بعد سنوات زادت عن العشر من الانقسام والقطيعة وتعطيل مختلف مناحي الحياة، وبعد أن ظل تراشق الاتهامات يأكل منا ومن حقنا وقضيتنا, ويعيب شعبنا ويشكل إهانة لشهدائه ويسفه نضاله ويسخف مقاومته..
وبعد أن حلت حركة “حماس” لجنتها الإدارية التي ظلت ذريعة للرئيس عباس الذي ظل يؤكد جهوزيته لرفع مختلف العقوبات في اليوم التالي لحل حماس لجنتها الإدارية، وهو ما لم يف به، حتى اللحظة..
وبعد أن انهالت على حركة حماس مختلف المدائح لسدها الذرائع لمجرد حلها للجنة الإدارية..
وحيث إن حكومة التوافق الوطني والسلطة الرئاسية التي تعلوها لم تقم أي منهما بأي خطوة ولو صغيرة أو جزئية تُحسب لها في مسار إنهاء الانقسام دعماً للمصالحة من حيث رواتب الموظفين والخصم منها 30% إلى 55 % أو إلغاء إجراءات التقاعد المبكر أو حتى تجميدها، أو إنجاز فعل يلمسه الناس في مجال الكهرباء أو نحو ذلك..
وحيث شعر شعبنا بالمماطلة والمراوغة – لا سيما بعد أن كان قد احتواه الاستبشار والأمل – إذ لا شيء قد تحقق أو تغير، على الرغم من مرور نحو شهرين على حل حماس لجنتها الإدارية، ومرور نحو شهر ونصف الشهر على استلام حكومة الوفاق للوزارات والمؤسسات العامة في قطاع غزة، ومرور أكثر من شهر على توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة،
وحيث إن نشاط حكومة التوافق التي هي حكومة وصفها الرئيس بأنها حكومته – لم يتعدّ استلام الوزارات والمعابر والمؤسسات التي غادرتها حركة حماس بل وقدمت للحكومة كل سبل التيسير لاستلامها..
وحيث إن اجتماع الفصائل المقرر عقده الأسبوع المقبل، يوم الثلاثاء 21 نوفمبر وفق اتفاق المصالحة الذي أبرم في القاهرة في 12 أكتوبر الماضي قد تمت الدعوة إليه بالفعل..
فقد جال بخاطري أن أُذكر الفصائل التي ستلتئم في القاهرة بما تعنيه المصالحة، كما يريدها وكما يفهمها شعبنا، وهي على النحو الآتي:
- المصالحة ليست قُبلاً وصوراً وابتسامات تخفي وراءها إقصاءً واستئثاراً ومحاصصة واستحواذاً وثنائيات، ذلك أن ابتسامات السياسيين لا تعني بالضرورة التفاؤل والتصالح والاتفاق، كما رأينا،
- المصالحة لا تعني إبقاء العقوبات التي فرضها الرئيس ظلماً وعلى غير قانون، ولا تعني الإبقاء على مآسي الموظفين من حيث الخصم من الرواتب والتقاعد والتقاعد المبكر، وإنما المصالحة تعني إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقسام والتعامل مع الموظفين حسب القانون.
- المصالحة لا تعني مجرد استلام حكومة التوافق الوزارات والمؤسسات، وإنما تعني قيام الحكومة بمهامها واضطلاعها بكامل مسؤولياتها.
- المصالحة لا تعني مباغتة طرف للطرف الآخر بمطالب جديدة، وإنما الالتزام بما تم الاتفاق عليه دونما خروج على نصوصه أو الإتيان بتفسيرات أو تأويلات جديدة تخرجها عن مقاصدها بغية تصعيد الأزمة من جديد حيث يبدأ طرف باتهام الآخر بعدم استجابته لمتطلبات المصالحة،
- المصالحة لا تعني الاختلاف في الهدف أو الاتجاه, فذلك يفقد طرفيّ المصالحة كل شيء يمكن أن يقام عليه مشروع وطني فلسطيني جامع.
- المصالحة لا تعني أبداً شراكة الاضطرار والضرورة، وإنما شراكة الرغبة والاندفاع الوطني نحو الواجب، ذلك أن شراكة الضرورة والاضطرار ليست راسخة بل من اليسير فسخها وقتما شعر طرف من أطراف الشراكة بإمكانية استغنائه عن الطرف الآخر حين توفر بديل عنه.
- المصالحة سبيل أو ممر طبيعي يفضي إلى التوافق على المرجعيات والتوافق على الثوابت التي في صدارتها ضرورة التوافق على الإجابة عن سؤال “ما هي فلسطين؟”
- المصالحة لا تعني أبداً أن تبقى منظمة التحرير الفلسطينية مفرغة – كما الآن حالها – من تاريخها ومضمونها النضالي والثوري، ولكنها تعني أن تكون المنظمة قائداً لا مقوداً – كما هي الآن – وأن تعاد هيكلتها ويعاد تفعيلها بغية إصلاحها لتعود مرة أخرى معبرة عن الهم النضالي والوطني الثوري للشعب الفلسطيني.
- المصالحة لا تعني أن يبقى المجلس التشريعي معطلاً، وإنما يعاد على الفور تفعيله.
- المصالحة لا تعني أن يستفيد طرف من أي بيئة خارجية على حساب الطرف الآخر.
- المصالحة الحقيقية الجادة لا تعني توافق طرفيّ المصالحة في القول مع الاختلاف والتضاد في الفعل، وإنما تعني التطابق والانسجام بين القول والفعل.
- المصالحة لا تعني الإبقاء على الحصار، وإنما رفعه على الفور، لا سيما الحصار المفروض من الرئيس منذ سنوات.
- المصالحة ليست كلمة تقال فتسر السامعين، وإنما هي فعل ناتج عن رغبة, وجدية طرفيّ الانقسام في إنهائه، كما أنها نتاج عملهما المتصل والمشترك لرفض أي مؤثرات خارجية تحول دون تحقيقها.
- المصالحة لا تعني استمرار الحصار واستمرار العقوبات، وإنما إنهاء الحصار ورفع العقوبات بمجرد زيارة الحكومة لقطاع غزة وتسلمها الوزارات، وهو ما لم يحدث حتى اللحظة، كما أنها تعني رفع العقوبات التي أكد الرئيس أنه جاهز لرفعها ثم حين انزلق عن تأكيده حانثاً بوعده عاد ليقول إنه لن يرفع العقوبات إلا بعد توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة، وهو وعد آخر لم يف به، حتى اللحظة، ثم عاد ليقول على الفضائية المصرية:”أنا مش مستعجل”، وهو أمر شائن ومعيب.
- المصالحة تعني وقف الاعتقالات والاستدعاءات وإطلاق سراح السجناء السياسيين وسجناء الرأي سواء في الضفة أو غزة.
- المصالحة لا تعني استمرار التنسيق الأمني، خلافاً لمطالب كل القوى والفصائل، وخلافاً لقرار المجلس المركزي لمنظمة التحرير الصادر في مارس 2015، كما أن المصالحة لا تعني، أبداً، ارتفاع أصوات متنفذة تروج للتنسيق الأمني وتقول إن التنسيق الأمني في الضفة سوف يُنقل أيضاً إلى غزة، فالتنسيق الأمني جريمة كبرى وربما أكثر من ذلك بكثير.
- المصالحة ليست كلمة من اليسير قولها، ولكنها وصف لمرحلة مهمة وخطيرة نحن على أمل أن يكون الطرفان المتخاصمان/ المتصالحان قد بدءا يستشعران فيها الخطر، الأمر الذي يجب أن يدفعهما إلى توجيه الخلاف والاختلاف بينهما نحو خلق منهجية تصالحية حقيقية من التوافق والاتفاق.
- المصالحة هي السعي السلمي التوافقي المشترك في اتجاه تخطي الماضي بسلبياته وتجاوز كل عوائقه وإلغائها لتصويب كل ما نجم عنها من مظالم وأخطاء مع مغادرة تامة ونهائية لسبل معالجة الخلاف بالمواجهة أو بالمخادعة إلى سبل المعالجة بالهدوء والتوافق والحس الوطني والعقلانية.
- المصالحة لن تنجح أبداً إذا طغى فيها شعور بأن هناك من هو غالب منتصر ومن هو مغلوب منكسر، الأمر الذي يحتم ضرورة الانطلاق نحو المصالحة من الشعور الوطني الخالص المتسع لا من الشعور الحزبي/ الفصائلي الضيق.
- المصالحة لا تتم ولن تنجر ولن تكون دون توافق وطني حول حقيقة خلافنا الداخلي وحقيقة صراعنا مع المحتل الصهيوني، وإلا إذا آمن المتوافقون على المصالحة وأيقنوا على نحوٍ لا مخادعة فيه أن هذه خطوة في بداية مشروع وطني ذي أمد طويل يقود إلى هزيمة الاحتلال وتحقيق الحرية والاستقلال.
وبعد، فانطلاقا من وطنية شعبنا وانتمائه الحقيقي لوطنه فلسطين (الأرض والتاريخ والهوية) فإننا نفهم تماماً وندرك يقيناً أن المصالحة الحقيقية لا تعني أبداً التسليم بشروط الرباعية، كما أنها لا تعني، في أي حال، نزع سلاح المقاومة التي لا علاقة لها بإدارة السلطة التي اعترف رئيسها غير مرة أنها سلطة بلا سلطة، كما أن المصالحة الحقيقية، لا يمكن أن تعني اندراج المقاومة أو إدراجها تحت سقف أي فرائض أمنية مثل التنسيق الأمني أو تحت أي التزامات سياسية جاءت بها اتفاقية أوسلو.
أما آخر الكلام، فإن شعبنا يطالب الفصائل الفلسطينية التي ستجتمع في القاهرة الأسبوع المقبل بما يأتي:
- رفع العقوبات على نحو كامل وعاجل.
- إنهاء الحصار وفتح معبر رفح فوراً.
- اضطلاع حكومة التوافق الوطني بكامل مسؤولياتها دون مزيد من التأجيل والمماطلة.
- التوقف عن مطالبات ليس منصوصاً عليها في الاتفاق أو تم تأجيل بحثها لآجال محددة.
- حسم كل القضايا على نحو لا يسمح بالتفسيرات والتأويلات، خاصة فيما يتعلق بأرزاق الناس ومستقبل حياتهم وأبنائهم.
- التوقف عن التلاعب بأعصاب الموظفين الذين حملوا عبء قطاع غزة في كل مجال خلال السنوات العشر الماضية.
- تفعيل المجلس التشريعي على نحو عاجل.
- التأكيد على التمسك بسلاح المقاومة طالما بقي الاحتلال، وهو ما تكفله كل القوانين والشرائع وحتى كل الطبائع السليمة.
- الإدراك اليقيني للقيمة العليا لبيت الشعر القائل:
لم يدخل الأعداء من حدودنا لكنهم تسربوا كالنمل من عيوبنا
كاتب وأكاديمي فلسطيني – جامعة الأزهر بغزة
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات