د. عادل الأسطل: السّفارة الأمريكيّة في الطريق إلى القدس

الشعارات التي يسوقها المرشحون ضمن حملاتهم الانتخابية، للمنافسة على رئاسة دولة أو احتلال منصب ما، تتغيّر، تحت أي حجة فور فوزهم بالمنصب، ولكن يبقى عدد قليل منها يتم البدء في تحقيقه، باعتباره عصب الحملة، والتي لا بد من الوفاء بها، وخاصةً فيما تتعلق بالأمور الداخلية، أو الخارجية الكبرى.

ومنذ قيام إسرائيل، سبق أن أعلن جميع المرشحين لرئاسة الولايات المتحدة، ديموقراطيين أو جمهوريين, دون استثناء بأنهم  سيهتمّون بنقل سفارة بلادهم إلى القدس، وتعاظمت كمية الوعود على نحوٍ أكبر منذ احتلال إسرائيل للقدس الشرقية عام 1967، بهدف تحقيق القدس الكبرى وإعلانها عاصمة يهودية للدولة.

فمنذ أوائل السبعينات الماضية وإلى الآن، لم يتخلف الرؤساء الأمريكيون، عن وعود نقل السفارة، بدءاً من ريتشارد نيكسون إلى باراك أوباما، لكنهم بقوا على تفضيلهم التراجع عن الوفاء بوعودهم، خشية المسّ بعلاقات ومصالح الولايات المتحدة مع دول المنطقة العربية والإسلامية، وبذريعة أنه لا يجب الإسراع بتنفيذ فكرة النقل ما لم يتم الاتفاق بشأنها، وبالمقابل يقومون بتعظيم التعهّدات، التي تدلّ على أن “القيم الأمريكية” تجاه إسرائيل، هي قيم أخلاقية لا تتزعزع!، وغالباً ما كان العرب يدفعون أثماناً لقاء إرجاء تنفيذ تلك الوعود.

 

من جانبه – على سبيل المثال- أشار الرئيس رونالد ريجان في أبريل/نيسان 1984، إلى إمكانية نقل السفارة، برغم التعهّد الذي أخذه على نفسه بعدم إقدام بلاده على هذه الخطوة، في أوقاتٍ سابقة، وكان مجلس الشيوخ الأمريكي، قد بلغ الذروة بصدد هذه الخطوة، حيث أقر قانوناً في العام 1995، وحدد بأن على الولايات المتحدة نقل السفارة إلى القدس في موعدٍ أقصاه الآخر من مايو/أيار 1999، ولكنّ ذلك لم يحدث، بسبب معارضة الرئيس بيل كلينتون، برغم مصادقته على القانون، وبعد تأكيده ذات مرّة بأن الولايات المتحدة قد عيّنت مكانها.

من الآن فصاعداً، وبعد فوز دونالد ترامب، وباعتباره رئيسا أسطوريا! ومن عالم آخر، وقد جعل على رأس أولوياته، نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، في حال حصل على منصب رئاسة الولايات المتحدة، وأنه لن يتوان لحظة في فعل ذلك, ربّما هذه المرّة قد يكون تنفيذ الفكرة حقيقياً، لأن الرئيس هذه المرة جادٌ في تهديده باعتباره محباً لإسرائيل ولرئيس وزرائها بنيامين نتانياهو تحديداً، كاره للعرب والمسلمين والفلسطينيين بشكل خاص، ولأن الوقت مناسب لإيصال حقيقة أن مستوى التعاون بين الولايات المتحدة وإسرائيل سيكون أوثق وأقوى من أي وقت مضى، إضافةً إلى رغبته في إزالة التوتر الذي ساد علاقات الولايات المتحدة مع إسرائيل، والذي تأسس بناءً على كراهة متميّزة بين الرئيس الأمريكي أوباما ونتانياهو.

 

على المستوى الفلسطيني، اعتُبرت نيّة ترامب خارقة للحدود، وتمثل احتقاراً للقانون الدولي وللسياسة الخارجية الأمريكية المُعتادة، وأنها في حال تنفيذها ستنجم عنها أمور خطيرة، وهناك على المستوى الخارجي، من اعتبروا أن فكرة النقل غير قابلة للتنفيذ، وحتى من الإسرائيليين أنفسهم، باعتبارها تصريحات لزوم السوق، وهي مماثلة لتصريحات من سبقوه، لكن هذه الاعتبارات لا يجب الركون إليها.

 

وإذا كان العرب يهمّهم عدم رؤية السفارة الأمريكية على الطريق إلى القدس، فإنهم مدعوّون هذه المرّة، وخاصةً الذين لم يُسلّموا بعد، بقضية أن تكون القدس عاصمة للدولة الإسرائيلية، إلى الانتباه جيّداً، والعمل بشكلٍ جادّ على درء هذه النوايا.

 

 

شاهد أيضاً

محمد السهلي يكتب : الأونروا والعودة.. معركة واحدة

بحكم معناها ورمزيتها ووظيفتها، يصبح الدفاع عن الأونروا معركة واجبة وملحة .. ومفتوحة. ومع أن …