لو كانت الأمور تخضع للمنطق والاعتبارات الموضوعية، لكان لزاما على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن يقدم الاعتذار لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بعدما تبين أنه قام بتوبيخه ورفع صوته عليه خلال اجتماعهما الأخير في بيت لحم نتاج عملية تضليل قام بها رئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو. فقد وبخ ترامب عباس بحجة أن نتنياهو أطلعه على فيديو يظهر فيه رئيس السلطة وهو يحرض على إسرائيل.
فقد دلل الصحافي الإسرائيلي بن كاسبيت على أن الفيديو الذي عرضه نتنياهو على ترامب أُخرج من سياقه، حيث تم اقتباس مقطع محدد من كلام عباس في إحدى إطلالاته الإعلامية وعرض على أنه تحريض، في حين أن كاسبيت يؤكد أن نتنياهو وفريقه تجاهلا عمدا حديث عباس في نفس الإطلالة ضد عمليات المقاومة وتشديده على تشبثه بخيار التسوية، وتمسكه بالتعاون الأمني مع الكيان الصهيوني.
ومن نافلة القول، أنه عندما يصدر تأكيد إسرائيلي بأن نتنياهو قام بتضليل ترامب، فيتوقع أن يتخذ الأخير موقفا من المسألة. فنتنياهو استخف بوعي ترامب وإدارته من أجل أن يقدم مسوغا لتبرير إصراره على عدم الوفاء بمتطلبات التسوية السياسية للصراع.
ترامب لا يحتاج إلى الفيديو المفبرك ليحكم على عباس وتوجهاته, وقد كان حريا به أن يتابع الإعلام الفلسطيني، الذي سرب ما دار في الاجتماع الأخير للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عندما رد عباس على مطالبة القيادية في الجبهة الشعبية؛ النائبة خالد جرار عندما حثته على وقف التعاون الأمني، قائلا: « سأواصل التنسيق الأمني مع إسرائيل». أي أنه لو كان عباس يريد التحريض على إسرائيل، فإن هذه المناسبات تمنحه الفرصة للقيام بذلك، لكنه في الواقع مستعد للتحريض على كل الفلسطينيين وغير مستعد للتورط في سلوك يمكن أن يغضب الصهاينة.
تضليل نتنياهو لترامب واستخفافه به لا يتمثل فقط في الفيديو المفبرك إياه، بل يتعداه إلى مسرحية التسهيلات الاقتصادية التي أعلنت عنها إسرائيل عشية زيارة ترامب للمنطقة، حيث تبين أن هذه التسهيلات مجرد خدعة كبيرة. فقد تبين أن هذه التسهيلات التي طبّلت لها إسرائيل وأقامت الدنيا ولم تقعدها وهي تمهد للإعلان عنها لا تتعدى زيادة ساعات عمل المعابر الحدودية في الضفة الغربية.
فكيف لعاقل أن يصدق أن أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية في الضفة الغربية ستتغير بشكل دراماتيكي بعد قرار إسرائيل زيادة ساعات العمل في معبر «الكرامة» على الحدود الفلسطينية الأردنية إلى جانب زيادة ساعات العمل في المعابر التجارية داخل الضفة الغربية؟
ومما لا شك فيه أن أكثر صور التضليل التي اعترفت بها إسرائيل ذاتها يتمثل في ادعاء نتنياهو بأن حكومته غيرت من سياستها المتعلقة بمنح تراخيص البناء للمواطنين الفلسطينيين في مناطق «ج» التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية. فمن أجل طمأنة المستوطنين اليهود في الضفة الغربية، سارع ديوان نتنياهو للقول إن تراخيص البناء التي سيتم منحها الفلسطينيين هي في الواقع تصاريح تم بالفعل اصدارها قبل زيارة ترامب وفي مناطق محددة بعيدة عن تواجد المستوطنات.
ومن الواضح أنه لو كان نتنياهو يخشى أية عواقب لمظاهر استخفافه بمتطلبات تحقيق التسوية السياسية للصراع لما قرار بناء مئات الوحدات السكنية في المستوطنات اليهودية في أرجاء الضفة الغربية بعيد مغادرة ترامب.
لكن كان من المنطقي أصلا أن يرتفع سقف التوقعات من ترامب إلى درجة المطالبة بأن يعاقب نتنياهو على تضليله الفج؟
قد تكون من المفارقة ذات الدلالة أنه في الوقت الذي كان ترامب يحط رحاله في تل أبيب قادما من الرياض، كان القيادي في الحزب الجمهوري الأمريكي القس مايك هكابي، حاكم ولاية إركنساس السابق وأحد أكثر المقربين من ترامب يقود آلاف المستوطنين اليهود والمسيحيين الإنجليكانيين مقتحما مدينة نابلس ويدنسها بحجة الصلاة فيما يسمى بـ «قبر يوسف»، في قلب المدينة الفلسطينية.
قصارى القول.. ترامب لم يقع في التضليل، بل هو ببساطة يستخف بعباس وسلطته لدرجة أنه غير مستعد للتوقف عندما يفتضح أمر استخفاف نتنياهو بوعيه وهيبة بلاده.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات