قد يكون من سبيل المصادفة أن تتزامن مجاهرة بعض الدول العربية التي تتزعم الحملة على قطر بأن ما أقدمت عليه من إجراءات ضد هذه الدولة يعود بسبب علاقاتها بكل من حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وجماعة “الإخوان المسلمين”, مع قرار وزير التعليم الصهيوني نفتالي بنات بأن يتم تدريس سيرة الإرهابي أدي دربن، الذي اشتهر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي بتنفيذ الإعدامات الميدانية ضد الأسرى العرب والفلسطينيين الذين يقعون في قبضة الصهاينة.
ولم يكن من المستهجن أن يخرج قادة ونخب اليمين الصهيوني بشقيه العلماني والديني عن طورهم في التعبير عن مدى ارتياحهم للقرارات التي اتخذت ضد قطر؛ وبشكل خاص بسبب المسوغات التي سيقت لتبرير هذه الحملة, فلم يتم التعاطي مع القرارات ضد قطر على أنها تهدف فقط لتضييق الخناق عليها لإجبارها على قطع علاقاتها بحماس والإخوان، بل لأن التقدير السائد في تل أبيب يقول إن هذه الحملة ضد قطر تحديدا تمهد للتطبيع العلني والجذري بين الكيان الصهيوني والعالم العربي. وقد عبر وزير الحرب الصهيوني أفيجدور ليبرمان عن هذه التقديرات بشكل صريح وجلي عندما توقع أن تتسع دائرة التطبيع مع إسرائيل بشكل أفقي بحيث تشمل معظم الدول العربية وبشكل رأسي بحيث تتعاظم مجالات التطبيع، وتصبح أكثر جسارة.
وهناك في إسرائيل من بات يرى أن الحملة على قطر وما تبعها تدلل على مصداقية ما كشفته صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية عشية زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة من أن دولا عربية قد أبلغت الإدارة الأمريكية أنها توافق على تطبيعٍ كامل مع إسرائيل، مقابل تجميد رمزي للبناء في المستوطنات النائية مع تواصل البناء على التجمعات الاستيطانية الكبرى التي تضم أكثر من 80 % من المستوطنين.
ومما يبعث على المرارة والأسى حقيقة أن أقطاب ومنظري اليمين الصهيوني سارعوا إلى استغلال الحملة على قطر والدعاوى والتبريرات التي سيقت من أجل شرعنتها للادعاء بأن هذه الحملة تدلل على أن الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية والعربية ليس سبب التوتر في المنطقة، بل “الإرهاب” الذي تمثله حماس والإخوان المسلمين! وإن كان هذا لا يكفي، فإن وزير الأمن الصهيوني الداخلي جلعاد أردان المكلف بمواجهة حركة المقاطعة الدولية على إسرائيل “BDS” أصدر تعليماته بتوظيف مجاهرة الدول العربية باعتبار حركة حماس حركة “إرهابية” من أجل التدليل على أن ما تقوم به “BDS” غير مبرر وغير منصف.
وحسب أردان، يتوجب على حركة المقاطعة الدولية ألا تزايد على الدول العربية التي لا تحمّل إسرائيل المسؤولية عن أي مصدر من مصادر عدم الاستقرار في المنطقة.
لكن إلى جانب كل ما تقدم، فإن هناك شبه اجماع داخل الأوساط المسؤولة عن بلورة التقديرات الإستراتيجية في إسرائيل بأن الحملة على قطر توفر البيئة التي تساعد على شن حرب صهيونية جديدة على قطاع غزة.
وحسب عاموس هارئيل، معلق الشؤون العسكرية في صحيفة “هارتس”، فإن المؤسسة العسكرية في تل أبيب ترى أن قطر باتت الداعم الوحيد الذي تحول مساعداته المادية دون انهيار الأوضاع الاقتصادية بشكل مطلق في القطاع، مما يعني أنه في حال أسفرت الضغوط على الدوحة عن توقف المساعدات للقطاع، فإن هذا سيزيد من فرص الحرب بشكل كبير.
وتحريًا للموضوعية، فإن الصهاينة لا يبدون متحمسين لمواجهة جديدة لاعتبارات إستراتيجية عديدة، لكن من الواضح أنه في حال نشبت هذه المواجهة، فإن البيئة الإقليمية ستكون بالنسبة لهم بيئة مثالية تماما؛ حيث إنه لم يحدث في يوم من الأيام أن استُنفر المحيط العربي ضد المقاومة الفلسطينية كما هي عليه الأمور حاليا.
لكن ما لا تحسب له حساب الأطرافُ العربية التي تناصب المقاومة العداء السافر على هذا النحو, حقيقة أن صلف الغرور والعنجهية الصهيونية ستحرجهم, فلا يوجد ما يدلل على أن الجانب الصهيوني معني بأن يوفر لهذه الأطراف ما تحفظ به ماء وجهها، بل على العكس.
فالحكومة الصهيونية تمهد لتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى عبر قطع المزيد من الخطوات نحو تقسيم الحرم القدسي الشريف تمهيدا لحسم مصيره، إلى جانب الكثير من الخطوات التي ستقلص من هامش المناورة أمام الأطراف العربية التي لا ترى في السلوك الصهيونية أي مشكلة.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات