د.عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: الاقتتال بين الفصائل المقاتلة .. أحداث الغوطة

الاقتتال الدائر اليوم، بين الفصائل السورية المقاتلة، في الغوطة وماحولها، عمل جرمي يتحمل مسؤولية الدماء التي أريقت فيه القادة الميدانيون الذين اضطلعوا بكبره، والمسؤولون الكبار، الذين هم على علم مسبق بخلفية قرارهم، وبما سيؤدي إليه ذلك القرار من عواقب وخيمة، قد يكون من الصعب التنبؤ بنتائجها.

 هذا الحكم ليس مقصورا على الغوطة وماحولها، وإنما يشمل حالات الاقتتال في المحافظات السورية كافة. ذلك أن تلك الفصائل تجمع بين صفوفها خليطا غير متجانس من المقاتلين الذين هم واحد من ثلاثة:

الأول- ساذج بسيط, عنده طاعة الأمير مقدمة, ثم هو ضحل الثقافة، ليس له قدرة على اتخاذ القرار الشخصي, لذلك فهو تابع وحسب.

الثاني- ذكي ذو ثقافة ومعرفة, لكن تنقصه التقوى، وقد تجذبه المكاسب العارضة، فلا ينشغل بالحلال والحرام بقدر انشغاله بما سيجنيه عليه موقفه من تلك المكاسب.

الثالث- مسؤول وهو الذي يجب أن تثار حوله الشبهات وأن تتخذ تجاهه المواقف وأن يكون عرضة للمساءلة؛. فمسؤوليته تتعلق بأمة بكاملها تتعرض بسبب الخلاف الناشب بين تلك الفصائل للإبادة، وليس خافيا على أحد مشاريع التهجير التي تهدف إلى تغيير البنية الديموجرافية السورية، وهذا يعني باختصار القضاء على العرب السنة في سوريا، ومن ثم تحويل سورية إلى دولة علمانية لادينية متعددة الأعراق واللغات والأديان. ولذلك فإن التفريط بالدم السوري جريمة لايعدلها جريمة. فالأمة اليوم تخوض معركة كبيرة لم يسبق لها أن خاضت مثلها في تاريخها القديم والحديث. فبعد الصفحات الرائعة التي سطرها المجاهدون في المعارك التي خاضوها يسقطون فجأة في حمأة الخلافات المفجعة والنظريات الضيقة، ومن ثم يتصرفون تصرفا كيديا بدون أن يأخذوا باعتبارهم ماهم فيه من مخاطر محدقة، وانتكاسات مفجعة وما أمر حلب منهم ببعيد, عداك عن حمص والقصير والزبداني ومضايا ومعضمية الشام وداريا، وفي بعضها الآن تقام الحسينيات ويهرع إليها أخلاط الشيعة، من بلدان شتى، ليسكنوا فيها، وليعمروها؛ لايهمهم أن يكون ذلك على دماء أصحابها وأشلائهم المتناثرة, الأمر الذي يوجب على الجميع التخلي عن الخلافات فيما بينهم، والعودة إلى حظيرة العمل المشترك بعيدا عن الاقتتال، وبعيدا عن الصراعات الكارثية وعن المواقف الخاطئة التي ستؤدي إلى الخسارة المطلقة.

 لانقول أمام النظام حسب، ولكن أمام أصحاب المصالح الأجنبية الذين يهرعون اليوم إلى الساحة السورية، وكل منهم يصارع من أجل حصته لايبالي بأمر سورية وشعبها، أفي عدد الأحياء هم أم في عدد الأموات! فالمهم، أن يكون للروس حميميم وطرطوس، وأن يضمنوا سيطرتهم على قاعدتهم البحرية، وهو الحلم الذي عجز عن تحقيقه من قبل القياصرة والسوفيت, وأن يكون للأمريكان السيطرة على شرقي سورية ووسطها، في الرميلان والرقة، وأن يكون للفرنسيين والإنجليز كفل من ذلك، وأن يمتد النفوذ الإيراني من العراق إلى سواحل المتوسط وذلك بعد السيطرة على دمشق وماحولها، وصولا إلى حلب وحماة وحمص واللاذقية, أو مايسمى بـ (سورية المفيدة) كلها. وذلك بعد أن تكون الانهيارات في صفوف المقاتلين قد حدثت حقيقة, وبعد أن يكون بعضهم قد تحولوا إلى شبيحة أو نبيحة, وبذلك تكون اللعنة على الذين فرطوا بقضيتهم التي ثاروا من أجلها أولا، وبأخوتهم التي كان عليهم أن يعتصموا بها, وبالموقف المسؤول الذي يوجب على الجميع أن يتركوا ما بينهم من خلافات، وأن يلتقوا على الكلمة الجامعة، التي بها العصمة من الزيغ والانحراف الحاصل اليوم، وقد تولى كبره الجهلة والحمقى من الذين تيبست ضمائرهم، أو نسوا بعضا مما ذكروا به من ” الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا” أولا  ومن الذين نسوا قوله تعالى:” قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم، أو يلبسكم شيعا، ويُذٍيقَ بعضكم بأس بعض” ثانيا.

ولو عدنا إلى من عندهم علم من الكتاب لوجدنا أن معنى يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض، أن يخلط أمركم عليكم فتكونوا فرقا متناحرة يقتل بعضكم بعضا، وقد نهانا سبحانه أن نكون من  المشركين، وأصحاب الأهواء والبدع، الذين بدلوا وغيّروا في دينهم، فأخذوا بعضه وتركوا بعضه تبعا لأهوائهم، فصاروا فرقا وأحزابا، يتشيعون لرؤسائهم وأحزابهم، وآرائهم، يعين بعضهم بعضا على الباطل، كل حزب بما لديهم فرحون, يحكمون لأنفسهم أنهم على الحق وغيرهم على الباطل, فيقتتلون فيما بينهم، وهذا هو واقع الفصائل المتقاتلة التي يقاتل بعضها بعضا. فبأي من المسائل تتمارى؟ وبأي منها تجادل؟ وبأي منها تدعي؟ وقد حادت عن أمر ربها وسلكت طريق التنازع الذي قادها إلى الفشل. قال تعالى: “وأطيعوا الله ورسوله، و لاتنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريُحكُم، واصبروا إن الله مع الصابرين ولاتكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاءَ الناس، ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال لاغالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم، فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم”. قال المفسرون, أي التزموا طاعة الله وطاعة رسوله في كل أحوالكم، ولاتختلفوا، فتتفرق كلمتكم، وتختلف قلوبكم، فتضعفوا وتذهب قوّتكم ونصركم، ولاتكونوا مثل المشركين الذين خرجوا من بلدانهم كبرا ورياء. وهذا من وجهة نظرنا كافٍ لأولئك الذين غرهم مابين أيديهم من سلاح، وماتسوّل لهم به أنفسهم، ومايوحيه إليه أسيادهم فهم في حكم التابع لأعداء معروفين أو غير معروفين فيغيرون على بعضهم ويقتتلون فيما بينهم افتتالا ليس أشد ضراوة منه ناسين أو متناسين أن الاقتتال بين الفصائل المقاتلة جريمة لاتعدلها جريمة، وأن الذي يفتي لهم بجوازه جاهل، وهو ليس من أهل الفتوى، وأن الرابح الأول والأخير من ذلك الاقتتال فئتان:

الفئة الأولى- النظام، الذي يتربص بالمقاتلين أن ينهك بعضهم بعضا، فينقض عليهم، ويمزقهم شر ممزق، فيتمكن من بسط نفوذه على سورية كلها بعد ست سنوات من الثورة.

الفئة الثانية- أصحاب المصالح الدولية وهم على التسلسل: إيران، وروسيا، وأمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، ولا تعدم آخرين، كل منهم يتطلع إلى حصته من الفريسة، لايهمه، من أمر السوريين، إلا بقدر مايكون مستفيدا, و كان ما كان بعد لسورية وشعبها.

  ومسؤولية الوقوف في وجه هؤلاء وهؤلاء, تقع على عاتق السوريين جميعا، وفي طليعتهم المجاهدون الذين هرعوا إلى الساحات العامة منذ الأيام الأولى للثورة، والذين لايزالون على العهد باقين لايهمهم من خالفهم إلى أن يأتي أمر الله “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله لقوي عزيز”.

وفي الختام: نتوجه بكلمات ثلاث:

الأولى- إلى المقاتلين الحقيقيين والثوريين المجاهدين وحاملي الهم السوري بعامة, لهؤلاء جميعا نقول:” لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة” أي قدوة حسنة تتأسون بها ” وما آتاكم الرسول فخذوه، ومانهاكم فانتهوا واتقوا الله” جاء في التفسير: وما أعطاكم الرسول من مال، أو شرعه لكم من شرع فخذوه، ومانهاكم عن أخذه أو فعله فانتهوا عنه، واتقوا الله بامتثال أوامره، وترك نواهيه قال: والآية أصل، في وجوب العمل بالسنة قولا أو فعلا أو تقريرا, وهذا يعني أن الاقتتال الحاصل بين المقاتلين هو حيدان عن السبيل الحق الذي يجب أن يكون عليه المسلمون, فالقضية قضية دين أولا، وقضية شرع سماوي ثانيا وقضية موقف من حاكم طاغية وجب الخروج  عليه على وفق القوانين والأعراف، والشرائع السماوية والأرضية ثالثا,  ولانظن أن هناك أمة من الأمم فعل بها حاكمها بعض مافعله أو يفعله الآن بشار ثم لايحق لها الخروج عليه أو العمل على استبدال نظامه بالنظام الذي يتوافق عليه شعبها.

الكلمة الثانية موجهة إلى الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، نقول لهؤلاء- والشمس لاتخفى بغربال- لقد أحدثتم في أمركم، مالم يحدثه من قبلكم أحد في القديم أو الحديث, فبأي وجه ستلقون ربكم، وبأي الذرائع والحجج ستحاجون عنده في يوم لاينفع فيه مال ولابنون، وهو اليوم الذي سيعرض الخلق فيه على ربهم، فتبيض وجوه وتسوّد وجوه وبذلك تكون العاقبة، التي هي نتاج ماقدمت يداك أنت أيها المقاتل الذي تضع يدك على الزناد لتقتل مجاهدا مثلك؛ كل همه أن تنتصر الثورة ويسقط النظام، ويصلح أمر الناس وهو الأمر الذي تعاهد عليه السوريون، يوم خرجوا على الطاغية، ويوم قالوا لا للنظام الفاسد الذي أفسد على الناس حياتهم.

الكلمة الثالثة موجهة إلى الأتباع الذين يتبعون أمراءهم في سوح القتال، والذين يقاتلون سواهم من المقاتلين؛ نقول لهؤلاء لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ثم ياقوم لا تأمنوا هؤلاء الذين يسوقونكم إلى سوح القتال أن يكون بينهم من الخونة و المجرمين من هو على ارتباط بالنظام؛ وما أمر عمر رحمون منكم ببعيد، ذلك الذي كان عليه قبل أن يوقع على صك تسليم حلب أن يجز لحيته وأن يخلع لباسه وأن يخرج على الناس بزي رجال النظام، وليس بزي المقاتلين المجاهدين.

   نقول هذه الكلمة عن عمر رحمون وهي كلمة يدخل في خانتها كل من خان وتآمر، ومن ألب على إخوانه، ومن رضي أن يكون تابعا، أو عمل جاسوسا أو عميلا، فكلهم – وهم على سواء في أمرهم -يفضّل لهم أن يجذّوا لحاهم، وأن يخلعوا لباسهم الإسلامي قبل أن يرسلوا الصيحة من أجل الاقتتال ضد بعضهم البعض.

إن دم المسلم حرام، ولايستبيحه إلا قاتل ومجرم وكافر لايؤمن بالله العظيم. وإن الشروع في ذلك أمر له عواقبه الوخيمة ليس على المستوى العملياتي، وهو مستوى  ضيق ومحصور فحسب, وإنما على المستوى العام، حيث إن من شأن ذلك أن يفت في عضد المقاتلين، وأن يجهض الثورة التي أربى قتلاها على المليون، وأن يسجل وبحروف ملطخة بالسواد الخسارة التي سيتأذى منها كل مسلم.

      فهل وعى ذلك أصجاب الأيادي النظيفة؟

     وهل عرف ذلك أصحاب العقول السليمة؟

     وهل نحن مقدمون اليوم على اقتتال  ضار بين الإخوة بعضهم مع بعض وهو اقتتال ليس أكبر منه خسارة؟

أم أن الرجعة ستكون أولا؟ وسيتبعها البراءة والتوبة ولبيك أختاه ثانيا؟

نعتقد أنه لو حدث ذلك فإنه سيكون مقدمة للانتصارات التي سيكون ختامها الانتصار العظيم بسقوط بشار ونظامه، وجلاء الأحزاب جميعا عن أرض سورية الحبيبة.

ذلك ما نبشر به, و الله غالب على أمره، وسيجعل الله بعد عسر يسرا.

رئيس وحدة الدراسات السورية –  مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …