د/عزالدين الكومي يكتب : عندما يخرج المقاوم من تحت الركام

عندما قام الكيان الصهيوني باغتيال قادة حماس، ظن أنه بذلك قد قضى على حركة حماس والمقاومة في غزة، ونسي أن كل حماس قادة وجنود في آنٍ واحد.
وقد لفت نظري تصريح سابق للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أشار فيه إلى أن إسرائيل، إذا ما حافظت على هدفها الحالي بتدمير حركة حماس وبالوتيرة ذاتها، فستحتاج عشر سنوات لتحقيق هذا الهدف.
هذا التصريح لا يخلو من مفارقة، إذ يتضمن اعترافًا ضمنيًّا بعجز آلة الحرب الصهيونية أمام مقاومة فلسطينية يُراد لها أن تُباد، لكنها تزداد صلابة مع كل ضربة.
وكم حاول جيش الاحتلال استخدام سيناريو اغتيال القادة من قبل، لكن هذا السيناريو لم يزد الحركة إلا قوة وتماسكًا.
فقد اغتال جيش الاحتلال:
الشيخ صلاح شحادة، والشيخ المؤسس أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، والشيخ نزار ريان، والقائد أحمد الجعبري، ورائد العطار، والشيخ صالح العاروري، وإسماعيل هنية، ومحمد الضيف، ويحيى السنوار… ظنًّا بأن الرأس إذا قُطع، مات الجسد. لكن الواقع فاجأ الجميع، إذ واصلت الحركة تمددها، وصاغت قيادات جديدة من رحم المواجهة، وكأنها جسد لا يموت، بل يتجدد مع كل جرح.
ومع ذلك، لم تترنح حماس، بل تماسكت، وباغتت، وابتكرت. وآخر تلك الإبداعات عملية “المدرعة بوما”، التي نجح فيها أحد المقاومين في صعود المدرعة وإلقاء عبوة داخل قمرة القيادة، فأردى ضابطًا وستة جنود من جيش الاحتلال، في مشهد يُشبه الملاحم، أكثر مما يُشبه الواقع الذي اعتاده الجنود الإسرائيليون من تفوق ميداني.
هذا الصمود لم يكن وليد الصدفة، ولا محض عناد. بل هو ثمرة تراكم تجربة، وتجذر عقيدة، وشبكة من الإيمان، والبذل، والسرية، والتضحية، لا تُقارن بأجهزة الجيوش النظامية المحكومة بالرتب والانضباط البيروقراطي.
ولهذا، فإن كل من يراهن على “استئصال” حركة حماس، إنما يراهن على وهم. فالحركات التي تولد من رحم الظلم والاحتلال، وتغتسل بالدم، لا تُمحى بالقنابل، ولا تُنهى باغتيال القادة.
فالشعب الفلسطيني في غزة – الذي يُقال إنه محاصر ومنكوب – لا يزال يُخرج مقاومين على هذا النحو من الجرأة والابتكار، في وقت تنهار فيه معنويات جنود جيش الاحتلال، ويعودون إلى بيوتهم وهم يجرّون أذيال الهزيمة النفسية، ويتحدثون عن أشباح في الأنفاق، لا تراها كاميراتهم الحرارية، لكنها تقضّ مضاجعهم.
ومع كل محاولة لاغتيال قائد، أو تسوية حيّ بالأرض، تعود “الفكرة” أكثر نقاءً وصلابة. وهذه هي المعضلة التي فشل الاحتلال في إدراكها: أن حماس ليست مجرد تنظيم، بل فكرة… والفكرة لا تُقصف.
والسبب ببساطة أن كلّ فرد في حماس مشروع قائد، وكلّ قائد جندي لا يختلف عن المرابط في نفق أو المتأهب في نقطة رباط. إنها حركة تنسج بنيتها على قاعدة عسكرية وعقائدية فريدة، حيث لا تُرهن المعركة بوجود رأس واحد، بل بروحٍ تسري في الجسد المقاوم بأكمله.
لكن هناك بُعدًا أعظم من كل ما سبق، وهو ما لا تستطيع إسرائيل ولا غيرها أن تدركه أو تتعامل معه: معية الله.
فالسرّ الأعظم لا يكمن في التنظيم وحده، بل في معية الله التي تظلّل هذه المسيرة. لقد بذلت حماس أقصى ما في وسعها البشري: أعدّت واستعدّت، خططت وحفرت، صبرت وضحّت، فكانت المعية الربانية سندها، كما وعد الله لعباده:
“إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.
من ذا الذي يُصدّق أن مقاومًا محاصرًا في بقعة مدمّرة يصعد فوق مدرعة صهيونية متطورة، ويلقي عبوة في قلبها، فيقتل ضابطًا وستة جنود؟! إنها ليست فقط براعة بشرية، بل رعاية إلهية.
وكما قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله:
قال قتادة: “ومن يتقِ الله يكن معه، ومن يكن الله معه، فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل”.
وكتب بعض السلف إلى أخ له:
“أما بعد؛ فإن كان الله معك، فمن تخاف؟ وإن كان عليك، فمن ترجو؟ والسلام”.
(مجموع رسائل ابن رجب، 3/113)
ولهذا، فإن السؤال المطروح لم يعد: متى تنتهي الحرب؟ بل: متى سيركع نتنياهو ويقبل شروط حماس؟
نعم، ليس بالشروط التي أملاها بايدن، ولا بإملاءات ترامب، ولا بضغوط الأوروبيين.
حماس، بعد كل هذه التضحيات، لن ترضى بأقل من النصر الكامل، ولن تقبل إلا بما يمليه دم الشهداء، لا موائد المفاوضات.
فحماس التي أرادوا سحقها خلال أيام، أصبحت اليوم هي من يُملي الشروط، والاحتلال هو من يبحث عن “مخرج مشرّف”. لكنّ الأبواب أُغلقت، وأوراق الضغط احترقت، ولم يتبقَّ أمام الاحتلال إلا أن يُذعن.
حماس لم تنتصر بعد، لكنها لم تُهزم.
والعدو لم يُهزم بالكامل، لكنه فقد زمام المبادرة.
أما النصر الحقيقي، فليس فقط في عدد القتلى أو المواقع التي سقطت، بل في انهيار ثقة الاحتلال في نفسه، وبدء تشكك الداخل في قيادته، وهذا ما تحقّق، بفضل الله، ثم بفضل فكرة صادقة، حملها رجال صدقوا الله، فصدقهم.

شاهد أيضاً

زياد ابحيص يكتب : إغلاق الأقصى هدفٌ للحرب يجب إفشاله

بعد ساعة واحدة من بدء العدوان الصهيوني الأمريكي على إيران، أبلغت قوات الاحتلال إدارة #المسجد_الإبراهيمي …