د عز الدين الكومي يكتب : ألمانيا وانتقائية الشعور بالذنب:

وجهٌ آخر لنفاق الغربألمانيا، البلد الذي يرفع شعارات الحرية وحقوق الإنسان، يقف اليوم عاريًا أمام مرآة التاريخ، يكشف عن وجهه الحقيقي: وجه النفاق والانحياز الأعمى للظلم. تصريحات المستشار الألماني، التي أعلن فيها وقوف بلاده إلى جانب الكيان الصهيوني، ليست مجرد كلمات عابرة، بل شهادة دامغة على انهيار الأخلاق وتهافت القيم التي تدّعي الغرب تمثيلها. كيف يمكن لدولة تتباكى على “عقدة ذنب” الهولوكوست أن تقف، بكل وقاحة، مع مرتكبي إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة في قطاع غزة؟
ألمانيا التي وصفت الهجوم الإسرائيلي علي إيران “بالعمل القذر” الذي تقوم به إسرئيل نيابة عن الغرب.
لن ننسى أن ألمانيا، التي تزعم الحساسية تجاه مآسي التاريخ، لها سجلٌ أسود في الإبادة الجماعية.
بين عامي 1904 و1908، ارتكبت ألمانيا أول إبادة جماعية في القرن العشرين في ناميبيا، حيث أبادت حوالي 65 ألفًا من شعب الهيريرو و10 آلاف من الناما.
هذه الجريمة، التي لم تعترف بها ألمانيا رسميًا إلا في عام 2021، بعد عقود من التجاهل، تكشف عن عمق الازدواجية الألمانية. فكيف يمكن لدولةٍ ترفض الاعتراف بجرائمها التاريخية إلا تحت الضغط أن تُصدّق في ادعاءاتها بحقوق الإنسان؟ وكيف تتجرأ اليوم على دعم إسرائيل في محكمة العدل الدولية، رافضةً لائحة الاتهام الأخلاقية التي قدمتها جنوب إفريقيا ضد جرائم الإبادة في غزة؟
الموقف الألماني ليس مجرد خطأ سياسي، بل خيانة لكل قيمة إنسانية.
ألمانيا، التي تزعم أنها تعلمت من ماضيها المظلم، تُعيد إنتاج نفس الظلم بأدوات جديدة.
بدلاً من الوقوف مع المظلومين في غزة، اختارت أن تكون شريكة في الجريمة، متذرعةً بـ”عقدة الذنب” التي تبدو اليوم مجرد أداة سياسية لتبرير الانحياز الأعمى للكيان الصهيوني.
هذه العقدة، التي تُستخدم كمبرر لدعم إسرائيل، لم تمنع ألمانيا من تجاهل هولوكوست غزة، حيث تُقتل الأطفال والنساء وتُدمر المستشفيات أمام أعين العالم.
أين الذنب الألماني تجاه الضحايا الفلسطينيين؟ أم أن الدم العربي لا يستحق حتى لحظة تأمل؟
رد ناميبيا، التي عانت من وحشية ألمانيا، كان صفعةً مدوية.
رفضت دعم ألمانيا لإسرائيل، وأعربت عن صدمتها من هذا الموقف المخزي.
هذا الموقف يكشف أن الشعوب التي عانت من الظلم تفهم جيدًا معنى الوقوف مع الحق، بينما تستمر ألمانيا في لعب دور المتفرج المتواطئ.
قرارها التدخل كطرف ثالث لدعم إسرائيل في محكمة العدل الدولية ليس سوى إعلان صريح بأن “حقوق الإنسان” التي تتشدق بها ليست إلا شعارات جوفاء تُستخدم لخدمة المصالح السياسية.
ألمانيا اليوم ليست فقط متواطئة، بل شريكة في الجريمة، لذا وجب علي الشعب الألماني أن يخرج من شرنقة عقد الذنب الزائفة.
دعمها لإسرائيل ليس دفاعًا عن “التحالف الغربي”، بل دفاع عن نظام استعماري عنصري يمارس التطهير العرقي بلا رحمة.
هذه ليست قيم الحرية ولا حقوق الإنسان، بل قيم النفاق والاستكبار الغربي .
ألمانيا، التي تزعم أنها تكفّر عن ذنوبها التاريخية، تُثبت أنها لم تتعلم شيئًا.
إنها تُعيد كتابة التاريخ بنفس الدم والظلم، لكن هذه المرة تحت راية “الديمقراطية” الزائفة.
في النهاية، الموقف الألماني ليس مفاجئًا، بل هو امتداد طبيعي لتاريخ الغرب الاستعماري الدموي.
لكن ما يثير الاشمئزاز هو هذا الادعاء الأجوف بالأخلاق، بينما الدم الفلسطيني يُراق بلا حساب، ومع ذلك يدعمون القاتل بحجج أوهي من خيوط العنكبوت.
ألمانيا، باختيارها الوقوف مع القاتل، لم تفقد مصداقيتها فحسب، بل أثبتت أن “عقدة الذنب” ليست سوى قناعٍ يُخفي وجهًا قبيحًا للتواطؤ والظلم.
التاريخ لن يرحم، والشعوب لن تنسى، والحقائق تتكشف يوماً بعد يوم.

شاهد أيضاً

مصطفى عبد السلام يكتب : مغزى قفزة الدولار في مصر وسر عدم تدخّل البنك المركزي

بات السؤال الملح في مصر الآن ليس عن أسباب قفزة سعر الدولار فلها أسبابها المنطقية، …