د عز الدين الكومي : عندما تسبح مع التيار وعكسه ..

ملاحظات على مقال “إنجازات السيسي وإخفاقاته”

لفت نظري إطراء الإعلامي حافظ الميرازي على مقال للدكتور أيمن ندا منصور ، الذي جاء تحت عنوان “إخفاقات الرئيس السيسي” ، حتى ظننت أنه قال ما لم يقله أحد أو أنه عاد إلى رشده وصوابه واعترف بأن ماقام به العسكر هو سطو مسلح على التجربة الديمقراطية وإلقاء لإرادة الشعب في سلة المهملات في خيانة واضحة لم ولن يغفرها التاريخ لكل من شارك فيها أو دعم أو أيد أو فوض أو التزم الصمت أو كذب وخدع الشعب بأن للثعلب دينا ! .
واليوم بعد قراءة مستفيضة للمقال رأيت من واجبى أن أبين ما وقع فيه الدكتور أيمن من أخطاء لا تغتفر لمثله ، حتى لو كان قصده كشف إخفاقات النظام الانقلابي التي هي أصلاً واضحة للعيان ولاتحتاج كل هذا اللف والدوران لبيان فشله وإخفاقاته على كافة الصعد اللهم إلا “الإنجازات التي ينشرها إعلام المخابرات في السر خوفاً من أهل الشر” !!
وقد بدأ الدكتور مقاله بعنوان “لاسمع ولاطاعة” عبارة عن سردية تاريخية من عصر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعصر الراشدين رضوان الله عليهم ، ولكن ختمها بموقف من الحقبة الناصرية السوداء ، حتى هذه السردية التاريخية لم تسلم من التزييف أيضاً !! .
وقد بدأ سرديته التاريخية بموقف الحباب ابن المنذز – رضى الله عنه – في غزوة بدر وتقديم المشورة للنبي صلى الله وسلم ، ثم قصة تأبير النخيل ، وقول النبى صلى الله عليه أنتم أعلم بشؤون دنياكم ، ثم موقف الصديق رضي الله عنه عند توليه الخلافة ، وبعض مواقف من سيرة الفاروق رضي الله عنه .
ثم ولج مباشرة إلى موقف “الزعيم الملهم ” جمال عبدالناصر وتنحيه واعترافه بتحمل مسؤولية الهزيمة _ والذي كان من المفترض أن يقدم للمحاكمة هو ومن معه من عصابة انقلاب 23 يوليو 1952 _ بالرغم من علم الكاتب أن هذا التنحى كان مجرد مسرحية سمجة من تأليف هيكل لدغدغة مشاعر المواطنين الذين خرجوا لا ليطالبوا بتقديم من تسببوا فى الكارثة للمحاكمة، ولكن لتأييد المنهزم للاستمرار في الحكم . وكأنهم يقولون له : إستمر يا جمال لتحقيق مزيد من الهزائم والكوارث ! ، وقد استمر فعلاً وتسبب في مزيد منها ما زلنا نتجرع مرارته حتى اليوم !! .
ثم انتقل إلى نص المادة 161 من دستور العسكر والذي ينص على أنه “يجوز لمجلس النواب اقتراح سحب الثقة من رئيس الجمهورية ، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ، بناءً على طلب مسبب وموقع من أغلبية أعضاء مجلس النواب على الأقل ، وموافقة ثلثي أعضائه .”
وهذا مع تسليمنا جدلاً بأن هناك دستوراً وبرلماناً من أصله .!
فالكاتب يعلم قبل غيره كيف تمت صياغة الدستور وفضيحة تغيير النسخة التي تم إعدادها بوثيقة أخرى باعتراف الدكتور “أبو الغار” أحد داعمي انقلاب 3 يوليو وعضو لجنة الخمسين لصياغة دستور العسكر حيث قال بالنص : ” … وبعدها بأيام قامت القوات المسلحة بدعوتنا على العشاء وحينما انتهينا وزعوا علينا نسخة جيدة من مسودة الدستور وقالوا لنا : تلك النسخة التي سيتم تقديمها للرئيس ، وقتها فتح ممثل الكنيسة الكاثوليكية النسخة ووجد أن تلك المادة تم تغييرها من “حكمها مدني” إلى “حكومتها مدنية” .
وأضاف في لقاء متلفز : “لن أقول أن ما حدث “تزوير” لأنني “مش عايز ألخبط الدنيا في الاستفتاء ، بس ده عك وخلاص “.
وبعد هذه السردية التاريخية والحديث عن المادة 161 من دستور العسكر حاول الكاتب أن يستجدي قائد الانقلاب ، بما يتناقض كلية مع السردية التاريخية التى استهل بها مقاله “لاسمع ولاطاعة” بل يتناقض مع تصرفات قائد الانقلاب وتصريحاته عن المشروعات الفنكوشية في مصر : ” لو مشيت بدراسات الجدوى وجعلتها العامل الحاسم في حل المسائل كنا هنحقق 20 – 25 % فقط مما حققناه” .
فيقول الكاتب : سيدى الرئيس .. أمرتنا كثيراً “ما تسمعوش كلام حد غيري ، لو بتحبوا مصر صحيح اسمعوا كلامي أنا بس” (فبراير 2016) ، وعند مناقشة قضية “اتفاقية تيران وصنافير” قلتم لنا : “أرجو أن الموضوع ده منتكلمش فيه تاني” (إبريل 2016) ، ونصحتنا يوم تحدثنا في موضوع سد النهضة “بلاش هري”(يوليو 2021).. وأرشدتنا مؤخراً (مايو 2022) إلى ” أوعى تحط رجل على رجل وتتكلم عن موضوع وأنت متعرفوش” ، ووجهتنا في غير ذات مرة إلى الإنصات لكم وحدكم ، ولكم فقط ، وفي كلّ المواقف لم يكن ردنا “اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون” ، بل كان جوابنا : “السمع والطاعة لك سيدي الرئيس .. إنا معكم مقاتلون، وخلفكم مصطفون” ، فنحن نثق بكم ، ونصدقكم ، وقبل ذلك كله نحبكم . (انتهى) .
ونحن هنا نؤكد على أننا لم نقل مثله يوماً لقاتل : سمعاً وطاعة ، ونعرف أنه ( أي السيسي) كذاب أشر يكذب ويتحرى الكذب ، وأنه لم يصطفّ خلفه سوى الأفاكين وإعلام المخابرات والمرتزقة في أجهزة الدولة والمشخصاتية .
كما أننا لا نثق فيما يقوله ، لأنه يقول الشيء وعكسه ، والأمثلة أكثر من أن تحصى حتى أنه صدق أكاذيبه!!.
ثم انتقل كاتب المقال إلى الحديث عن الحوار الوطني بعنوان فرعي “المسكوت عنه في الحوار الوطني” :
لعلَّ القضية الأهم التي يجب طرحها مبدئياً على لجان الحوار الوطني هي “تقييم تجربة السنوات الثمانية للرئيس السيسي سلباً وإيجاباً” ، وتحديداً الإجابة عن السؤال التالي : كما كانت للرئيس السيسي إنجازات ضخمة لا ينكرها إلا غافل أو جاهل ، ولا يتعامى عنها إلا حاقد أو جاحد ، فهل له إخفاقات موازية؟ هل كان الرئيس السيسي موفقاً أم غير موفق في إدارة الملفات الرئيسة للدولة؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء عدم التوفيق إن وُجِد؟ ، حتى يمكن تجنبها مستقبلاً؟”
وهنا نلاحظ أن الكاتب طرح سؤالاً لا يعدو كونه نوعاً من المدح والإطراء لقاتل فاشل وأنه صاحب إنجازات ضخمة لا ينكرها إلا غافل أو جاهل!! ، ولا يتعامى عنها إلا حاقد أو جاحد !! .
وأنا هنا بدوري أسأل الكاتب : أين هي هذه الإنجازات ؟ وهل القروض من أجل بناء المدن والطرق والكباري يعد إنجازا؟
وهل تعويم الجنيه وانهياره أمام الدولار يعد إنجازا؟
وهل غلاء السلع والخدمات الضرورية يعد انجازا؟
وهل فتح السجون والمعتقلات يعد إنجازاً؟
وهل بيع الجزر والتنازل عن ثرورات البلاد ومقدّراتها يعد إنجازاً؟
وهل حفر تفريعة لم تحقق أى زيادة أو ربح في دخل القناة يعد إنجازا؟
وهل ارتفاع الدين العام داخلياً وخارجياً يعد إنجازاً؟
وهل تقويض التجربة الديمقراطية والانقلاب العسكري عليها والقتل الجماعي واعتقال الآلاف والإخفاء القسري وانتهاك حقوق الإنسان يعد إنجازا؟!!!.
إن الكاتب يعتبر من ينكر هذه الإنجازات غافلاً أو جاهلاً أوحاقداً أو جاحداً يتعامى عن الإنجازات الوهمية التى لاوجود لها إلا في خيال الإعلام العكاشي !! .
إنها أسئلة مشروعة عن قضايا ممنوعة .
ثم يقول الكاتب : “شئنا أم أبينا دخل الرئيس السيسي التاريخ باعتباره القائد الذي منع اختطاف مصر ، وحافظ على هويتها ، ومنع انزلاقها في حروب داخلية أو خارجية ! ، فالشرعية الثورية لا جدال عليها بالنسبة للرئيس السيسي ، وشرعيته الدستورية والقانونية لا شك فيها” .
وهذا كله كذب صراح وتدليس من الكاتب !! .
لقد دخل السيسي مزبلة التاريخ من خلال المجازر والمذابح التى اقترفتها عصابة العسكر بقيادته ، ومذبحة رابعة خير شاهد على ذلك ، ولكن يبدو أن قرصة ودن الكاتب السابقة أسكرته أو أعمته حتى يعتبر انقلاباً عسكرياً دموياً إنجازاً يدخل صاحبه التاريخ من أوسع أبوابه!!
وأي هوية هذه التي يتحدث عنها الكاتب؟!! ، إن مصر عربية إسلامية بنص الدستور الذي استند إليه الكاتب ولم يكن منصفاً عندما يتحدث عن الخصوم بهذه الطريقة وهو يعلم أنهم لا يملكون الدفاع عن أنفسهم ، وليتك تعلمت الدرس من الأستاذ خالد محد خالد ، فلم يكن رحمه الله أستاذاً للإعلام ولكنه كان صاحب مبدأ .
فعندما طلب منه أن ينضم إلى صفوف الكتاب الذين يشترون الدنيا بالآخرة رفض ذلك قائلاً : “لقد ناقشت الإخوان ونقدت فكرهم وسلوكهم يوم كان بعض قادة الثورة من مجاذيبهم !! ويوم كانوا من القوة بمكان .. أما اليوم وهم في المعتقلات
والسجون تحت وطأة التعذيب .. فقد أوصانا سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم “ألا نجهز علي جريح”.
لكن على مايبدو فإن الكاتب أراد أن يسبح مع التيار وعكسه في وقت واحد ليكون العجيبة الثامنة من عجائب الدنيا !! .
ولله في خلقه شؤون .

شاهد أيضاً

وائل قنديل يكتب : هذا الإرهاب الكروي

فرحة الجماهير بالانتصارات الرياضية للفرق القومية ردّة فعل عفوية وصادقة في كلّ بلاد الدنيا، وحزنها …