قال المحلل الفلسطيني “عدنان أبو عامر” في تحليل نشره بموقع “عربي بوست” أنه مع استمرار التحضيرات الإسرائيلية لتنفيذ العملية البرية في غزة المزمع تنفيذها في أي لحظة، تداولت الأوساط العسكرية في نقاشاتها اتساع الفجوة بين المستويين السياسي والعسكري حول طبيعتها، سواء عمقها الجغرافي في قلب غزة، أو مداها الزمني، أو حجم القوات المشاركة فيها، فضلاً عن التبعات السياسية المترتبة عليها.
قال: ليست المرة الأولى التي تظهر فيها هذه التباينات بين الساسة والعسكر حول العمليات الحربية، فقد تكرر المشهد في العدوانات السابقة بين 2008-2021، لكنها هذه المرة أكثر خطورة، لأننا أمام عدوان مختلف، بأهدافه ومنطلقاته ونتائجه المتوقعة.
خاصة في ضوء مخاوف المستوى السياسي من عدم نجاح ما يخطط له الجيش من مخططات ميدانية، ومدى قدرته على تنفيذها، وتشكيكه في قدرة الجنرالات على خوض عملية برية واسعة، قادرة على “تسليم البضاعة”، وفي هذه الحالة، فإن أي فشل مرتقب للسيناريو البرّي كفيل بأن يفجّر الوضع بين الإسرائيليين جميعاً.
وتزامن ذلك مع كشف قناة 13 الإسرائيلية مساء الأحد 15 أكتوبر 2023، أن خلافاً بين رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو ووزير الجيش يوآف غالانت حول العملية العسكرية البرية في قطاع غزة، وتوسيع الجبهات في الوقت الذي شهد نهار الأحد اشتداداً للجبهة الشمالية في الحدود مع لبنان.
قالت: وقع خلاف في رأس الدولة حول استمرار الحملة على الجبهة الشمالية، حيث يؤيد وزير الدفاع يوآف غالانت توسيع الضربات ضد حزب الله، فيما يعارض نتنياهو الآن ذلك، بحسب القناة.
وعلى خلفية الحرب، وقعت خلال الأيام الماضية حادثة إشكالية للغاية في قاعدة وزارة جيش الاحتلال في تل أبيب، وذلك حينما طلب غالانت التحدث مع نتنياهو هاتفياً حول مسألة عملياتية، لكن مكتب نتنياهو أخّر المكالمة.
على إثر ذلك أرسل غالانت رئيس ديوانه إلى مكتب رئيس الوزراء، ولكنه تركه واقفاً على الباب ومنعه من الدخول.
وقالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأحد، إن إسرائيل أجّلت العملية البرية المخطط لها ضد قطاع غزة، لبضعة أيام بحجة أن “العملية البرية” التي كانت تل أبيب تخطط لها ضد قطاع غزة تم تأجيلها بسبب الظروف الجوية السيئة في المنطقة، بحسب تصريحات 3 مسؤولين إسرائيليين،
وأضافت أن الظروف الجوية السيئة ستتسبب في صعوبات لدى الطيارين والمسيرات الجوية خلال دعمها القوات البرية، وبالتالي فإن العملية تم تأجيلها لبضعة أيام.
ولقد شهدت الساعات الأخيرة فيما وراء الكواليس تبادلاً للاتهامات بين المستويين السياسي والعسكري في تحمل المسؤولية عمّا لحق بإسرائيل من “إخفاق متعدد المجالات” من خلال عملية طوفان الأقصى، ورغم أن هذا الإخفاق يأتي في صلب مهامّ المستوى العسكري والاستخباري التنفيذي العملياتي، لكن اتهامات أخرى طالت المستوى السياسي؛ لأنه صمت عن تنامي قوة حماس في غزة، وفي المحصلة جاءت النتيجة الميدانية سيئة لإسرائيل، بفعل الإرباك الذي حصل في طبيعة اتخاذ القرار بين مختلف مكوناته ومؤسساته السياسية والعسكرية، مما سيتطلب تشكيل لجان تحقيق واستماع واستجواب فور أن تضع الحرب أوزارها.
وشهدت العلاقات السياسية والعسكرية توترات متصاعدة ما قبل اندلاع الحرب، لأن الجنرالات رأوا في التشكيلة الوزارية لحكومة نتنياهو اليمينية افتقاراً للخبرة العسكرية، لا سيما سموتريتش وبن غفير، فقد ساد ترحيب بين أوساط قيادة الجيش عقب انضمام غانتس وآيزنكوت لحكومة الطوارئ، لأنهما من أبناء المؤسسة العسكرية، ويحوزان “كاريزما” لا تخطئها العين لأنهما يحملان على أكتافهما رتباً عسكرية ثقيلة العيار، ويستطيعان بهدوء تجاوز الجنرالات عند اتخاذ قرارات مفصلية مهمة فيما يتعلق بالعملية البرية المحتملة على غزة.
واليوم وبعد اتخاذ قرار بشنّ عملية برية، وانتظار الإعلان عن تنفيذها، تتباين المواقف السياسية والعسكرية حول أهدافها الحقيقية، بين الإطاحة بحماس، أو القضاء عليها، أو قضم قدراتها العسكرية والحكومية، مما خلق شكوكاً حول جدواها، ودفع بعض الساسة والقادة الحزبيين للقول إن مهاجمة قادة الحركة من الجوّ لن يدفعها لرفع الراية البيضاء، أو إعلان الاستسلام، مما حدا بزعيم حزب “يسرائيل بيتنا” المعارض أفيغدور ليبرمان للاشتراط على نتنياهو أن دخوله لحكومة الطوارئ مرهون بتنفيذ العملية البرية في قلب غزة للإطاحة بحماس.
سبب التردد في العملية البرية؟
ويقول المسؤولون السياسيون الإسرائيليون لقادة الجيش الاسرائيلي: طالما أن الجيش فشل بالتصدي لمقاتلي حماس على حدود غزة، فكيف سيتعامل معهم في قلبها من خلال العملية البرية الوشيكة؟
وقبيل الانطلاق في العملية البرية، فقد وصلت الانتقادات السياسية والحزبية إلى الجيش حدّ الحديث عن “مواضع خلل مقلقة فيه”، من حيث عدم التحضير الجيد للمعركة في غزة، والتخوف من إخفاق الاستخبارات باكتشاف منظومة القيادة والتحكم لدى حماس، وعدم العثور على مكان اختفاء قادتها بعد تسعة أيام من القصف الجوي المركّز.
ويثير سياسيون إسرائيليون شكوكا حول الذهاب نحو عملية برية في غزة تعيد للأذهان ما حصل خلال العدوان على غزة 2021، حين نفذ الطيران عملية تدمير ما سماه “مترو حماس”، وهي العملية الفاشلة التي استهدفت قتل ثلاثمئة من المقاومين خلال تدمير شبكة الأنفاق شرق قطاع غزة، لكن إخفاق الجيش في العملية التي تم التحضير لها سنوات عديدة شكّل صفعة على وجوه جميع المشاركين فيها.
اليوم تظهر جملة من مبررات الساسة الإسرائيليين لهذه التخوفات من ضعف أداء العسكر، أو تردّدهم، منطلقين من قاعدة مفادها “ما لم تستعدّ له، فلن ينجح”، وهو ما يسمى “قرار ساحة المعركة”، الذي يستدعي إعداداً مسبقاً لبنك الأهداف المقرر مهاجمته في غزة، بما يشمله من مواقع هجومية جوية وبحرية عالية القدرة، لكن تشغيل العملية البرية يطرح نفسه مرة أخرى عن مدى فاعليتها، وجدوى إنفاق الجيش لميزانياته في قدرات عملياتية لن تتحقق فعلياً على الأرض
ودأب عدد من كبار الجنرالات في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وعلى رأسهم رئيس الأركان هآرتسي هاليفي ورفاقه على ترديد مزاعم بأن الجيش بنى قوة كبيرة يفترض أن تهبط في عمق أراضي قطاع غزة، تقاتل حماس فيها، من خلال خطط عملياتية تم التدرب عليها خلال السنوات الماضية، رغم بقاء خشيته الدائمة من سقوط أعداد كبيرة من الخسائر البشرية في صفوف جنوده، وتأثير هذا العدد في الجمهور الإسرائيلي في الجبهة الداخلية بعد الخسائر الكبيرة التي تلقاها في عملية طوفان الأقصى.
سيناريوهات معقدة
وتخشى الأوساط السياسية أن يكون جيش الاحتلال غير قادر على ترجمة مناوراته على الأرض في ضوء ما تتحضر له المقاومة، مما يعطي مشروعية للمستوى السياسي للتخوف من إمكانية تفوق حماس على الجيش الذي لن ينجح في إيقاف أو تقليل إطلاق الصواريخ على الجبهة الداخلية.
فضلاً عن عدم منح العملية البرية الحيّز المطلوب لها مع إمكانية تزايد الضغوط الدولية على الاحتلال، في ضوء مشاهد الدمار والمجازر المرتكبة بحق المدنيين الفلسطينيين، وكل ذلك من شأنه زيادة الفجوة القائمة بين المستويين السياسي والعسكري.
ويقول المحلل أبو عامر أن تشكيل حكومة الطوارئ ربما أزال كثيراً من التباينات بين المستويين السياسي والعسكري في ضوء انضمام عدد من الجنرالات السابقين لما يسمى “مجلس الحرب”، لا سيما بيني غانتس وغادي آيزنكوت، فضلاً عن وزير الأمن الحالي يوآف غالانت، لكن ما حصل جاء بعكس تطلعات نتنياهو، لأن استطلاعات الرأي منحت حزب المعسكر الوطني برئاسة غانتس تفوقاً غير مسبوق بحصوله على 41 مقعداً، فيما لو حصلت انتخابات حالية، فيما حصل حزب الليكود برئاسة نتنياهو على 19 مقعداً!
ومنحت الأزمة السياسية والحزبية الإسرائيلية منذ تشكيل حكومة اليمين الحالية حضوراً مميزاً للجيش وجنرالاته، وبقدرتهم على التأثير بالقرارات التي يعتبرونها تدخلاً في نطاق الأمن القومي، وعلى رأسها الحرب الجارية على غزة، فإنه زاد من التداخل في علاقة المستويين السياسي والعسكري، مما يجعل من توجهات الحكومة المصغرة المكلفة بإدارة الحرب غير مستقرة، وعرضة للتغيير المفاجئ، مع البدايات الأولى للعملية البرية المزمع تنفيذها في أي لحظة.
ويشكل إعلان رئيس الحكومة لحالة الطوارئ في إسرائيل يمنح المستوى العسكري، ممثلاً بالجيش وأجهزة الأمن، مزيداً من النفوذ في رسم السياسة التي يراها مناسبة لغزّة، لا سيما فيما يتعلق بقرار ومدى وعمق العملية البرية، بزعم أن “الدولة تواجه تهديداً وجودياً” بعد هجوم حماس الأخير في مستوطنات غلاف غزة، مما يعني ارتفاعاً لـ”منسوب” العسكر في قرار العملية البرية، لذا تهيمن وجهة النظر الأمنية على السجال السياسي الحاصل، بزعم أن الجيش أخذ على نفسه تقدير الانتصار في المواجهة، مما قد يظهر ضعف المستوى السياسي.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات