي من أجل حقبة جديدة، أو أن ينهار تماماً, وربما تقدم سوريا الاختبار الأول.
فالروس يحبون أن تقبل الولايات المتحدة استمرار حكم الأسد لهذا البلد المحطم، مقابل شراكة لمحاربة تنظيمي «داعش» و«القاعدة»، وعموماً فإن الأجندة يجب ألا تكون أقل طموحاً، والإجراءات المطلوبة لوضع الشرق الأوسط على مسار أكثر إيجابية تشبه تلك التي اتخذتها أوروبا قبل سبعين عاماً: وقف القتال، والتفاوض بشأن تسويات سياسية، ودعم الدول الضعيفة لجعلها تقاوم التخريب، وتشجيع القادة السياسيين على الحكم بطرق تعزز شرعيتهم.
ولتحقيق ذلك، يجب أن تتشارك الولايات المتحدة مع دول داخل وخارج المنطقة تتقاسم معها المصالح في شرق أوسط أكثر استقراراً، وقد حان الوقت لأخذ زمام المبادرة، وتقديم الرؤية والاضطلاع بنصيب الأسد من العمل، لكن الولايات المتحدة وأوروبا، وربما روسيا والصين، يجب أن تمد يد المساعدة، على سبيل المصلحة الذاتية بحسب رأي ستيفين أر جراند في مقال له تحت عنوان ” أجندة الشرق الأوسط الجديد ” المدير التنفيذي لفريق عمل استراتيجية الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي عن دورية “فورين بوليسي” .
صحف عبرية
وكانت صحف عبرية تحدثت قبل أيام عن مبررات انضمام روسيا وتقاربها مع “اسرائيل” وحددت ثلاثة أهداف: انقاذ نظام الأسد المنهار، تقليص دور أمريكا، وأن تكون رافعة العالم في الحرب ضد تنظيم داعش، الذي ألقى – ولا يزال – الرعب على العواصم الغربية بعد سلسلة من العمليات .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات