في هذا المقال نحاول تسليط الضوء على الإشكاليات التنظيمية التي تواجهها المعارضة المصرية في الخارج، وفي القلب منها المعارضة الإسلامية بعد ست سنوات من تنحي مبارك.
وإذا بدأنا بتحالف دعم الشرعية الذي تشكل قبل فترة وجيزة من انقلاب الثالث من يوليو 2013 ، باعتباره أول كيان تم تشكيله لتمثيل القوى الرافضة للانقلاب في الداخل، فسنجد أنه منذ تدشينه كان قاصرا على القوى ذات المرجعية الإسلامية فقط بشتى توجهاتها؛ الإخوانية والسلفية والجهادية والجماعة الإسلامية، والوسط وغيره، فالتحالف بدأ بعشرة أحزاب وقوى إسلامية هي: الإخوان، البناء والتنمية ” الجماعة الاسلامية “، الأصالة ” إيهاب شيحة”، الفضيلة ” محمود فتحي”، الإسلامي” الجهاد” مجدي سالم، الإصلاح ” عطية عدلان”، بالاضافة لأربع قوى أخرى انسحبت بعد ذلك لأسباب مختلفة هي الاستقلال ” حزب العمل “، والوسط” أبو العلا ماضي”, والوطن ” يسري حماد- سلفي ” بسبب الرغبة في البحث عن مظلة أوسع من الإسلاميين، الجبهة السلفية التي انسحبت بعد رفض التجاوب مع انتفاضة الشباب المسلم عام 2015. كما أن الجماعة الإسلامية ذاتها هددت بالانسحاب بهدف تشكيل الكيان الأوسع ، لكن قرار التصويت لجمعيتها العمومية جاء بالأغلبية لصالح البقاء في التحالف.
وقد ظل التحالف يقود كل الفعاليات المناهضة للانقلاب في الداخل، حتى تم التضييق عليه سواء كأحزاب بعد قرار اعتبار أحزابه “إرهابية” في نهاية ديسمبر من ذلك العام، أو من خلال اعتقال العديد من قياداته مثل ممثل الإخوان الدكتور محمد علي بشر، وممثل حزب الاستقلال مجدي قرقر وغيرهما، مما حدا بممثليه إلى نقله إلى تركيا. ولقد واجه التحالف عدة إشكاليات أبرزها فكرة الهيمنة الإخوانية وهاجس عدم الثقة . فالقوى غير الإخوانية في التحالف اتهمت الإخوان بالسيطرة عليه من خلال حشد مؤيديها على أرض الواقع دون التنسيق معهم، وفي المقابل اتهم الاخوان هؤلاء بأنهم يقومون بأنشطة دون علمهم.
ومع بروز المجلس الثوري في أغسطس2014، استمرت هذه القوى في اتهامها للإخوان بسحب البساط من التحالف لصالح المجلس الثوري الذي تهيمن الجماعة عليه. ولم يكن هذا هو نقطة الخلاف الأساسية، فقد برزت نقطة أخرى لا تقل عنها أهمية هي فشل التحالف في ضم الكيانات المدنية الليبرالية واليسارية إليه، بل لوحظ حدوث انسحابات منه لهذا السبب ” الوسط والوطن تحديدا”، بل إن ذلك كان أحد أسباب تفكير الجماعة الإسلامية في الانسحاب منه.
ولعل هذه السلبية هي التي أدت للتفكير في إنشاء الكيان الثاني للمعارضة وهو المجلس الثوري باعتباره يمثل الجناح الخارجي للتحالف من ناحية، وحرصه على ضم أطياف أخرى من غير الإسلاميين في إطار توسيع مفهوم الاصطفاف الوطني من ناحية ثانية. ورغم حرص المجلس منذ تأسيسه على وجود هيكل تنظيمي أكثر وضوحا من التحالف، فضلا عن ضم أفراد من توجهات مختلفه في إطاره التنظيمي الأعلى، إلا أن هذه الأمور لم تدم طويلا . فقد انتقلت إشكاليات التحالف إليه، حيث تم اتهام الإخوان كذلك بالهيمنة عليه، واتهامه بالفشل في تحقيق الاصطفاف، فضلا عن احتكار الحديث باسم الثورة. وبالتالي فبدلا من توسيع المجلس، كانت هناك حالة من الانسحابات ربما أكثر من تلك التي شهدها التحالف، حيث انسحب منه كل من الحزب الاسلامي، الإصلاح، والأصالة، وكذلك البناء والتنمية. وبمعنى آخر؛ لم يبق من قوى التحالف في المجلس سوى الإخوان وحزب الفضيلة، فضلا عن بعض الشخصيات اليسارية والليبرالية كالدكتورة مها عزام رئيسة المجلس” ليبرالية ” والمهندس محمد كامل ” ناصري”، كما انسحبت منه شخصيات أخرى إخوانية وغيرها بسبب التباينات حول أسلوب الإدارة، فضلا عن بعض التباينات الشخصية، فقد استقال نصف أعضاء المكتب التنفيذي من الإخوان كالدكتور عمرو دراج رئيس المكتب السياسي، و قطب العربي، ومنهم الشباب كياسر فتحي، وأحمد البقري، ثم أخيرا وليس أخرا أحمد الشرقاوي؛ رئيس اللجنة الإعلامية ذو التوجهات اليسارية.
وإزاء هذه التباينات وتواضع الأداء بالنسبة لهذين الكيانين، بات يتعين على قوى المعارضة في الخارج إن أرادت لعب دور فاعل في إسقاط الانقلاب وفق بياناتها العديدة، البحث عن كيان منشود أكثر اتساعا “قدر الإمكان” يضم شتاتها، مع تقييم دقيق للكيانات الراهنة. لكن قبل هذا وذاك، هناك مجموعة من الأمور والإشكاليات لا بد من أخذها في الحسبان أبرزها مايلي:
أولا: مدى توافر الإرادة السياسية للتوحد والاصطفاف، إذ لا يزال ميدان القول غير ميدان الفعل، بدليل عدم تمكنها من تشكيل كيان أوسع حتى هذه اللحظة، بل التباين حول المبادئ الرئيسة المتفق عليها فيما بينها.
ثانيا: إعادة رفع الواقع في ضوء المتغيرات الداخلية والخارجية ووضع رؤيتها للاصطفاف في إطار ذلك.
ثالثا: تحديد أولوياتها بدقة. فعلى سبيل المثال بالنسبة للإخوان باعتبارها الفصيل الأكبر والأكثر ضررا في الوقت ذاته منذ الانقلاب، بات يتعين على الجماعة الإجابة على تساؤلات مبدئية ستكون محددة لأجندة الاصطفاف وموقفها منه، أبرزها: ما هي أولوياتها في إطار الأوضاع الراهنة وبعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الانقلاب؟ هل هدفها الأول حماية الفرد أم الأسرة أم الجماعة أم الحكومة أم الدولة؟ ولعل الإجابة على هذه التساؤلات ربما تحل الكثير من المسائل الشائكة مع قوى المعارضة. فعلي سبيل المثال لو كان الهدف الفرد أو الأسرة أو حتى الجماعة، فلن تكون قضايا الحكم وهوية الدولة والشرعية من القضايا الرئيسية الحرجة، أما إذا كان الهدف هو الحكم والسياسة والدولة، فلا شك أن هذه القضايا الحرجة ستحتاج لضرورة التوصل لاتفاق بشأنها مع باقي قوى المعارضة الأخرى.
رابعا: الاصطفاف حول أجندة مشتركة .. والدخول في التفاصيل وعدم الاكتفاء بالمبادئ العامة المشتركة التي تهيمن على المشهد حتى هذه اللحظة.
خامسا: أهمية البحث عن بدائل وعدم الاكتفاء بالمسار الثوري فقط، فأي خطط لا بد أن تشتمل على خيارات بديلة لاسيما في ظل ظروف الوضع الراهن، اللهم إلا إذا كان النظر إلى القضية في إطار المعادلة الصفرية الحدية.
خامسا: ضرورة معالجة المشكلات الهيكلية ومنها ضرورة إقامة الكيان الجامع للمعارضة وما يرتبط به من إشكاليات مثل نسب التمثيل، وطريقة اتخاذ القرارات وغيرها.
سادسا: فهم إشكاليات العلاقة بين النظم المدنية والعسكرية وكيفية الإطاحة بالانقلابات على المستوى العالمي، فتحديد إطار العلاقات المدنية العسكرية يتوقف على ثلاث فئات رئيسية هي العسكر والنخبة المعارضة ثم الشعب، وكلما كانت النخبة المدنية ضعيفة كلما كانت هناك صعوبة في الإطاحة بالانقلاب العسكري، أو حتى التوصل لصيغة ديمقراطية مقبولة، أو بمعنى أخر هناك صعوبة في الحديث عن عملية تحول ديمقراطي حقيقي، لا سيما أن أحد أسباب تحديد التحول الانقلابي إلى الحكم الديمقراطي هو طبيعة النظام الذي تم الانقلاب عليه، فكلما كان مدنيا ديمقراطيا ” كحالة مرسي” صارت احتمالية تحول العسكر للديمقراطية محدودة, عكس ما إذا وقع الانقلاب ضد نظام استبدادي. وبصفة عامة هناك صعوبة في تحول النظم العسكرية إلى مدنية إلا في حالات نادرة. وهنا نشير إلى الدراسة المهمة لكل من كونتي دي مارشال، ودونا مارشال، اللذين قاما بدراسة الانقلابات العسكرية حول العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 1945، وحتى عام 2008 ، حيث تم رصد 247 انقلابا ، تحول 14 منها فقط إلى الديمقراطية, ما يعني في التحليل الأخير أن مستقبل أي نظام حتى وإن كان انقلابيا يتوقف على عوامل عديدة منها قوة المعارضة داخليا والضغوط الخارجية من ناحية ثانية، بحيث يمكن أن نكون أمام نظام تسلطي أو هجين “ديمقراطية شكلية”، أو ديمقراطية مدنية حقيقية.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات