قال دَاوُدَ أوغلو في خطاب استقالته:
– سأغير منصبي ولن أغير رفاقي..
– لن أسمح لأحد أن يكسر قلوب رفاقي ..
– لن أسمح لأحد أن ينال من صداقتي لرئيس الجمهورية “اردوغان” فشرفه شرفي وعائلته عائلتي.
تلك كانت كلمات ذيّل بها “أحمد داود أوغلو” استقالته من منصب رئيس وزراء تركيا، وأحرق بها أقلام وفضائيات الانقلاب العسكري في مصر، التي راودتها شهوتها للتشفي والشماتة في استقالة الرجل الثاني في تركيا.
توقع مراقبون الاستقالة غير المعلنة لأحمد داود أوغلو خاصة بعد تصريحات أدلى بها أمام اجتماع الكتلة النيابية لحزب العدالة والتنمية، حيث ظهر استعداده للتنحي عن منصبه لأجل وحدة الحزب، لكن صحفيا معارضا رأى فيها إعلانا لبدء النظام السياسي الرئاسي بالبلاد.
استقال الرجل من منصبه وانسحب من المشهد برقيّ وتحضر ينمّان عن شخصية ليست عادية بل شخصية تعرف جيدا كيف تختلف، وكيف تحفظ قيمتها وقدرها، وتعرف كيف تحافظ على الأخوّة بينها وبين من عاشت وعملت معهم سنوات طوال.
الرجل الثاني!
على طريقة الحريم؛ غمزت صحيفة “الأهرام” الناطقة بلسان عسكر الانقلاب في مصر، على خبر الاستقالة بعنوان :” استقالة داود أوغلو .. وزوج ابنة أردوغان مرشح لخلافته”، وكان واضحاً أن استقالة أحمد داود أوغلو، أحد أنجح القادة السياسيين في العالم والرجل الثاني في تركيا من منصبه ليس أمرا سهلا بل هو حدث كبير، فقد اهتمّت كل صحف العالم تقريبا بهذا الخبر لما يمثله من أهمية كبيرة.
لكن كلمات “أوغلو” خيبت أقلام أعداء تجربة أردوغان، التي كانت تنتظر خبرا مثل هذا لتتلقفه وتجعله في عناوينها الرئيسية، وتوجّه من خلاله ضرباتها لأردوغان ومشروعه الذي يتبناه، وقد كان إعلام السيسي في مصر ينتظر خطاب أوغلو وتعقيبه على قراره، لتتزين صحفهم بالشماتة والتشفي، فقد ظنوا أن أوغلو سيخرج للعالم مهاجما رفقاءه الذين تربى معهم وحمل معهم نفس الهم سنوات طويلة أيّا كانت طبيعة الخلاف وشدته وأسبابه.
إلا أن الرجل خذل كل أعداءه وفعل كما يفعل الكبار متأدبا بآداب الإسلام في الخلاف ومتأسّيا بأخلاق عظماء الأمة في خلافاتهم، فلم يهاجم أوغلو رفقاء دربه ولم ينس الفضل بينه وبينهم بل مدحهم وأثنى عليهم وتحدث عن رئيسه الذي اختلف معه بأدب جم، معلنا بذلك “أننا قد نختلف ولكننا لا نتخلى عن ثوابتنا ومبادئنا ولا نفرّط في أخوّتنا”.
التحول الرئاسي
من لدن تحولها إلى التعددية الحزبية عانت الحياة السياسية في تركيا من أمراضٍ مزمنة سببها تدخل أطراف وقوى خارجة عنها، وقد مثلت الانقلابات العسكرية – التي أضحت شبه دورية تتكرر كل عقد من الزمان – نتيجة حتمية لتلك الحالة المرضية التي حالت دون نمو الديمقراطية ونضوجها.
وقد اعتبر الرئيس الراحل تورجوت أوزال – وكثيرون غيره – أن النظام البرلماني يفتح الباب على مصراعيه أمام تدخل القوى الداخلية والخارجية في الحياة السياسية، لذلك نادى بضرورة التحول للنظام الرئاسي أو نصف الرئاسي، وعمل من أجل ذلك، لكن ظروفه لم تمكنه من تحقيقه.
بعد أن حقق أردوغان نجاحاته المتتالية، وضع نصب عينيه مشروع التحول للنظام الرئاسي الذي يؤسس للاستقرار، ويغلق الباب في وجه تدخل القوى من خارج المؤسسة السياسية، ويقطع الطريق على مهندسي السياسة من بقايا الدولة العميقة.
وعند بحثه عمن يخلفه في قيادة الحزب، كان شرط أردوغان الأول هو التحول إلى النظام الرئاسي، والشرط الآخر هو مكافحة الكيان الموازي. هذان الشرطان اللذان وافق أحمد داوود أوغلو عليهما، ومن ثم, اختاره أردوغان خلفاً له .
لكن داوود أوغلو فيما بعد لم يكن متحمساً كثيراً لمشروع التحول للنظام الرئاسي، ولم يقم بما يجب من أجل تسويقه، كما أنه لم يجعله في سلم الأولويات.
الصراع مع فتح الله كولن
شكل تشبث أردوغان وإصراره على تحويل نظام الحكم في تركيا من برلماني إلى رئاسي محور الصدام مع جماعة فتح الله كولن، التي نجحت في النفوذ داخل مؤسسات الحكم، وسعت إلى الاستحواذ على الدولة التركية ليس من خلال العمل السياسي بأساليبه المعروفة، بل عن طريق السياسات الخفية، بحيث تمسك بيدها خيوط اللعبة دون أن تمارس السياسة!.
ولأن النظام البرلماني أشد ملائمة لنشاطها قياساً بالنظام الرئاسي الذي يحد من قدرتها على الحركة، ويشكل خطرا على مستقبلها، فقد انقلبت جماعة كولن على الشراكة الإستراتيجية مع حزب العدالة والتنمية التي استمرت قرابة تسع سنوات، فشكلت تحالفاً مع قوى المعارضة من بقايا الدولة العميقة، لتصبح رأس الحربة في الحرب على أردوغان، حيث قامت بتاريخ 17 و 25 ديسمبر عام 2013 بمحاولة انقلابية ضده بواسطة أذرعها الممتدة في سلك القضاء والشرطة.
لكن أردوغان شرع في حرب تصفية وتكسير عظام ضد الجماعة، بعد أن أدرجها في وثيقة الأمن الوطني كمنظمة إرهابية.
ما من شك في أن هناك قوى كثيرة داخل تركيا وخارجها تعول على حدوث انقسام وانشقاق في صفوف حزب العدالة والتنمية، وغير قليل من هؤلاء سيسعى لذلك بكل ما أوتى من قوة وجهد وإمكانات، لكن الكتلة الشعبية الصلبة التي تصطف خلف أردوغان، ثم تماسك النواة الصلبة للحزب، إضافة إلى المزايا الشخصية للقيادات التي اختلفت مع أردوغان، تجعل احتمالية سيناريوهات الانشقاق والانقسام شبه معدومة، كما تجعل انتخاب رئيس جديد للحزب وتشكيل حكومة جديدة عملية سلسة سهلة وشبه روتينية .
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات