أحمد موفق زيدان
د. أحمد موفق زيدان

د. أحمد موفق زيدان يكتب: هل وصلت شظايا الثورة السورية لواشنطن؟

لم تحظ المذكرة التي كتبها 51 دبلوماسياً أمريكياً, المحتجة على السياسة الأمريكية إزاء العصابة الأسدية, بالاهتمام الذي تستحقه، فهي ليست الأولى، إذ سبقها بحسب صحيفة “نيويورك تايمز” أربع إلى خمس مذكرات تمردية بين عامي 2014-2015، لكن المهم هو الإشارة إلى أن هذه المذكرة تعكس إحباط بيروقراطية الخارجية الأمريكية تجاه ما يجري، ومثل هؤلاء الدبلوماسيين الذين قد لا تكون السياسة دنّست أخلاقهم بالقدر الذي فعلته مع الكبار، ولذا فقد ظلوا مشدودين إلى ما تبقى من قيم أمريكية.

الواضح أن الخارجية الأمريكية نسبياً أكثر تشدداً مع الأسد من البنتاجون والاستخبارات ومعهما الكونجرس، ولذا فقد خرجت وزيرة الخارجية السابقة هيلاري كلينتون مبكراً محتجة على سياسة أوباما تجاه سوريا، وتبعها السفير الأمريكي في دمشق سابقاً روبرت فورد,  فالمسؤول عن الملف السوري في الخارجية الأمريكية سابقاً فريدريك هوف وآخرون، لتأتي هذه المذكرة لتتوج الغضب في صرح الخارجية.

المذكرة طالبت بتوجيه ضربات عسكرية للعصابة في دمشق، لاسيما مع تعاظم النفوذ الروسي بما يهدد المصالح الأمريكية لا في سوريا فقط، وإنما حتى في الدول العربية وتركيا، وأوربا بما يتعلق باللاجئين، فحلفاء أمريكا يرون تخلياً عنهم، ووصل الأمر ذروته بدعوة رئيس الائتلاف السوري أنس العبدة لمعادلة جديدة 5+1 لسحب البساط من تحت أقدام الدولتين اللتين استأثرتا بالوضع السوري على مدى خمس سنوات، لضم دولا مثل الصين وألمانيا وفرنسا وبريطانيا إلى جانب روسيا وأمريكا.

دبلوماسية القنوات المتمردة ليست بالجديدة على الدبلوماسية الأمريكية، فقد سبق لهذا الاحتجاج أن حصل أيام حرب فيتنام، وتقسيم بنجلاديش، ولكن لم تكن بمثل هذا الحجم من التوقيع والامتعاض، وإن كان رئيس الدبلوماسية الأمريكية جون كيري قال أخيراً إنه يتفهم هذه المذكرة وأبعادها، لكن قضية التناقض في السياسة الخارجية الأمريكية ليست وليدة الحدث السوري كما تبين، وهو ما دفع شخصية مثل هنري كيسنجر إلى كتابة كتاب كامل بعنوان “نحو سياسة خارجية أمريكية واحدة”، رصد فيه الخلافات والتباينات بين أجهزة الحكم الأمريكية من بنتاجون وبيت أبيض وخارجية واستخبارات تجاه قضايا تتعلق بالشؤون الخارجية.

ليس المطلوب من أمريكا باعتقاد الموقعين على المذكرة شن حرب عالمية على روسيا وإيران والعصابة في دمشق، فقد كان بالإمكان ومنذ اليوم الأول ترشيح شخصية دبلوماسية ذات وزن، وسجل نجاح تفاوضي، أما أن يُرشح شخصية مثل ديميستورا كوسيط دولي ليختار فريقاً أقرب إلى الشبيحة، فهذا يعني أن صاحب القرار الأمريكي شريك أساسي في المجازر السورية، وذهب ديميستورا لاعتماد مقاربة روسيا وإيران والعصابة بدمشق بالقضاء على الثورة السورية، فوصل به التشبيح أن يسمي الحرب السورية بالعبثية ويدعو إلى هدن محلية، وهي سياسة العصابة، ويفشل في إدخال علبة حليب للمناطق المحاصرة، وبإمكان واشنطن لو كانت جادة في مساعدة الشعب السوري أن تفرض عقوبات اقتصادية حقيقية وجوهرية كما فرضت على الرئيس الصربي ميلوسوفيتش، وأن تفرض مناطق آمنة، وهو ما سيرسل رسائل قوية للأسد, ومن وراءه, بأن اللعبة انتهت، أما أن تُقصف الكتائب والجيوش المحسوبة على أمريكا من قبل روسيا دون أي رد فعل منها، فهذا يعني أنها فقدت كل المصداقية حتى وسط حلفائها.

بكل تأكيد مثل هذه المذكرة ليست موجهة إلى إدارة أوباما وهي في آخر أيامها، وإنما للحكومة المقبلة لعلها تضع الأساس مع الوضع السوري، وحين نتحدث عن الإدارة المقبلة فنحن نتحدث عن إدارة كلينتون الداعية إلى تسليح المعارضة وفرض مناطق آمنة للسوريين في الشمال، إذ بدت خلال خطاباتها الانتخابية أكثر تشددا مع طاغية الشام، بالمقابل هناك مرشح آخر منافس وهو دونالد ترامب الذي يرفض إسقاط بشار بشكل واضح، ويعلل ذلك بالقول «لا مجال لبناء دول جديدة»، وكأن سوريا اليوم في ظل محبوبه أسد سنغافورة وسويسرا!

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …