د. صالح النعامي يكتب: عباس إذ يسوق ماركته المسجلة

 

على الرغم من أنه خلع قبعته الدينية خلال زيارته الأخيرة لتل أبيب ورام الله، إلا أن مبعوث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للمنطقة جيسون جرينبلات، معروف بانتمائه للتيار الديني اليهودي المتشدد، الذي يطلقون عليه بالعبرية «حريدي». جرينبلات عمل لعقود في خدمة المستوطنات اليهودية القائمة في الضفة الغربية، وعمل مثله مثل اليهوديان ديفيد فريدمان السفير الأمريكي المعين في تل أبيب وجارد كوشنير، صهر ترامب وزوجه ابنته إيفنكا لصالح جمع تبرعات للمستوطنات اليهودية.

على ما يبدو، فإن رئيس السلطة محمود عباس، الذي يرجح أن أحدا ما قد أحاطه بمعلومات حول جرينبلات ومدى علاقته باليمين الصهيوني، خرج عن طوره من أجل اقناعه بأن سلطته ملتزمة بالتعاون الأمني مع إسرئيل بغض النظر عن التقدم في العملية التفاوضية مع إسرائيل.

فمن أجل طمأنة جرينبلات أمر عباس بتنظيم جولة له في أكبر معسكرات التدريب التابعة للأجهزة الأمنية الخاصة بالسلطة بالقرب من أريحا، حيث عقد هناك اجتماعا مع قادة هذه الأجهزة وحثهم على العمل من أجل تحسين مستوى الشعور بالأمن لدى المستوطنين الصهاينة. عباس لم يكتف بذلك، بل أنه وعلى مسامع جرينبلات أوضح أنه منخرط في الحرب على «الإرهاب» التي أعلنها ترامب إلى جانب التزامه بالعمل ضد التحريض على إسرائيل!

المفارقة أن إسرائيل ردت على عباس بطريقتها، فأعلن وزير الحرب أفيجدور ليبرمان بأن «الصندوق القومي الفلسطيني»، الذي يعد أهم المؤسسات الاقتصادية التابعة للسلطة والمنظمة, هو «مؤسسة غير قانونية وتدعم الإرهاب». ليس هذا فحسب، بل إن الصهاينة يتجهون إلى طلب مساعدة ترامب في الزام السلطة بالتوقف عن دفع مخصصات لعوائد الشهداء والأسرى والجرحى، على اعتبار أن مثل هذا السلوك «يشجع الإرهاب». وهناك ما يدلل على أن مثل هذه الطلبات ستجد آذنا صاغية في إدارة ترامب.

إن المشكلة التي تواجه عباس تتمثل في أن تهافته على إدارة ترامب لا يقابله أي توجه أمريكي إيجابي، حيث أن جرينبلات، وبإقرار عباس نفسه، لم يطرح خلال لقائهما أية فكرة لدفع مشروع التسوية بين إسرائيل والسلطة، معللا ذلك بأنه جاء للاستماع.

لكن ما تقدم لم يمنع عباس من مواصلة التشبث بالتعاون الأمني وإصراره على عرض هذا «المنتج» كماركة مسجلة باسم السلطة. وهذا من أسفٍ يدلل على ما سبق أن حذر منه عضو اللجنة المركزية لحركة فتح؛ صائب عريقات في تسجيل صوتي مسرب قبل ثلاث سنوات، من أن كل ما يعني عباس هو ألا ينتهي به المطاف إلى نفس المصير الذي انتهى به سلفه الراحل ياسر عرفات.

ما قاله عريقات منطقي، حيث أنه لا يوجد ثمة مسوغ لتواصل التعاون الأمني مع الصهاينة الذي يعمل على تآكل النسيج الوطني الفلسطيني. فحتى نخب إسرائيلية تستهجن أن يتواصل هذا التعاون على هذا النحو.

فالمعلقة الإسرائيلية عميرة هاس تقول إن سلطة عباس تعمل «كمتعهد لدى الاحتلال بدون مقابل حقيقي». وتقدم هاس صورة تبعث على الأسى حول طابع بعض مظاهر التعاون الأمني ضد المقاومة الفلسطينية الذي يتواصل بين إسرائيل والسلطة.

وتشير إلى أنه في مقر قيادة الجيش الإسرائيلي التي تبعد كيلو متر واحد عن رام الله يتواجد مكتب فيه ضابط إسرائيلي هو الذي ينذر قيادة الشرطة الفلسطينية بأن الجيش الإسرائيلي بصدد تنفيذ عملية اعتقال أو دهم أو تدمير في المناطق الفلسطينية وذلك حتى يحرص عناصر الشرطة الفلسطينية على الاختفاء من الأمكنة التي ينوي الجيش مداهمتها.

وتواصل هاس فضح سلطة عباس حيث تؤكد أن هناك ما يسوغ اتهام أجهزة السلطة الأمنية بتقديم معلومات للمخابرات الداخلية الإسرائيلية «الشاباك» ساعدت في التعرف على مكان تواجد المقاوم باسل الأعرج وتصفيته قبل أسبوعين. المهم أن هاس تدحض المسوغات التي يتشبث بها عباس لتبرير تواصل التعاون الأمني مع إسرائيل، حيث تشير إلى أن هذا التشبث يدلل على أن عباس يحترم التزامات السلطة في الاتفاق ويوافق على إعفاء إسرائيل من التزاماتها.

وتؤكد هاس ما يعرفه الجميع من أن عباس وقادة أجهزته الأمنية يواصلون التعاون الأمني فقط من أجل الحفاظ على مصالح الطبقة التي تحكم السلطة وذلك من خلال التضامن مع القوة التي تمارس الاحتلال على شعبها.

 

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …