في مساء 12/2/1949 قبل أربع وسبعين عاما استشهد الإمام حسن البنا – رحمه الله – في قلب مدينة القاهرة برصاص رجال مباحث الملك فاروق ، بعد أن صدرت الأوامر من حكومة بريطانيا وحاكمها العسكري في مصر ، وهو الحاكم الفعلي لمصر آنذاك .
ظن هؤلاء الحمقى أنه بقتل الإمام المؤسس ستموت الدعوة وتندثر ، ولكن خاب مسعاهم ؛ لأن الدعوة فكرة ، فالفكرة لا تموت بموت صاحبها ، خاصة إذا كانت هذه الفكرة ربانية الوجهة والمصدر .
فأما ربانية الوجهة .. فلأنّ الإمام رحمه الله كان يهدف من وراء تأسيس هذه الجماعة تربية أتباعه على حسن الصلة بالله تعالى ، والحرص على مرضاته ، وهو ما يفسر هتاف الإخوان الدائم” الله غايتنا”.
أما ربانية المصدر فهي تعني ببساطة شديدة أن مصدر هذه الدعوة مستمد من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
فلم يكن غرض هؤلاء من وراء اغتيال الإمام البنا القضاء على شخصه المتواضع ، وإنما كان الهدف هو القضاء على دعوته – التي ترعرعت وازدهرت وقضَّت مضاجع المحتلين – ومحو المبادئ التي آمنت بها الجماعة ، وأصبحت تدعو إليها وتنشرها بين شباب الأمة .
وهو ما ظهر جلياً في كتائب الفدائيين التي انطلقت إلى أرض الجهاد في فلسطين (1948)، وأذاقت قطعان اليهود الأمرَّين . ومن قبل وقفت حجر عثرة أمام موجة التبشير التي اجتاحت العالم الإسلامي حين ذاك ، فضلاً عن مقاومتها لموجات التغريب التي سعت لسلخ الأمة من هويتها.
وبالرغم من وجود دعوات كثيرة تموج بها الساحتان : العربية والإسلامية .. فإنَّ دعوة الإمام البنا اختلفت عن هذه الدعوات بأنها ابتعدت عن سفاسف الأمور ، وأعلنت عن أهدافها منذ اللحظة الأولى ، بإرشاد المجتمع ونشر دعوة الخير فيه، وتحرير الوطن بتحريره من كل سلطان أجنبي – غير إسلامي – وإصلاح الحكومة حتى تكون إسلامية بحق، وإعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية ، وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه ، واستئناف الحياة الإسلامية الصحيحة (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) (التوبة:32).
لقد نجح الإمام في معرفة أدواء الأمة ، وشخّصها بدقة، ووضع لها العلاج الناجع ، ووضع نصب عينيه أنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وعرف أن السر الذي أصلح أول هذه الأمة هو القرآن الكريم الذي وصفه مَن أُنزله على قلب نبيه محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم- بأنه : لا يخلق بكثرة الرد، ولا يبلى على الترداد، ولا تنقضي عجائبه، وبأن فيه نبأ من قبلنا، وحكم ما بعدنا، ثم هو بعدُ حجة لنا أو علينا.
وكما قال علماء الإسلام: الذي وصفه منزِّلُه سبحانه وتعالى بأنه إمام، وأنه موعظة، وأنه نور، وأنه بينات، وأنه برهان، وأنه بيان، وأنه هدى، وأنه فرقان، وأنه رحمة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه يهدي للتي هي أقوم، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه قول فصل وما هو بالهز ل .
فقد نظر البنا -رحمه الله- فيما أصاب أمة الإسلام من تدهور، وأدرك بحسه الرباني أنَّ السبب فى ذلك يرجع إلى ابتعاد المسلمين عن روح الإسلام، فجعل رسالته أن يدعوهم إلى ما ابتعدوا عنه، وأن يؤكد في نفوسهم ما اهتزَّ من مُثُل وأخلاق، فكانت دعوته- رحمه الله- أشبهَ بالبعث الجديد، وأقرب ما تكون لنفوس الناس وقلوبهم، فأقبلوا عليها مؤمنين بها معتبرين أنها وحدها هي سبيل الخلاص.
والعجيب أن الإمام البنا لم يأت بجديد، بل هو مجدِّد الإسلام؛ أزال الركام عن موروث الأمة وقدَّمه فى صورة عملية سلوكية، ولم يرفض الدعاوى التي كانت سائدة وتموج بها الساحة آنذاك، ولكنه ألبسها لباس الإسلام كالوطنية والقومية وغيرها!
وبالرغم من أن عصر الإمام البنا كان مليئًا بالتيارات الهدامة والإلحادِ، وتعرض العالم الإسلامي للعديد من المخططاتِ الاستعمارية؛ كما شهد إلغاء الخلافة الإسلامية عام 1924م، وتحولت عاصمة الخلافة إلى قلعة علمانية، وحلت القوانين الوضعية محل الشريعة الإسلامية؛ لتحكم في دماء المسلمين، وأموالهم وأعراضهم، ولكن كل ذلك لم يمنعه من مقاومة هذه الأوضاع، والسعي لتغييرها وإزالتها، ولم يقل كما قال غيره : وماذا أفعل وأنا رجل واحد، ولا أملك شيئا من القوة المادية . لكن إيمانه بفكرته التي عاش لها جعله يحقق الكثير من النجاحات.
وكان يطمح إلى تحقيق أمل الأمة فى التحرر من سلطان المحتل الأجنبي، هذا الأمل الذى كان ينظر إليه البعض على أنه ضرب من ضروب الجنون والخيال، فقال فى إباء وشمم: إن أهداف جماعة الإخوان المسلمين في أمرين اثنين، وقال لأتباعه: “واذكروا دائمًا أن أمامَكم هدفين أساسيين:
الأول: أن يتحرر الوطن الإسلامي من كل سلطان أجنبي.
الثاني: أن تقوم في هذا الوطنِ الحر دولة إسلامية حرة، تعمل على تطبيق أحكام الإسلام، وتطبيق نظامه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي، وتبلِّغ دعوته للناس كافة امتثالاً لأمر الله تعالى.
ولم يكتف الإمام البنا بذلك بل دعا إلى شمولية الإسلام، عقيدة وعبادة، وتشريعٍ ومعاملاتٍ، وجهاد وسياسة، مستلهماً قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾[ الإسراء: 9]
فى وقت كان الإسلام لايزال حبيسا فى الزوايا والمساجد، ولا يعدو عن كونه ركعا ت تؤدى خالية من الخشوع والاطمئنان، فضلاً عن انتشار التعصب المذهبي بين أتباع المذاهب المختلفة والتدين التقليدي الفاتر.
رحم الله الإمام البنا وجزاه الله عنا وعن الإسلام والمسلمين خيرا.
علامات أونلاين alamatonline,موقع علامات