عبد العزيز الحاج مصطفى

د. عبد العزيز الحاج مصطفى يكتب: النخب السورية وحصاد الاغتيالات

كانت السياسة التي بدأتها السلطات الفرنسية في سورية منذ سنة 1918 إلى سنة1946؛ قد أدت إلى (سياسة القبول بالأمر الواقع) لدى الساسة السوريين! وأصبح جنود الجنرال جورو الذين رباهم على عينه منذ سنة1924 الجيش العربي السوري! وكانت هذه المسألة نقطة فاصلة ومهمة في تاريخ سورية الحديث.
ولما كان قرار جورو بإنشاء قوات المشرق الخاصة؛ ينص على أن تكون عمدة ذلك الجيش من العلويين؛ فقد كان العلويون يشعرون بتمايزهم من بقية المكونات السورية، وحظوتهم لدى المستعمر الفرنسي, وكان هذا الشعور بمثابة النقطة الثانية الفاصلة والمهمة، في تاريخ الجيش السوري، وعلاقاته مع بعضه البعض.
وكان الشعور بالامتهان، المسيطر على كثير من ناشئة العلويين، والذي أدخلهم في دائرة التفكير الإثني الذي يخضع لمعايير (نحن وهم) قد أدى بهم إلى مايشبه النفاق في العلاقات العامة، والذي بلغ حد التآمر في بعض مراحله، وهذه المسألة كانت نقطة فاصلة ومهمة في علاقات العلويين مع المكونات الأخرى بعامة، وعلاقاتهم مع زملائهم من العسكريين بخاصة.
النقاط الثلاث من حيث كون العلويين ربوا على أعين الفرنسيين، وشعورهم بالتمايز وأحقيتهم في ملأ الشاغر في الجيش العربي السوري، الذي خُصوا به دون سواهم، وشعورهم بالامتهان من قبل المكونات الاخرى، كل ذلك وضعهم وجها لوجه في مواجهة تلك المكونات، وفي مقدمتها المكون السني الذي يوصف بأنه الأكثر عددا بين مكونات المجتمع السوري.
وقد كان هذا الخلاف على أشده مع مطلع الخمسينيات حيث كانت المنطقة تشهد حراكا طائفيا يقوده ويوجهه الأجنبي. وقد اشتعل فتيل الطائفية ببروز القطبين المتنازعين المتمثلين بـ:
الحزب القومي السوري الاجتماعي الذي كان يريد قطع سورية عن أصولها العربية والإسلامية, والعودة بها إلى الأصول الآرامية والفينيقية – وهي مسألة تثير قرف السوريين بعامة – فضلا عن التنكر للتاريخ الوطني، والضرب عرض الحائط بعلاقة سورية مع شقيقاتها العربيات، وقد كانت تطلعاتها صادقة من أجل التوحد معهم، وهذا ماكان مرفوضا جملة و تفصيلا من قبل ذلك الحزب؛ وبخاصة نخبه المثقفة .
حزب البعث العربي الاشتراكي الذي كان يمتاز في ذلك الوقت، بنظريته الانقلابية وشعاراته القومية, والذي بالرغم من نشأته على أيدي عناصر من الأقليات، إلا أن أعدادا كبيرة من السنة استطاعت أن تنتسب إليه وتتصدر زعامته ويكون لها حضورها في الجيش والقوات المسلحة, حتى قيل إن مرحلة الخمسينيات كانت مرحلة قيادة المكون السني للحزب والجيش معا، وهؤلاء – حقيقة – هم الذين طرحوا مشروع الوحدة، ونفذوه.
ولما كان العلويون بتكونهم الثقافي أقرب إلى الحزب القومي السوري فقد انضم كثير من نخبهم المثقفة إليه؛ كما أنهم دخلوا في صدام مباشر مع حزب البعث الذي كانوا على نقيض منه، واتخذ الصدام في ذلك الوقت مسارين مختلفين:
المسار الأول – المسار الطائفي وهو الأوسع دائرة وقد كان بين العلويين و السنة.
والمسار الثاني – المسار الحزبي: وهو الأضيق دائرة، وقد كان بين الحزبين؛ القومي، والبعث اللذين دخلا في صراعات دامية، وهذه الصراعات تمخضت عن ثلاثة مشاهد:
1- مقتل المقدم محمد ناصر؛ آمر القوة الجوية: كانت أولى حلقات الصراع بين المكونين السني والعلوي قد بدأت بالمقدم محمد ناصر؛ آمر القوة الجوية، في أثناء حكم الشيشكلي سنة 1950 وقد بدا في حينه وكأنه الفصل الأول من دراما الاغتيالات، وقد اتهم بالاغتيال المقدم إبراهيم الحسيني؛ آمر الشعبة الثانية, ومرافقه الملازم عبد الغني قنوت؛ اللذين برّأتهم المحكمة بعد ذلك.
ولدى البحث في خلفية المسألة نجد أن المقدم محمد ناصر كان محسوبا على مجلس العقداء الذي يتزعمه الشيشكلي, وكان قد أسهم مساهمة فعالة في انقلاب الشيشكلي, وأنه كان رئيس الوفد السوري إلى رودس، في مفاوضات الهدنة بعد حرب 1948م مع اليهود.
وفي الجانب الآخر:
كان أحد أقطاب العلويين ومن زعمائهم, وقد كان من أتباعه يومئذ المقدم غسان جديد الذي كان طائفيا فوق العادة.
وكانت بنية المشروع الطائفي تثبت أنه على علاقة بالفرنسيين والإنجليز الذين أثبتت الأحداث أنهم هم الذين ولّعوا فتيل الطائفية، أو اشتغلوا عليها، قصد جعل البلد يغرق في صراعاته، التي تتعارض مع المصالح العليا للوطن التي كانت تعني الدولة المستقلة ذات السيادة. وقد كان هم النخب المثقفة يومئذ ينحصر في ذلك.
وأن رئيس المخابرات في حينها؛ العقيد سعيد حبي, أبلغ الشيشكلي أن محمد ناصر يخطط للقيام بانقلاب بمساعدة خارجية, وهذا يعني ارتباطه بالخارج، بل وعدم استوائه!
وإذا ربطنا بين النفوذ البريطاني في المنطقة ومحاولة البريطانيين استغلال الطائفية لمصالحهم الخاصة؛ أدركنا عمق المسألة؛ فالنخب يومئذ ومنهم العسكريون كانوا أسرى المخططات الطائفية التي كانت توضع لغرض إحكام السيطرة على سورية بكاملها. وهذا الكلام ذكره أكرم الحوراني في مذكراته في الصفحة (1226)، وذكره مطيع السمان في الصفحة 146 في كتابه (وطن وعسكر) الذي نشره سنة 1995م. وهذا يؤكد تورط النخب في ذلك؛ مع معرفتهم المسبقة بها. فأكرم الحوراني؛ أحد قادة حزب البعث كان ذا نفوذ في الجيش السوري وذا دالة على الضباط, وقد أُثر عنه انه كان يقول للشباب العلويين الذين كان يرعاهم في أثناء دراستهم: ” متى أرى النجوم تتلألأ على الأكتاف.” وتلؤلؤ النجوم على أكتافهم بعدئذ هو الذي جعلهم يفكرون طائفيا، ويعملون من أجل الطائفية.
2- مقتل العقيد عدنان المالكي: مثلما كانت الصراعات قد بدأت طائفية بين المكونين السني والعلوي بالمقدم محمد ناصر، فقد ثنت بالعقيد عدنان المالكي بدوافع طائفية أيضا، ومصالح دولية وصراع بين حزب البعث بجناحيه (العفلقي والحوراني) والحزب القومي. وقد كانت الجراءة في قتل المالكي أكثر جريمة منها على قتل محمد ناصر. فبينما اغتيل ناصر عن بعد ومن قبل مجهولين، نجد المالكي يغتال جهارا نهارا في أثناء المباراة التي كانت بين نادي الجيش السوري، ونادي خفر السواحل المصري, والقاتل شخصية معروفة، فهو رقيب في الشرطة العسكرية التي تتولى حراسة الضباط القادة الذين حضروا المباراة مع ضيوفهم، وزيادة على ذلك فهو عضو في الحزب القومي السوري الذي يتزعم جناحه العسكري في الجيش السوري المقدم غسان جديد!
ولدى البحث في خلفية المسألة نجد أنه منذ الانقلاب على الشيشكلي غلب نفوذ القوميين في الجيش والقوات المسلحة, وأصبح تكتلهم هو الأقوى, وأن تكتل الحزب القومي وجد نفسه بعد مقتل ناصر في مواجهة حقيقية مع المكون السني بعامة؛ بل ومتهما بجريمة قتل راح ضحيتها أحد الضباط القادة. وبالرغم من أن حزب البعث نشأ على أيدي أبناء الأقليات إلا أن السيادة فيه أصبحت للمكون السني بعد رحيل الشيشكلي، وهو الأمر الذي نتج عنه:
آ- العمل على التقارب مع مصر، و التفكير الجاد بالوحدة معها.
ب- شعور القوميين السوريين بالغبن، ومحاولتهم تصفية حساباتهم مع قتلة محمد ناصر فوقع خيارهم على عدنان المالكي؛ الضابط الشاب الذي ينتمي إلى المكون السني بأصوله الاجتماعية, ويُعرف بميوله القومية والماركسية، وقربه من البعث والبعثيين وذلك في سنة 1955م وبعد ما لايقل عن خمس سنوات من قتل محمد ناصر. وهذه المسألة هي التي جعلت المراقب السياسي يتساءل عن سبب اختيارهم لعدنان دون سواه؟ والحقيقة أن ثمّت أسبابا لها علاقة بما جري على الساحة السورية من صراعات أو اضطرابات. وهذه الأسباب تتمثل بـ:
المصالح الدولية التي تريد العودة إلى سورية وقد جعلت من الطائفية مدخلا لها.
الجوار الإقليمي الذي يعد أكثر ارتباطا بالمصالح الأجنبية ومنها المصالح الأمريكية والبريطانية على وجه التحديد.
التوجهات الطائفية لدى الأقليات التي ينوس في دائرتها الحزب القومي السوري الاجتماعي, والتي انتهى بها المآل إلى اغتيال المالكي.
مقتل غسان جديد: كانت زعامة العلويين قد آلت إلى غسان جديد بعد مقتل محمد ناصر. وقد كان غسان ناشطا في مواجهة المكون السني وفضلا عن ذلك فهو يتزعم أقوى فصيل مناوئ في الجيش والقوات المسلحة، وهو رمز طائفي بارز، وقد أثر عنه أنه أطلق على الفوج الذي كان يقوده سنة 1948 في حرب فلسطين اسم (الفوج العلوي), وقد كان يتزعم العلويين في الجيش والقوات المسلحة فضلا عن كونه عضوا بارزا في الحزب القومي السوري.
ولدى البحث في خلفية المسألة نجد:
أن الطائفية – وهي تدخل في بنية المكونات الحزبية – هي التي كانت وراء قتل غسان جديد.
أن الصراعات الحزبية سرعت من أمر القتل, ردا على مقتل عدنان المالكي وجزءا من مخطط معد مسبقا، قصد السيطرة على الجيش والقوات المسلحة.
أن المصالح الأجنبية – بخاصة – قد تكون وراء الاغتيال؛ أو على علم به من أجل خلط الأوراق من ناحية، ومن أجل تعميق العداء بين المكونين السني والعلوي من ناحية أخرى.
وفي ختام هذه المشاهد الدرامية، ونحن نلقي نظرة على النخب المثقفة – يومئذ – والضباط القتلى بعض منهم – لانملك إلا أن نقرر الحقائق التالية:
الحقيقة الأولى – تتعلق بحوادث القتل بخاصة: فهي من وجهة نظرنا؛ مرفوضة ومستنكرة، وفق المقاييس الحضارية, فقد جرت البلاد إلى دائرة الصراع الداخلي، والفعل العصابي الذي بدا وكأنه من ضروريات الحل الوطني.
الحقيقة الثانية – تتعلق بخنادق العداء التي حفرت بين مكونات الشعب السوري: وهي خنادق أدت إلى العنف وإلى مزيد من العداء، وقد أثبتت الحوادث اللاحقة ذلك.
الحقيقة الثالثة – وهي الأهم – تتعلق بالدولة المستقلة ذات السيادة: فقد أصبحت ضعيفة و مهلهلة, وهذا أمر كان له مابعده، وقد قادها ضعفها وهيمنة النخب اللامنتمية عليها إلى أتون من التصفيات غير المنتهية، وقد عدها القتلة غنيمة لهم؛ فانتقلت من ضعف إلى ضعف، حتى أصبحت على ماهي عليه اليوم!

رئيس وحدة الدراسات السورية – مركز أمية للبحوث والدراسات الإستراتيجية

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …